حرب المضيقين
تقرير خاص | بث
إيران تنقل الضغط من هرمز إلى باب المندب، والحوثيون يفتحون جبهة تهدد بوضع صادرات المنطقة بين ممرين ملتهبين
لا يبدو استهداف الحوثيين سفينتين سعوديتين في البحر الأحمر حادثًا منفصلًا عن الحرب الدائرة حول إيران ومضيق هرمز.
ففي الشرق، تواجه طهران حصارًا أمريكيًا على موانئها، وضربات متواصلة تستنزف قدراتها العسكرية والبحرية.
وفي الغرب، تحرك الحوثيون ضد السفن السعودية، مهددين بإشعال باب المندب وتحويل البحر الأحمر إلى جبهة ضغط جديدة.
وحين توضع الجبهتان في صورة واحدة، يظهر تحول أخطر من الهجوم نفسه:
إيران تحاول نقل الحرب من مضيق واحد إلى مضيقين، وتعويض ضعفها العسكري داخل أراضيها بالضغط على شرايين التجارة والطاقة المحيطة بالمنطقة.
هذه قراءة أصلية أعدتها «بث» بالاستناد إلى التصريحات والتحركات الرسمية، وتحليل الترابط بين المواجهة في هرمز والتصعيد الحوثي في البحر الأحمر.
الشرق يُغلق على إيران
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية استئناف الحصار البحري على السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها، مؤكدة أنها ستفرضه على حركة الملاحة المرتبطة بالموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، مع استمرار مرور السفن غير المخالفة.
ولا يقتصر الحصار على المراقبة.
فالقوات الأمريكية اعترضت سفنًا، وغيّرت مسارات أخرى، وعطلت حركة سفن لم تستجب للتحذيرات، واستخدمت المارينز لاعتلاء بعضها وتفتيشها.
وبذلك أصبحت إيران تواجه ضغطًا مزدوجًا في الشرق:
- ضربات تستنزف بنيتها العسكرية.
- حصار يحد من قدرتها على التصدير والاستيراد وإعادة بناء ما يُدمّر.
ومع تراجع قدرتها على حماية موانئها وفرض سيطرتها الكاملة حول هرمز، تحتاج طهران إلى نقل جزء من كلفة الحرب إلى مساحة لا تديرها القوات الإيرانية مباشرة.
وهنا يظهر باب المندب.
الغرب يشتعل
أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الحوثيين هاجموا سفينتين سعوديتين، وقال إنهم انجرفوا إلى المواجهة بتحريض من إيران، داعيًا إياهم إلى وقف التصعيد وعدم الدخول في الحرب.
وسبقت الهجوم تهديدات حوثية باستهداف السفن والمصالح السعودية والملاحة في باب المندب، وهي تهديدات حذرت منها دول المنطقة داخل مجلس الأمن بوصفها تصعيدًا يمس أمن المملكة واستقرار الملاحة الدولية.
المعلومة الظاهرة هي دخول الحوثيين على خط المواجهة.
أما المعنى الأعمق فهو أن الضغط الإيراني لم يعد محصورًا في الخليج العربي.
فإيران تستطيع، عبر الحوثيين، تهديد الممر البحري الغربي دون أن تنقل سفنها أو صواريخها إلى البحر الأحمر، ودون أن تتحمل منذ اللحظة الأولى المسؤولية العسكرية المباشرة عن فتح الجبهة.
إنها تستخدم ذراعًا جغرافية بعيدة لتمديد الحرب إلى مساحة لا تستطيع الوصول إليها بقواتها التقليدية.
كماشة بحرية
يقع مضيق هرمز شرق شبه الجزيرة العربية، ويمثل البوابة البحرية الرئيسية لصادرات الطاقة القادمة من الخليج.
أما باب المندب فيقع غربها، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل الطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.
وإذا تعرض الممران للتهديد في وقت واحد، فلا يعني ذلك توقف الصادرات السعودية والخليجية بالكامل؛ فالمملكة تمتلك خطوط أنابيب وموانئ ومسارات بديلة تمنحها قدرة مهمة على المناورة.
لكن الخطر يتمثل في تقليص البدائل ورفع كلفتها.
فحين يضطرب هرمز، تتحول الأنظار إلى موانئ البحر الأحمر.
وحين يتهدد باب المندب أيضًا، تصبح حركة السفن القادمة من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، خصوصًا نحو الأسواق الآسيوية، أكثر كلفة وخطرًا.
وهكذا تتحول الجغرافيا إلى كماشة:
- ضغط إيراني وأمريكي متبادل عند هرمز.
- تصعيد حوثي عند باب المندب.
- وبينهما تمتد طرق الطاقة والتجارة السعودية والخليجية.
الغاية ليست بالضرورة إغلاق المضيقين بصورة كاملة.
يكفي جعل المرور فيهما مكلفًا وغير مضمون.
لماذا الآن؟
اختيار هذا التوقيت ليس عشوائيًا.
فإيران تتعرض لضربات أمريكية متواصلة، وحصار موانئ، وتراجع في قدرة دفاعاتها ومنظوماتها البحرية، بينما تتسع قائمة الأهداف التي يمكن لواشنطن ضربها.
وفي مثل هذا الوضع، تصبح لدى طهران حاجة إلى تحقيق أربعة أهداف:
- تشتيت القوات والاهتمام الأمريكي بعيدًا عن هرمز.
- رفع كلفة الحرب على السعودية ودول المنطقة.
- تهديد طريق بديل لصادرات الطاقة.
- إثبات أن استنزاف إيران لن يبقى داخل حدودها.
فتح جبهة البحر الأحمر يجبر الولايات المتحدة وشركاءها على توزيع قدراتهم بين مساحتين بحريتين، بدل تركيزها حول إيران والخليج.
كما يمنح طهران ورقة ضغط غير مباشرة تستطيع استخدامها في التفاوض:
إذا أُريد للبحر الأحمر أن يهدأ، فلا بد أن يؤخذ ما يحدث لإيران في الحسبان.
وبذلك تتحول الملاحة الدولية إلى جزء من المقايضة السياسية.
الحوثيون ليسوا بحرية إيران
لا يعني الترابط بين الجبهتين أن الحوثيين يتحركون دائمًا بأوامر عملياتية مباشرة من طهران، أو أن كل قرار يتخذونه يُكتب داخل غرفة قيادة إيرانية.
فللحوثيين حساباتهم المحلية ومصالحهم السياسية والعسكرية، وقد يستخدمون الصراع الإقليمي لتعزيز موقعهم داخل اليمن وفي أي مفاوضات مقبلة.
لكن إيران بنت خلال سنوات علاقة تسليح وتدريب ودعم سياسي وتقني جعلت الحوثيين قادرين على تهديد الملاحة من مسافة بعيدة.
لذلك لا تحتاج طهران إلى إدارة كل صاروخ كي تستفيد من أثره.
يكفي أن تكون قد أسهمت في بناء القوة التي تطلقه، وأن يتقاطع الهجوم مع حاجتها الاستراتيجية إلى توسيع الحرب.
وهنا يظهر الفرق بين الأمر المباشر والوظيفة الاستراتيجية:
قد لا يكون الحوثيون وحدة عسكرية إيرانية، لكنهم يؤدون وظيفة تحتاج إليها إيران الآن.
لماذا السعودية؟
استهداف السفن السعودية يحمل أكثر من رسالة.
فالسعودية دولة منتجة ومصدرة للطاقة، وتملك ساحلين على الخليج العربي والبحر الأحمر، وبنية تحتية تمنحها قدرة على تجاوز جانب من اضطرابات هرمز.
ولذلك فإن الضغط على البحر الأحمر يستهدف أحد أهم عناصر مرونتها الاستراتيجية.
كما أن المملكة تمثل مركز الثقل السياسي والاقتصادي في المنطقة، وأي تصعيد ضدها يرفع مستوى الاهتمام الدولي أسرع من استهداف سفينة عابرة لا ترتبط بدولة محورية.
لكن الهجوم يضع الحوثيين أيضًا أمام مخاطرة كبيرة.
فالمملكة حافظت خلال السنوات الماضية على مسار خفض التصعيد في المنطقة ، واليمن، ودعمت الجهود السياسية والإنسانية.
واستهداف سفنها قد يغيّر طبيعة الحسابات.
فمن يهدد الملاحة السعودية لا يضغط على طرف سياسي فقط؛ بل يهدد الاقتصاد والطاقة والسيادة وطرق التجارة.
وهذه ملفات لا تستطيع أي دولة التعامل معها باعتبارها ورقة تفاوض محلية.
هل يريد الحوثيون جرّ السعودية؟
من الأهداف المحتملة للهجمات محاولة جرّ المملكة إلى مواجهة عسكرية مباشرة تعيد فتح الحرب في اليمن.
فدخول السعودية حربًا واسعة قد يحقق للحوثيين وإيران عدة مكاسب:
- يخفف جانبًا من الضغط العسكري الأمريكي عن إيران.
- يفتح جبهة جديدة تشتت القوات والاهتمام الدولي.
- يمنح الحوثيين ذريعة للتعبئة الداخلية وتقديم أنفسهم في مواجهة خارجية.
- يعطل المسار السياسي ويؤجل استحقاقات السلام داخل اليمن.
- يحول الحوثيين من طرف مسؤول عن إدارة مناطق يمنية إلى جماعة تحشد أنصارها تحت شعار الحرب.
وقد تراهن طهران على أن تكرار الاستفزازات سيدفع المملكة إلى رد سريع، ثم تستخدم الرد لتوسيع المواجهة وربط الجبهة اليمنية بالحرب الإيرانية.
لكن هذه القراءة تتجاهل طبيعة القرار السعودي.
فالمملكة لا تتعامل مع الأحداث بوصفها ردود أفعال منفصلة، بل تقرأ توقيتها وأهدافها والأطراف المستفيدة منها، وتوازن بين حماية أمنها ومنع خصومها من فرض ساحة القتال التي يريدونها.
لذلك، لا يعني ضبط النفس السعودي غياب القدرة، كما لا تعني الرغبة في السلام القبول بالاعتداء.
السعودية تستطيع حماية مصالحها ورفع مستوى الردع، مع تجنب الانجرار إلى حرب اختار الخصم توقيتها ومكانها.
وإذا اضطرت إلى التحرك، فإنها تملك من القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتحالفات ما يتيح لها التعامل مع الموقف بحكمة وقوة وحزم قد تتجاوز ما يتوقعه الخصم.
فالمملكة لا تحتاج إلى إثبات قدرتها بالاندفاع.
قوتها تظهر في اختيار التوقيت، وتحديد الهدف، وضبط حجم الاستجابة، وحرمان الخصم من المكسب الذي أراد تحقيقه باستفزازها.
ما الذي تريده إيران؟
لا تبدو إيران قادرة على الانتصار في مواجهة بحرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
كما لا تستطيع حماية جميع منشآتها وموانئها وقدراتها من الاستنزاف المستمر.
لكنها تستطيع محاولة منع خصومها من تحقيق نصر منخفض الكلفة.
وهنا تقوم استراتيجيتها على تحويل القوة الأمريكية من ميزة إلى عبء.
فكلما اتسعت الجبهات:
- احتاجت واشنطن إلى سفن وقواعد واعتراضات أكثر.
- ارتفعت كلفة حماية الملاحة.
- زادت احتمالات إصابة هدف مدني أو عسكري.
- تضررت التجارة وأسعار الطاقة.
- تصاعد الضغط الدولي لوقف الحرب.
إيران لا تحتاج إلى السيطرة على المضيقين.
إنها تحتاج إلى إبقاء الخطر قائمًا حولهما.
فالخطر وحده يرفع التأمين، ويغير مسارات السفن، ويضغط على الأسواق، ويجعل العالم شريكًا في البحث عن تسوية.
هل تنجح الكماشة؟
تملك إيران والحوثيون قدرة على الإرباك، لكن تحويلها إلى حصار مستدام أكثر صعوبة.
فالولايات المتحدة تنشر قوة بحرية كبيرة قرب هرمز وبحر العرب، وقد أظهرت استعدادها لاعتراض السفن واعتلائها واستخدام القوة لفرض الحصار.
وفي البحر الأحمر، تعمل قوات دولية وإقليمية، بينها عملية «أسبيدس» الأوروبية ذات المهمة الدفاعية لحماية السفن وحرية الملاحة.
كما أن السعودية تملك قدرات بحرية وجوية، وموانئ متعددة، وبنية لنقل الطاقة تقلل اعتمادها على ممر واحد.
لذلك قد تنجح الاستراتيجية الإيرانية في رفع الكلفة وإرباك الحركة، لكنها ستواجه صعوبة في إغلاق الممرين بصورة كاملة ولفترة طويلة.
بل قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة:
توسيع التحالف البحري ضد إيران والحوثيين، ومنح الولايات المتحدة مبررًا لضرب قدرات إضافية، ودفع السعودية إلى مراجعة سياسة ضبط النفس في اليمن.
والخطر على طهران أن تتحول محاولة تخفيف الضغط عنها إلى جبهة جديدة تزيد عزلتها.
الاختبار السعودي
أمام المملكة معادلة دقيقة.
فهي تحتاج إلى حماية سفنها وموانئها، وإثبات أن التهديد لن يفرض قواعد جديدة على حركة تجارتها.
وفي الوقت نفسه، لن تمنح الحوثيين وإيران بسهولة الحرب الواسعة التي قد يسعيان إلى جرها إليها.
لذلك يمكن أن تقوم الاستجابة السعودية على مستويات متدرجة:
- تعزيز الحماية البحرية والجوية.
- رفع التنسيق مع القوات الدولية.
- الضغط السياسي على الحوثيين والداعمين لهم.
- إبقاء باب التهدئة مفتوحًا بشروط واضحة.
- تنفيذ ردود محسوبة ضد مصادر التهديد إذا تكررت الهجمات.
- الاحتفاظ بخيارات أوسع إذا تعرض أمن المملكة أو منشآتها وملاحتها لخطر مباشر.
الحزم هنا لا يعني الاندفاع إلى الحرب.
بل منع الحوثيين من الاعتقاد بأن الحرص السعودي على السلام يعني قبول تهديد الملاحة، ومنع إيران من تحويل المملكة إلى طرف في معركة صُممت أساسًا لتخفيف الضغط عنها.
الاستشراف
تتجه حرب المضيقين إلى ثلاثة مسارات:
احتواء الجبهة الغربية
تنجح الوساطات في وقف الهجمات الحوثية، ويبقى الصراع مركزًا حول إيران وهرمز.
وهذا أفضل المسارات للحوثيين إذا أرادوا حماية مكاسبهم السياسية داخل اليمن وتجنب استدعاء قوة أكبر إلى مواجهتهم.
تهديد دون إغلاق
تستمر هجمات محدودة ومتباعدة لإبقاء التأمين والأسواق تحت الضغط، دون محاولة إغلاق باب المندب بالكامل أو دفع السعودية إلى رد واسع.
وهذا هو المسار الأكثر فائدة لإيران؛ لأنه يحقق الإرباك بأقل قدر من المسؤولية المباشرة.
تحول البحر الأحمر إلى جبهة حرب
تتكرر الهجمات أو تُصاب سفن ومنشآت حيوية، فتتحرك السعودية والقوات الأمريكية والدولية في عمليات أوسع ضد القدرات الحوثية.
وعندها تفقد طهران ميزة الحرب غير المباشرة، لأن ذراعها ستصبح هدفًا مباشرًا، وقد تواجه ردًا أكبر مما توقعته عند فتح الجبهة.
الخلاصة
لا يمكن فصل ما يحدث في باب المندب عما يحدث في هرمز.
ففي الشرق، تحاصر الولايات المتحدة إيران وتضرب قدراتها.
وفي الغرب، يحاول الحوثيون نقل الضغط إلى البحر الأحمر.
وبين الممرين، تتحرك الطاقة والتجارة والمصالح الدولية.
إيران لا تستطيع كسر الحصار الأمريكي في مواجهة بحرية مباشرة، لذلك تحاول توسيع مساحة الكلفة، وتهديد الطريق البديل، وإجبار خصومها على الدفاع عن جبهتين.
كما قد تسعى، عبر الحوثيين، إلى جرّ السعودية إلى حرب تشتت الضغط عنها وتعيد خلط الأوراق داخل اليمن والمنطقة.
لكن السعودية تدرك أن القوة لا تكون دائمًا في الاستجابة التي يتوقعها الخصم.
فقد تكون القوة في حماية المصالح، ورفع الردع، واختيار التوقيت، ومنع العدو من تحديد شكل المواجهة؛ مع الاحتفاظ بقدرة على الرد بحزم يتجاوز حساباته إذا استدعى الموقف ذلك.
كشف «بث»: إيران لم تعد تدافع عن موقعها داخل هرمز فقط؛ إنها تحاول بناء حرب بين مضيقين، وجرّ السعودية إلى إحدى جبهاتها، لتعويض ما تخسره بالقوة العسكرية بما تستطيع تهديده في الجغرافيا.
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره