أمريكا تبني الحرب التالية

news image

 

تقرير خاص | بث

القاذفات تضرب العمق، والأسطول يفرض الحصار، والمارينز يعتلون السفن.. ماذا تكشف بنية القوة التي ركّبتها واشنطن حول إيران؟

لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إعلان خطتها الكاملة كي يمكن رؤيتها.

فالخطة موزعة أمامنا بين بيانات القيادة المركزية، ونوعية الطائرات والسفن المنتشرة، وتدريبات المارينز، وعمليات اعتراض السفن، والوثائق الاستراتيجية الصادرة عن البيت الأبيض، والأهداف التي تعلنها إسرائيل، والتحركات الأوروبية لحماية الملاحة.

وعندما تُجمع هذه العناصر في صورة واحدة، تظهر نتيجة تتجاوز الأخبار اليومية:

واشنطن لا تنفذ سلسلة ضربات منفصلة على إيران؛ بل تبني منظومة حرب قابلة للاستمرار والتوسع، تستطيع الانتقال من الاستنزاف إلى الحصار، ومن الحصار إلى ضرب المنشآت العميقة، دون الحاجة إلى إعادة حشد القوة من البداية.

هذه قراءة أصلية أعدتها «بث» بالاستناد إلى معلومات مؤكدة من مصادر رسمية أمريكية وإسرائيلية وأوروبية، لا إلى روايات أخرى.

القوة التي تكشف الخطة

قد يبدو الحشد الأمريكي مجموعة ضخمة من الأسلحة، لكن الأهم ليس عدد القطع؛ بل توزيع وظائفها.

فالولايات المتحدة وضعت في المنطقة وحولها قوة تشتمل على:

  • قاذفات استراتيجية قادرة على ضرب المنشآت العميقة.
  • حاملات طائرات توفر موجات متتابعة من الهجوم والمراقبة.
  • طائرات شبحية ومقاتلات للهجوم والسيطرة الجوية.
  • طائرات حرب إلكترونية لتعطيل الرادارات والدفاعات.
  • طائرات إنذار وقيادة لإدارة المعركة من الجو.
  • سفن إنزال ومروحيات وقوات مارينز لاعتلاء السفن وفرض الحصار.
  • مدمرات تستطيع اعتراض الأهداف البحرية وإطلاق الصواريخ.
  • شبكة قواعد وإمداد تسمح باستمرار العمليات لفترة طويلة.

وفي مايو، أظهرت القيادة المركزية إقلاع مقاتلات «F-35B» من السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس تريبولي»، وتدريب قوة الاقتحام البحري التابعة للوحدة الاستكشافية الحادية والثلاثين على النزول بالحبال من المروحيات.

ثم تحولت التدريبات إلى أفعال.

ففي إحدى العمليات، عطّلت المدمرة «يو إس إس سبروانس» حركة سفينة إيرانية بعد ست ساعات من التحذيرات، قبل أن ينتقل المارينز إليها جوًا ويهبطوا فوقها بالحبال. وفي عملية أخرى، صعدت القوات الأمريكية إلى ناقلة نفط ووجهتها إلى تغيير مسارها. وأعلنت القيادة في مايو أنها أعادت توجيه 91 سفينة، قبل أن يبلغ العدد لاحقًا مئة سفينة خلال المرحلة الأولى من الحصار. 

هذه ليست قوات مخصصة للقصف وحده.

إنها بنية قادرة على ضرب إيران في البر، ومنعها من الحركة في البحر، ومراقبة المجال المحيط بها، والصعود إلى السفن التي لا تلتزم بالحصار.

حرب يمكن تشغيلها على درجات

يكشف تركيب القوة أن واشنطن لا تعمل وفق خيارين فقط: الحرب أو السلام.

لقد بنت سُلّمًا من التصعيد، يستطيع الرئيس دونالد ترامب اختيار الدرجة التي يريدها:

الضغط الجوي

ضرب القيادة، والدفاعات، والصواريخ، والمسيّرات، والقواعد البحرية، ومرافق التخزين والإمداد.

الخنق البحري

منع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، ورفع المخاطر أمام شركات النقل والتأمين والمتعاملين مع طهران.

تعطيل البنية العميقة

استخدام القاذفات والذخائر الخارقة للتحصينات، أو ضرب المداخل والطاقة والتهوية والاتصالات التي تحتاج إليها المنشآت الجبلية.

الانتقال إلى حملة أشد

تكثيف الطلعات، وتوسيع بنك الأهداف، وضرب مراكز النظام العسكرية والاقتصادية التي تسمح له بمواصلة الحرب.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع أمريكا توسيع الحرب؟

الإجابة العسكرية أصبحت واضحة: أدوات التوسيع موجودة في مواقعها بالفعل.

السؤال هو: متى يقرر ترامب تشغيل الطبقة التالية منها؟

الجبل ليس هدفًا منفردًا

أثبتت عملية «مطرقة منتصف الليل» في يونيو 2025 أن واشنطن تحتفظ بقدرة خاصة لضرب المنشآت النووية المحصنة.

فقد استخدمت قاذفات «B-2» وألقت 14 قنبلة خارقة للتحصينات من طراز «GBU-57» على مناطق نووية مستهدفة، بالتزامن مع إطلاق صواريخ «توماهوك» على أصفهان. وأوضحت وزارة الدفاع أن التخطيط لتطوير القدرة على ضرب مثل هذه الأهداف استغرق نحو خمسة عشر عامًا .

وبذلك لا يمثل «جبل الفأس» مشكلة ظهرت فجأة أمام الجيش الأمريكي، بل امتدادًا لنوع من الأهداف استعدت واشنطن له تقنيًا واستخباراتيًا منذ سنوات.

لكن تدمير منشأة جبلية لا يتطلب دائمًا الوصول إلى كل حجرة في أعماقها.

فقد تصبح المنشأة عاجزة إذا ضُربت:

  • المداخل والمخارج.
  • شبكات الكهرباء.
  • التهوية والتبريد.
  • الاتصالات.
  • طرق الإمداد.
  • مراكز القيادة المرتبطة بها.

وهنا يظهر أحد مفاتيح الخطة الأمريكية:

الهدف ليس بالضرورة إزالة الجبل؛ بل إطفاء الوظيفة التي يخفيها داخله.

لماذا يبدو الحصار جزءًا من القصف؟

الحصار ليس عملية موازية للحرب الجوية؛ بل امتداد لها.

فالطائرات تدمر قدرة إيران على استخدام القوة، بينما يمنع الحصار وصول الموارد التي تحتاج إليها لإصلاح ما دُمّر وتمويل ما بقي.

وكل سفينة تُمنع من دخول ميناء إيراني أو الخروج منه تحقق ثلاثة آثار:

  • تخفض حركة التجارة والإيرادات.
  • ترفع كلفة التأمين والشحن.
  • تجعل التعامل مع إيران مخاطرة حتى من دون فرض عقوبات جديدة.

لهذا لا يمكن قياس أثر الحملة بعدد المواقع التي تُقصف فقط.

فالقصف يخلق الضرر، والحصار يمنع التعافي منه.

ومن هنا يمكن فهم وجود المارينز وسفن الإنزال إلى جوار حاملات الطائرات والمدمرات. فالقوة الأمريكية لم تُصمم لمشاهدة السفن وهي تخالف الحصار، بل لفرضه عمليًا، بما في ذلك المطاردة والتعطيل والاقتحام.

ما الهدف الأمريكي الحقيقي؟

تعلن واشنطن أن العمليات تستهدف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، وحماية القوات الأمريكية والملاحة، ومنع إيران من تهديد الولايات المتحدة وحلفائها.

لكن الوثيقة الأهم لا توجد في بيان ضربة منفردة.

فـ«استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026» تنص على أن عملية «Epic Fury» ضد القدرات العسكرية والطموحات النووية الإيرانية ستستمر حتى لا يعود النظام في طهران مصدر تهديد للولايات المتحدة.  

هذه الصياغة لا تعلن إسقاط النظام هدفًا رسميًا.

لكنها تترك معيارًا مفتوحًا لنهاية العمليات: زوال التهديد، لا انتهاء جولة القصف.

والفرق كبير.

فإذا كانت نهاية الحرب مرتبطة بزوال التهديد، فإن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي، ولا يكفي أيضًا تدمير عدد من الصواريخ أو المنشآت.

سيكون على واشنطن أن تحصل على وضع يمنع إيران من:

  • إعادة بناء برنامجها النووي سرًا.
  • استعادة قدرتها الصاروخية.
  • تهديد مضيق هرمز.
  • تمويل أذرعها الإقليمية.
  • استخدام التهدئة لشراء الوقت.

وهذا يفسر بناء قوة تستطيع العودة إلى الضرب سريعًا إذا انهار الاتفاق أو ظهرت منشأة جديدة.

إسرائيل: إزالة الخطر لا تأجيله

يختلف توزيع الأدوار الأمريكية والإسرائيلية، لكن الغاية الاستراتيجية بينهما متقاربة.

ففي العملية المشتركة التي أطلقت عليها إسرائيل «الأسد الهادر»، أعلن الجيش الإسرائيلي أن الهدف هو إضعاف النظام الإيراني بصورة عميقة وإزالة التهديدات الوجودية على المدى الطويل. كما أكدت بياناته السابقة أن الاستهداف يشمل البرنامج النووي ومصفوفة الصواريخ ومراكز القيادة .

وهنا يمكن فهم حذر إسرائيل من الانضمام المباشر إلى كل جولة أمريكية.

فهي لا تحتاج إلى الظهور في مقدمة الحملة ما دامت واشنطن تضرب الأهداف التي ترى فيها إسرائيل خطرًا استراتيجيًا.

ويحقق بقاؤها في وضع الاستعداد ثلاث فوائد:

  • الاحتفاظ بقدرتها لمرحلة لاحقة.
  • تجنب منح إيران ذريعة فورية لتوسيع الحرب.
  • إبقاء قوة إضافية جاهزة إذا لم تحقق الحملة الأمريكية أهدافها.

إسرائيل لا تخرج من الحرب.

إنها تترك أمريكا تقود مرحلتها الحالية، وتحتفظ بحق الدخول حين ترى أن التهديد لم يُحسم.

 أسبيدس  

تظهر أحيانًا عملية «أسبيدس» الأوروبية ضمن المشهد وكأنها جزء من الحملة الأمريكية، لكنها ليست كذلك.

والاسم الصحيح هو EUNAVFOR ASPIDES، أي عملية القوة البحرية للاتحاد الأوروبي «أسبيدس»، وتعني باليونانية «الدروع».

أُطلقت العملية عام 2024، ومدد الاتحاد الأوروبي مهمتها حتى فبراير 2027. ويقتصر تفويضها المعلن على حماية السفن، ومرافقتها، وتعزيز الوعي بالموقف البحري، وصون حرية الملاحة، مع مراقبة مساحات تشمل البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وخليج عُمان ومضيق هرمز.  

إذًا، هناك مساران بحريان مختلفان:

  • المسار الأمريكي: حصار واعتراض وإجبار السفن على تغيير مسارها.
  • المسار الأوروبي: حماية دفاعية للسفن والممرات التجارية.

لكن وجودهما في المجال البحري نفسه يخلق توزيعًا عمليًا للوظائف؛ أمريكا تضغط على إيران، وأوروبا تحاول حماية التجارة من ارتدادات المواجهة.

وهذه ليست قيادة عسكرية مشتركة، لكنها بنية دولية تقلص مساحة الحركة المتاحة لطهران في البحر.

كشف «بث»: الحرب التالية موجودة داخل الحالية

بعد مراجعة تركيب القوات، وتسلسل الانتشار، وطبيعة التدريبات، والعمليات البحرية والجوية، تخلص «بث» إلى أن الولايات المتحدة لا تستعد لعملية واحدة فاصلة، ولا لغزو بري تقليدي.

إنها تبني هندسة ضغط دائم تقوم على خمس حلقات:

  1. كشف الأهداف ومراقبة حركتها.
  2. تعطيل الدفاعات والقيادة.
  3. ضرب القدرات العسكرية والنووية.
  4. قطع التمويل والإمداد عبر البحر.
  5. منع إيران من استخدام أي هدنة لإعادة بناء قوتها.

وهذه البنية قابلة للتشغيل جزئيًا أو كاملًا.

يمكن لواشنطن أن توقف القصف وتبقي الحصار.

أو تخفف الحصار وتبقي المراقبة.

أو تعود إلى ضرب المنشآت العميقة خلال وقت قصير.

أو توسع العمليات إلى المراكز التي تحمي النظام نفسه.

وبذلك لا تبدأ الحرب التالية بعد نهاية الحالية.

لقد بُنيت داخلها.

ما الذي لم تعلنه واشنطن؟

المعلن هو حماية الملاحة، وضرب القدرات المستخدمة في مهاجمة السفن، ومنع التهديد النووي.

أما ما تكشفه الأدوات مجتمعة فهو أوسع:

واشنطن تريد أن تصبح قدرة إيران على استعادة قوتها خاضعة للقرار الأمريكي.

فالقاذفات تهدد ما تخبئه تحت الأرض.

والحاملات تسمح بتكرار الضربات.

والحرب الإلكترونية تفتح المجال الجوي.

والمدمرات تراقب البحر.

والمارينز يفرضون الحصار فوق السفن نفسها.

وحين توضع هذه العناصر معًا، تصبح الرسالة إلى طهران:

لا يكفي أن تنجو من الضربة؛ عليك أن تثبت أنك لن تعود بعدها.

الاستشراف

تتجه الخطة الأمريكية إلى ثلاثة احتمالات:

اتفاق تحت السلاح

تقبل إيران فتح الممرات، ووقف الهجمات، وإخضاع المنشآت المشتبه بها لرقابة قابلة للتحقق. وعندها تبقى القوة الأمريكية ضمانة لتنفيذ الاتفاق.

استنزاف طويل

ترفض طهران تقديم تنازلات حاسمة، فتستمر الضربات والحصار بمستويات متفاوتة، بينما يُمنع النظام من إعادة بناء قوته بالسرعة التي يخسرها بها.

الانتقال إلى أعمدة النظام

إذا عجزت الضربات عن تغيير السلوك الإيراني، فقد تتوسع الأهداف من الأسلحة والمنشآت إلى مراكز القيادة والتمويل والحرس الثوري والبنية التي تحمي استمرار السلطة.

ولا يعني ذلك أن واشنطن ستعلن تغيير النظام.

قد تكتفي بإضعاف الأعمدة التي يقف عليها، ثم تترك الضغط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي يفعل ما لا تستطيع الطائرات فعله وحدها.

الخلاصة المختصرة

الولايات المتحدة لا تحشد لغزو إيران، ولا تكتفي بضربها من الجو.

إنها تبني منظومة تستطيع أن تضرب العمق، وتحاصر الموانئ، وتعتلي السفن، وتعطل الدفاعات، وتمنع إعادة البناء، ثم ترفع مستوى الحرب أو تخفضه بقرار سياسي واحد.

إسرائيل تريد إزالة الخطر على المدى الطويل، لكنها تترك واشنطن تقود الجولة الحالية وتحتفظ بقوتها للمرحلة التالية.

أما أوروبا فتدير عبر «أسبيدس» مهمة دفاعية لحماية الملاحة، لا للمشاركة في قصف إيران.

الخلاصة الأهم التي تكشفها «بث»: الحرب التالية ليست خطة محفوظة في درج البنتاغون؛ لقد أصبحت قوة قائمة في الجو والبحر، تنتظر فقط تحديد الهدف وقرار التشغيل.

 

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره