العصا الأخيرة: لماذا يحرق النظام إيران؟

news image

الحرس الثوري يواصل القتال رغم اختلال ميزان القوة: هل يدافع عن البلاد أم عن بقائه داخلها؟

من «خامنئي كمجنون في يده عصا» إلى نظام يواصل التلويح بها بعدما اقتربت الحرب من كسرها

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

تتلقى إيران ليالي متتالية ضربات أمريكية ،  تستهدف مراكز القيادة العسكرية، ومنظومات الدفاع الجوي، ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وتخزينها، والقدرات البحرية، والرادارات الساحلية، وشبكات الإمداد المرتبطة بمضيق هرمز.

ولا تضرب الولايات المتحدة ما أطلقته إيران فقط، بل تضرب قدرتها على الإطلاق مرة أخرى.

وفي المقابل، يواصل الحرس الثوري توسيع هجماته نحو دول المنطقة، وتهديد الممرات البحرية، وتحريك الأذرع الإقليمية، بينما تتحرك طهران عبر الوسطاء بحثًا عن مفاوضات تخفف عنها الضغط.

الحرب تتسع.

القدرات الإيرانية تُستنزف.

الاقتصاد يدفع الثمن.

والدولة تدخل كل يوم في دائرة أعمق من الخطر.

ومع ذلك، لا يتوقف النظام.

وهنا يبرز السؤال الذي لا تجيب عنه بيانات الحرب:

لماذا يواصل نظام يعرف أن ميزان القوة ليس في صالحه القتال، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير إيران؟

هل يعتقد الحرس الثوري أنه قادر فعلًا على الانتصار على الولايات المتحدة؟

أم أنه لم يعد يقاتل من أجل انتصار إيران، بل من أجل منع سقوطه داخلها؟

قبل أن تُكسر العصا

قبل سنوات، كتبت مقالًا بعنوان:

«خامنئي كمجنون في يده عصا».

لم تكن الفكرة وصفًا نفسيًا للرجل بقدر ما كانت قراءة لطريقة إدارة النظام الإيراني للصراع.

فالمجنون الذي يحمل عصا لا يخيف الآخرين بقوته فقط، بل بعدم القدرة على توقع ضربته التالية.

قد يضرب خصمه.

وقد يضرب من حوله.

وقد يضرب نفسه.

لكن الجميع يتردد في الاقتراب منه، لأنهم لا يعرفون أين ستسقط العصا.

وعندما يهدئه الآخرون، قد يبدو المشهد كما لو أنهم يخشونه، بينما تكون التهدئة في بعض الأحيان وسيلة لتقليل خطره وانتظار اللحظة المناسبة لانتزاع العصا من يده.

اليوم تعود الصورة بصورة أكثر خطورة.

فالعصا الإيرانية لم تعد تلوّح من بعيد.

لقد استخدمت في البحار، وضد دول الجوار، وعبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والأذرع المسلحة.

لكنها، في الوقت نفسه، تتعرض للكسر تحت ضربات عسكرية تستهدف اليد والأداة ومخازن القوة التي تقف خلفهما.

والسؤال الآن ليس:

ماذا يفعل العالم أمام رجل يلوّح بعصا؟

بل:

ماذا يفعل النظام عندما يكتشف أن العصا لم تعد تخيف خصومه، وأن اليد التي تحملها أصبحت هي المستهدفة؟

لا يقاتل لينتصر

في ميزان الحرب التقليدية، لا يملك الحرس الثوري القدرة على هزيمة الولايات المتحدة.

فالفارق في القوة الجوية، والاستخبارات، والمراقبة، والقيادة والسيطرة، والقدرة على الاستمرار، لا يسمح لطهران بتحقيق نصر عسكري بالمفهوم المعروف.

لكن النظام لا يحتاج بالضرورة إلى الانتصار كي يواصل الحرب.

قد يكون هدفه الحقيقي هو منع الولايات المتحدة من تحقيق انتصار نظيف، سريع، ومنخفض التكلفة.

ولهذا يحاول:

  • رفع الخسائر البشرية الأمريكية.
  • تهديد القواعد والمصالح في المنطقة.
  • توسيع الخطر إلى دول الجوار.
  • إرباك الملاحة في مضيق هرمز.
  • الضغط على أسواق الطاقة والتأمين والشحن.
  • فتح جبهات جديدة عبر الأذرع الإقليمية.
  • إظهار أن سقوط النظام لن يقود تلقائيًا إلى الاستقرار.
  • دفع واشنطن وحلفائها إلى قبول اتفاق يُبقي جزءًا من بنيته وقدراته.

إنه لا يقاتل ليهزم أمريكا عسكريًا.

إنه يقاتل ليجعل كلفة هزيمته أعلى من استعداد أمريكا لتحملها.

وهنا يظهر الفرق بين من يقاتل لكسب الحرب، ومن يقاتل لإفساد نصر عدوه.

النظام يخشى السلام

قد يبدو وقف الحرب الخيار الطبيعي لنظام يتعرض لاستنزاف متصاعد.

لكن السلام، بالنسبة إلى النظام الإيراني، ليس دائمًا أقل خطرًا من الحرب.

فما إن تتوقف الضربات حتى تبدأ الأسئلة داخل إيران:

من بدأ المواجهة؟

ماذا حققت عقود الإنفاق على الصواريخ والأذرع؟

كيف اختُرقت المواقع والقيادات؟

لماذا دُمرت منشآت الدولة؟

من يتحمل الخسائر الاقتصادية والبشرية؟

وهل كانت التضحيات دفاعًا عن إيران أم عن مشروع النظام؟

الحرب تسمح للسلطة بتأجيل هذه الأسئلة.

وتسمح لها بتحويل المعارض إلى خائن، والاحتجاج إلى تآمر، والفشل إلى صمود، والخسائر إلى شهادة، والانقسام الداخلي إلى تهديد للأمن القومي.

في الحرب، يستطيع النظام أن يقول للإيرانيين:

ليس وقت الحساب.

أما في السلام، فقد يكتشف أن الحساب هو أول ما ينتظره.

ولهذا قد يخشى النظام لحظة توقف القصف؛ لأنها اللحظة التي يعود فيها الإيرانيون إلى النظر نحوه بدل النظر إلى السماء.

حرب الدولة أم حرب النظام؟

هناك فرق بين دولة تخوض حربًا لحماية شعبها، ونظام يستخدم الدولة لحماية نفسه.

الدولة تسأل:

كيف نحمي الأرض والناس والاقتصاد؟

أما النظام المهدد فقد يسأل:

كيف نحمي السلطة، حتى لو خسرت الأرض والناس والاقتصاد؟

وهنا تقع أخطر لحظات الحروب؛ عندما تنفصل مصلحة السلطة عن مصلحة الدولة.

قد يصبح وقف الحرب ضرورة وطنية، لكنه يبدو للنظام تنازلًا يهدد هيبته.

وقد يصبح التراجع العسكري وسيلة لحماية المدن، لكنه يبدو للحرس بداية تفكك الردع.

وقد يصبح الاتفاق طريقًا لإنقاذ الاقتصاد، لكنه يفتح الباب أمام مراجعة داخلية لمجمل المشروع الذي حكم إيران منذ عام 1979.

عندها لا يعود السؤال:

هل تخسر إيران الحرب؟

بل:

هل يفضّل النظام أن تخسر إيران على أن يخسر هو؟

الحرس: دولة داخل الدولة

تأسس الحرس الثوري بعد ثورة 1979 لحماية النظام الجديد وقيم الثورة، لا بوصفه جيشًا تقليديًا مهمته حماية الحدود وحدها.

ومع مرور الوقت، توسع دوره من مؤسسة عسكرية إلى شبكة أمنية وسياسية واقتصادية تمتلك نفوذًا داخل الدولة وخارجها.

وتشير دراسات متخصصة إلى أن الحرس أصبح من أقوى الفاعلين الاقتصاديين في إيران، مع حضور في الطاقة والإنشاءات والصناعات العسكرية والاتصالات والنقل، إلى جانب نفوذه السياسي وقدرته العسكرية. كما تصفه مراجع متخصصة بأنه المؤسسة الأكثر ارتباطًا بحماية النظام واستمراره. 

ولهذا فإن سقوط النظام لا يعني للحرس تغيير رئيس أو حكومة.

إنه قد يعني:

  • فقدان الشرعية التي تمنحه سلطاته.
  • تفكيك إمبراطوريته الاقتصادية.
  • محاسبة قادته على قرارات الحرب والعبث في المنطقة والعالم..
  • خسارة شبكات النفوذ الإقليمية.
  • انقسام وحداته ومراكزه القيادية.
  • انتقال السيطرة على الصواريخ والمنشآت العسكرية.
  • نهاية الدولة التي بناها داخل الدولة الإيرانية.

الجيش التقليدي قد يقاتل لحماية إيران.

أما الحرس فيقاتل أيضًا لحماية النظام الذي يمنحه قوته.

وهذا لا يعني أن جميع أفراده يفكرون بالطريقة نفسها؛ فقد تظهر داخل المؤسسة انقسامات بين من يرى ضرورة إنقاذ الدولة، ومن يربط مصيره الكامل ببقاء النظام.

لكن القيادة الأكثر تشددًا تعرف أن أي نظام جديد قد يعيد تعريف دور الحرس أو يفككه.

لذلك يصبح القتال بالنسبة إليها دفاعًا عن الوجود، لا عن موقع تفاوضي فقط.

وهنا يظهر السؤال الأكثر قسوة:

هل يدافع الحرس عن إيران، أم يقاتل بإيران دفاعًا عن نفسه؟

لماذا يضرب حوله؟

حين يعجز النظام عن وقف الضربات داخل أراضيه، قد يحاول توسيع دائرة الحرب خارجها.

الهجمات على دول المنطقة والتهديدات للملاحة ليست دليلًا على توازن القوة بالضرورة، بل قد تكون محاولة لتغيير طبيعة المعركة.

فإذا بقيت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تستطيع واشنطن تركيز قوتها على أهداف محددة.

أما إذا امتدت إلى الموانئ وطرق التجارة والدول المجاورة وباب المندب ومضيق هرمز، فإن كلفة الحرب تصبح إقليمية ودولية.

والرسالة الإيرانية هنا ليست:

نستطيع هزيمة أمريكا.

بل:

لن نسمح لكم بهزيمتنا دون أن يدفع الآخرون الثمن.

وكلما ارتفع سعر النفط، وتعطلت السفن، وارتفعت كلفة التأمين، واتسعت المخاوف في دول المنطقة، اعتقد النظام أنه يملك أوراقًا جديدة للمساومة.

لكن هذه السياسة تحمل خطرًا عكسيًا.

فبدل تفكيك التحالف المقابل، قد توحد الدول المتضررة ضده.

وبدل إظهار القوة، قد تكشف أن النظام لم يعد قادرًا على الرد على مصدر الضربات، فاتجه إلى أهداف أضعف أو أقرب.

وبدل حماية إيران، قد تمنح خصومها مبررات إضافية لتوسيع العمليات.

العصا التي أراد النظام أن يخيف بها الجميع قد تجمعهم حول قرار كسرها.

العقيدة التي تعيد تعريف الهزيمة

لا يمكن فهم سلوك النظام الإيراني من السياسة والعسكر وحدهما.

النظام الإيراني بنى شرعيته على رؤية عقائدية تمنح الصراع معنى يتجاوز حدود الدولة والمصلحة الآنية.

داخل هذا الخطاب، تحضر مفاهيم:

  • الثورة المستمرة.
  • مقاومة الاستكبار.
  • المظلومية.
  • التمهيد للمستقبل.
  • الصراع بين معسكر الحق ومعسكر الباطل.
  • انتظار الإمام المهدي.

لكن من الضروري التفريق بوضوح بين المذهب الشيعي بوصفه مذهبًا من المذاهب الإسلامية، وبين تحويل بعض مفاهيمه إلى أيديولوجيا سياسية توظَّف لتبرير استمرار السلطة والحرب والعبث بمصير الدولة والمجتمع ومحيطهما الإقليمي.

فلا توجد قاعدة شيعية جامعة تقول إن تدمير إيران شرط لظهور المهدي، أو إن على الدولة أن تسعى إلى الخراب تعجيلًا بظهوره.

ولا يصح نسب هذا التفسير إلى المجتمع الإيراني كله؛ فهو تأويل سياسي متطرف حاول النظام ترسيخه وتوظيفه عقائديًا، ليصنع جمهورًا منقادًا، تُعطَّل لديه الأسئلة، ويُدفع إلى قبول الخسائر بوصفها قدرًا مقدسًا، لا نتيجة لسياسات يمكن مساءلة أصحابها عنها.

لكن دراسات تناولت توظيف الغيب والمعتقدات المهدوية في السياسة الإيرانية تكشف أن بعض التيارات المتشددة استخدمت اللغة الدينية لتقديم قادتها بوصفهم جزءًا من مسار إلهي، وتصوير خصومهم بوصفهم ممثلين للشر، وتحويل القرارات السياسية إلى معارك مقدسة. وقد درست جامعة كامبريدج هذا التداخل تاريخيًا في كتاب «الخرافة بوصفها أيديولوجيا في السياسة الإيرانية». 

وهنا تصبح الخطورة في التفسير السياسي للعقيدة.

فإذا اعتقد تيار داخل النظام أنه يقف في معركة تاريخية تمهد لانتصار نهائي، فلن يقرأ الخسائر بالطريقة نفسها التي تقرأها بها دولة براغماتية.

قد تُقدّم الضربة بوصفها امتحانًا.

والقائد القتيل شهيدًا.

والحصار دليلًا على خوف الأعداء.

والدمار ثمنًا للصمود.

والهزيمة العسكرية مرحلة تسبق النصر المؤجل.

وبذلك يستطيع النظام تحويل كل نتيجة ضدّه إلى دليل يخدم روايته.

كيف ينتصر بعد أن يخسر؟

النظام العقائدي يمتلك قدرة لا تمتلكها الأنظمة التقليدية بسهولة:

إعادة تعريف النصر.

فالنصر قد لا يكون حماية المدن أو الاقتصاد أو حياة الناس.

وقد لا يكون إسقاط طائرة أو إغراق سفينة أو وقف القصف.

قد يصبح مجرد البقاء.

إذا ظلت القيادة في مكانها، قال النظام إنه انتصر.

إذا استمر الحرس، قال إنه أفشل أهداف العدو.

إذا حافظ على بعض الصواريخ، قال إن الردع لم يسقط.

إذا بقيت الأذرع، قال إن محور المقاومة ما زال قائمًا.

وإذا دُمرت البلاد، قال إن إيران دفعت ثمنًا تاريخيًا لأنها رفضت الاستسلام.

بهذه الطريقة، لا يصبح الشعب شريكًا في تحديد معنى الانتصار.

النظام هو الذي يعرّف النصر، ثم يطلب من الشعب دفع ثمنه.

وقد ينجو النظام فوق أنقاض المدن، ثم يقدم مجرد نجاته بوصفها انتصارًا لإيران.

سيكولوجية القبو

حين تُحاصر الأنظمة، لا تصبح دائمًا أكثر عقلانية.

أحيانًا تصبح أكثر خطورة؛ لأنها تفقد القدرة على التراجع.

في بداية المواجهة، يعتقد النظام أنه يملك خيارات عديدة.

لكن مع تراكم الخسائر، يصبح كل تراجع اعترافًا بأن ما دُفع لم يحقق شيئًا.

وهنا تظهر «الكلفة الغارقة»:

كلما ارتفعت كلفة القرار، أصبح الاعتراف بفشله أصعب، فيدفع صانع القرار كلفة جديدة كي لا يعترف بأن السابقة ضاعت.

ويتحول التفكير من:

كيف ننقذ البلاد؟

إلى:

كيف نمنع الآخرين من القول إننا خسرنا؟

كما تعزل الحروب القيادات داخل دوائر أمنية ضيقة.

تقل المعلومات الصادقة.

ويخشى المسؤولون نقل الأخبار السيئة.

ويقترب المتشددون من مركز القرار.

ويتراجع صوت البراغماتيين؛ لأن الدعوة إلى التراجع قد تُفسر خيانة أو ضعفًا.

ويبدأ النظام في تصديق خطابه الخاص.

يرى كل وساطة دليلًا على خوف العدو.

وكل تأخير في الحسم انتصارًا.

وكل صاروخ يصل إلى هدف دليلًا على بقاء القدرة.

وكل اعتراض داخلي مؤامرة خارجية.

هذه هي سيكولوجية القبو:

أن تضيق مساحة الواقع حول القيادة، بينما تتسع على الجدران صورة النصر المتخيل.

هل هدف أمريكا إسقاط النظام؟

تعلن الولايات المتحدة أن ضرباتها تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية، ومراكز القيادة، ومنظومات الدفاع الجوي، والصواريخ والطائرات المسيّرة، والقدرات البحرية التي تهدد الملاحة.

وتؤكد القيادة المركزية الأمريكية استهداف هذه المنظومة على امتداد الحرب التي بدأت قبل 140 يومًا، وبخاصة في جولاتها الأخيرة؛ إذ شملت الضربات مراكز القيادة، ومواقع الإطلاق والتخزين، والقدرات البحرية، والدفاعات الجوية، والبنية اللوجستية العسكرية.

لكن استهداف القدرة العسكرية شيء، وإسقاط النظام شيء آخر.

وحتى الآن، لا يوجد إعلان أمريكي رسمي واضح يجعل تغيير النظام هدفًا معلنًا للحرب. غير أن مسار العمليات يوحي بأن الغاية قد لا تقف عند إضعاف البرنامجين العسكري والنووي، بل تمتد إلى تفكيك منظومة القوة التي تضمن بقاء النظام.

وقد تقوم هذه الاستراتيجية على:

  • تفكيك مراكز القيادة والسيطرة.
  • إضعاف الحرس الثوري.
  • تدمير القدرات التي تحمي النظام.
  • خنق مصادر التمويل والتصدير.
  • تفكيك شبكة الأذرع الإقليمية.
  • كشف العجز العسكري أمام الداخل.
  • مراقبة الانقسامات بين المتشددين والبراغماتيين.
  • ترك الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تفعل ما لا تستطيع الطائرات فعله وحدها.

في هذا التصور، لا تُسقط الولايات المتحدة النظام بقرار مباشر أو باجتياح عسكري.

إنها تنزع الأعمدة التي يستند إليها، ثم تترك ثقله الداخلي يُسقطه.

سياسة مع الحلفاء

لا تتحرك الولايات المتحدة في فراغ.

فاستهداف القدرات الإيرانية، وحماية الممرات البحرية، وتعزيز الدفاعات الجوية، ومراقبة التحركات العسكرية، وقطع التمويل، كلها تحتاج إلى شبكة من الحلفاء والشركاء.

وقد تكون الإستراتيجية القائمة هي توزيع الأدوار:

  • الولايات المتحدة تضرب القدرة العسكرية.
  • إسرائيل تجمع المعلومات وتلاحق البرامج المخفية.
  • دول المنطقة تحمي أجواءها ومياهها ومنشآتها.
  • العقوبات تضغط على الاقتصاد والتمويل.
  • الوسطاء يختبرون استعداد طهران للتراجع.
  • أجهزة الاستخبارات تراقب الانقسام داخل النظام.
  • المعارضة تحاول تقديم بديل سياسي.

لكن نجاح هذه السياسة لا يقاس بإضعاف النظام فقط.

بل بقدرتها على منع إيران من التحول إلى دولة فاشلة بعده.

فإذا اتفق الحلفاء على إسقاط الخطر، واختلفوا على شكل اليوم التالي، فقد يربحون الحرب ويفتحون أزمة أكبر.

المفارقة: الحرب قد تقوي الحرس

قد تبدو النتيجة الطبيعية للضربات هي إضعاف الحرس الثوري.

لكن الحرب قد تنتج مفارقة مؤقتة.

فكلما ضعفت المؤسسات المدنية، ازدادت حاجة النظام إلى الأجهزة المسلحة.

وكلما اتسعت المخاوف الداخلية، توسع دور الحرس والباسيج والأمن.

وكلما قُتل قادة سياسيون وعسكريون، قد يصعد جيل أكثر تشددًا.

وحذرت دراسة حديثة من أن الحرب، رغم قتلها قادة وإضعافها قدرات، قد تؤدي في المدى القصير إلى زيادة عسكرة السياسة الإيرانية .

هذا يعني أن إسقاط قدرة الحرس العسكرية لا يساوي تلقائيًا إنهاء قبضته السياسية.

قد يخسر الحرس الصواريخ والمخازن، لكنه يزداد سيطرة على ما تبقى من الدولة.

وقد يستخدم الحرب لتصفية خصومه واحتكار القرار وإسكات المجتمع.

لذلك فإن المعركة ليست على السلاح وحده.

إنها على قدرة النظام على تحويل خوفه إلى سلطة جديدة.

إيران ليست النظام

يجب ألا تضيع هذه الحقيقة داخل ضجيج الحرب:

إيران ليست النظام الإيراني.

إيران شعب وجغرافيا ومجتمع وتاريخ أقدم من جمهورية الملالي وحرسه الثوري.

أما النظام، فهو بنية حكم نشأت عام 1979، ويمكن أن يتغير دون أن تسقط إيران.

وتدمير إيران ليس انتصارًا.

وإفقار شعبها ليس تحريرًا.

وسقوط النظام لا يصبح إنجازًا إذا ترك وراءه دولة ممزقة، واقتصادًا منهارًا، وسلاحًا منتشرًا، ومواد نووية بلا رقابة، وصراعًا بين مراكز القوة.

المشكلة ليست أن النظام يرفض أن يُهزم فقط.

المشكلة أنه قد يربط مصير إيران بمصيره، ويقول للإيرانيين:

إما أن نبقى معًا، أو نسقط معًا.

وهنا يصبح النظام الذي يدعي حماية البلاد أحد أكبر الأخطار على بقائها.

ماذا بعد السقوط؟

إسقاط النظام أسهل من بناء النظام الذي يليه.

وقد أثبتت تجارب العراق وأفغانستان أن التفوق العسكري يستطيع إسقاط مركز الحكم، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج شرعية أو مؤسسات أو توافق اجتماعي.

وإيران أكثر تعقيدًا من أن تُختصر في لحظة سقوط القيادة.

فهي تضم:

  • أكثر من تسعين مليون نسمة.
  • محافظات وقوميات ومصالح متباينة.
  • جيشًا تقليديًا وحرسًا ثوريًا وباسيج وأجهزة أمنية.
  • برنامجًا نوويًا ومنشآت موزعة ومخزونًا حساسًا.
  • شبكات اقتصادية مرتبطة بمؤسسات الحكم.
  • معارضة داخلية وخارجية متعددة الاتجاهات.
  • حدودًا مع دول ومناطق شديدة الحساسية.
  • موقعًا يتحكم بجانب مهم من أمن الطاقة العالمي.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط:

من يسقط النظام؟

بل:

من يمنع سقوط الدولة معه؟

من يسيطر على الصواريخ؟

من يحمي المنشآت النووية؟

من يضمن استمرار المؤسسات والخدمات؟

من يمثل الإيرانيين؟

هل يقبل الجيش والحرس بسلطة انتقالية؟

هل تنقسم وحدات الحرس، أم تتحول إلى جماعات مسلحة؟

هل تستطيع المعارضة الانتقال من رفض النظام إلى إدارة دولة؟

إن لم تكن لهذه الأسئلة إجابات، فقد يتحول سقوط النظام من نهاية حرب إلى بداية حروب متعددة.

 

لماذا لا يتوقف؟

يمكن اختصار أسباب استمرار النظام في القتال في سبع نقاط:

1- لأنه يساوي بين بقائه وبقاء إيران

النظام يقدم نفسه بوصفه الدولة، فيجعل أي دعوة إلى تغييره اعتداءً على الوطن.

2- يخشى المحاسبة

وقف الحرب يفتح ملفات الفشل والاختراق والخسائر والإنفاق والأذرع التي تراجعت أو سقطت.

3- لأن الحرس يدافع عن إمبراطوريته

الحرب بالنسبة إليه ليست معركة حدود فقط، بل معركة على النفوذ والاقتصاد والسلاح والوجود السياسي.

4- يستطيع إعادة تعريف الهزيمة

ما دام النظام قائمًا، يستطيع تسمية بقائه انتصارًا مهما بلغت خسائر إيران.

5- يريد رفع كلفة إسقاطه

تهديد الجوار والطاقة والممرات البحرية رسالة بأن نهاية النظام لن تكون مجانية.

6- يعتقد أن الوقت قد ينقذه

قد تتغير السياسة الأمريكية، أو يتراجع التأييد الشعبي للحرب، أو ينقسم الحلفاء، أو تفرض الخسائر مفاوضات جديدة.

7-  يخشى السلام أكثر من الحرب

الحرب تسكت الداخل مؤقتًا، أما السلام فيعيد إليه صوته وأسئلته.

 

إلى أين تمضي إيران؟

تظهر أربعة مسارات رئيسية:

قتال حتى الانهيار

يواصل الحرس التصعيد، وتستمر الولايات المتحدة في ضرب قدراته وموارده، حتى يفقد النظام قدرته على إدارة الحرب والدولة معًا.

قد يبدأ الانهيار من الاقتصاد، أو من انقسام القيادة، أو من تمرد داخل المؤسسات، لا من ضربة عسكرية واحدة.

انقلاب من الداخل

تصل شخصيات عسكرية وسياسية إلى قناعة بأن بقاء التيار المتشدد يعني نهاية الدولة، فتتحرك لإزاحته والدخول في تفاوض يحافظ على المؤسسات ويقدم قيادة مختلفة.

هذا المسار قد ينقذ الدولة، لكنه قد يبقي جزءًا من بنية النظام تحت اسم جديد.

صفقة تنقذ الهيكل

يقبل النظام بتنازلات كبيرة تتعلق بالنووي والصواريخ والممرات البحرية والأذرع، مقابل وقف الضربات ورفع تدريجي للضغط والإبقاء على هيكله الداخلي.

وقد ينهي هذا المسار الحرب دون إنهاء أسبابها.

سقوط النظام وفوضى ما بعده

ينهار مركز الحكم قبل ظهور بديل قادر على السيطرة، فتدخل إيران في تنافس بين الحرس والجيش والمعارضة والقوى المحلية.

وهذا هو المسار الأخطر على إيران والمنطقة، حتى لو بدا لبعض خصوم النظام نصرًا سريعًا.

 

العصا الأخيرة

قبل سنوات، كان خامنئي في الصورة كمجنون يحمل عصا يخشى الجميع الاقتراب منه.

أما اليوم، فلم يعد الخوف من العصا وحدها.

الخوف من أن يكتشف النظام أنها توشك أن تُكسر، فيستخدم ما بقي منها لضرب الأرض التي يقف عليها.

قد يلقي العصا وينقذ بلاده.

وقد يقبل مخرجًا يحفظ الدولة.

وقد يواصل التلويح بها أملًا في أن يتراجع خصومه.

لكن الأخطر أن يقرر أن إيران لا تستحق البقاء إذا لم يبق هو حاكمًا لها.

الخلاصة

الحرس الثوري لا يواصل القتال لأن ميزان القوة يمنحه طريقًا واضحًا إلى النصر.

إنه يواصل القتال لأن الهزيمة لا تهدد قواعده وصواريخه فقط، بل تهدد النظام الذي يمنحه سلطته، والاقتصاد الذي يموّل نفوذه، والعقيدة السياسية التي تبرر وجوده.

ولهذا قد يبدو سلوكه غير عقلاني من زاوية مصلحة إيران، لكنه يصبح مفهومًا من زاوية مصلحة النظام.

المشكلة أن عقلانية البقاء لدى السلطة قد تتحول إلى جنون انتحاري لدى الدولة.

فإيران قد تنجو من هزيمة عسكرية.

وقد تعيد بناء منشآتها واقتصادها.

وقد تنتقل إلى نظام جديد.

لكنها قد لا تنجو بسهولة من قيادة تربط مصير البلاد بمصيرها، وتفضل احتراق الوطن على فقدان الحكم.

النظام لا يقاتل اليوم كي تنتصر إيران؛ بل يقاتل كي لا تستطيع إيران أن تعيش من دونه.

ولهذا فإن العصا الأخيرة ليست الصاروخ، ولا الحرس، ولا مضيق هرمز.

العصا الأخيرة هي إيران نفسها

مات صاحب العصا، خامنئي، لكن العصا لم تسقط معه؛ انتقلت مهشّمة إلى يد الحرس الثوري، الذي يواصل التلويح بما بقي منها، حتى لو كانت إيران نفسها هدف ضربته الأخيرة.