اليوم 139 🇺🇸⚔️🇮🇷 : إيران تحتمي بالوقت
الجولة العاشرة من الضربات الأمريكية المستجدة تستهدف بنية إيران العسكرية.. وطهران تخبئ أجهزة الطرد المركزي في الجبال وتفتح أبواب التفاوض عبر باكستان
بث | B
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية اكتمال الجولة العاشرة من الضربات المتتالية على أهداف عسكرية منتقاة داخل إيران، في استمرار لحملة تسعى إلى إضعاف قدرة طهران على مواصلة الهجمات وتهديد الملاحة في مضيق هرمز.
واستهدفت الضربات مراكز قيادة عسكرية، ومواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وتخزينها، ومنظومات للدفاع الجوي، إلى جانب قدرات بحرية ومنشآت للمراقبة الساحلية والإمداد العسكري.
ويكشف تنوع الأهداف أن العمليات الأمريكية لا تركز على تدمير منصات الإطلاق الظاهرة فقط، بل تتجه إلى تفكيك السلسلة العسكرية الكاملة؛ من القيادة والرصد والتخزين، إلى الإطلاق والإمداد وإعادة تجهيز المواقع بعد قصفها.
وفي تطور يتصل بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، تعتقد الاستخبارات الإسرائيلية أن طهران نقلت آلاف أجهزة الطرد المركزي المخصصة لتخصيب اليورانيوم إلى شبكة أنفاق عميقة داخل موقع يعرف باسم «جبل الفأس»، في خريف العام الماضي.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين، جرى نقل الأجهزة بعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، التي تعرضت خلالها المواقع النووية الإيرانية الرئيسية لهجمات أمريكية وإسرائيلية مكثفة.
وسلّمت إسرائيل نتائج معلوماتها الاستخباراتية إلى الولايات المتحدة، وسط مخاوف من أن تكون إيران قد اختارت الموقع الجبلي لإخفاء جزء من قدراتها النووية وحمايتها، تمهيدًا لإعادة بناء البرنامج بعيدًا عن المنشآت المعروفة والمكشوفة للمراقبة والاستهداف.
وقال معهد العلوم والأمن الدولي إن صور الأقمار الصناعية أظهرت نشاطًا متواصلًا في المنطقة، شمل حركة شاحنات، وتدعيم مداخل الأنفاق، وإقامة سياج أمني، وأعمالًا حول شبكة أنفاق قديمة يعود إنشاؤها إلى عام 2007.
ورجّح رئيس المعهد ديفيد أولبرايت أن تكون إيران قد نقلت أجهزة طرد مركزي إلى داخل الأنفاق، إلا أن طبيعة الاستخدام الفعلي للموقع وحجم المعدات الموجودة فيه لم يُحسما بصورة مستقلة حتى الآن.
وساطة باكستانية
بالتزامن مع التصعيد العسكري، تجري باكستان اتصالات مع إيران للتمهيد لجولة جديدة من المفاوضات بين طهران وواشنطن.
ويواصل وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني لقاءاته في إسلام آباد، التي تشمل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ووزير الداخلية محسن نقوي، ضمن تحرك يهدف إلى إعادة فتح المسار الدبلوماسي وإحياء التفاهمات المتعثرة.
وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الاتصالات مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء ما زالت مستمرة، رغم تواصل الضربات العسكرية الأمريكية.
من جهته، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن القرارات في البلاد تُتخذ وفق توجيهات المرشد مجتبى خامنئي، وإن مستوى التواصل معه ازداد خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن خامنئي شدد في اجتماعات خاصة على ضرورة إنهاء حالة «لا حرب ولا سلم»، مشيرًا إلى أن موقف طهران التفاوضي يستند إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام صادرات النفط ومعالجة القضايا الحيوية الأخرى، فيما اتهم الولايات المتحدة بعدم الالتزام بتعهداتها.
التحليل
إلى ماذا تخطط أمريكا؟
لا تبدو الولايات المتحدة راغبة في احتلال إيران أو الانزلاق إلى حرب برية مفتوحة. ما تسعى إليه هو بناء ضغط عسكري متدرج يمنع طهران من استعادة توازنها، ويدفعها إلى القبول باتفاق قابل للتحقق، لا مجرد تفاهم مؤقت يمنحها فرصة لإعادة ترتيب قدراتها.
وتكشف الجولة العاشرة أن واشنطن انتقلت من الضربات العقابية المحدودة إلى إدارة عملية استنزاف منظّمة. فهي لا تضرب ما أطلقته إيران فقط، بل تضرب قدرتها على الإطلاق مجددًا.
لهذا تتوزع الأهداف بين:
- مراكز القيادة والسيطرة.
- مخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة.
- منصات الإطلاق.
- الدفاعات الجوية.
- الرادارات والمراقبة الساحلية.
- القدرات البحرية المرتبطة بمضيق هرمز.
- شبكات الإمداد والتخزين تحت الأرض.
الغاية الأمريكية تبدو مزدوجة: تحييد التهديد الإيراني للممرات البحرية والقواعد الأمريكية، ومنع طهران من استخدام الوقت لإعادة بناء قدراتها النووية والعسكرية.
لماذا تلجأ إيران إلى التهدئة؟
قد تبدو دعوة إيران إلى التفاوض متناقضة مع استمرارها في نقل المعدات النووية إلى الجبال وتحصين منشآتها العسكرية. لكن المسارين في التفكير الإيراني قد يكونان متكاملين.
فطهران تتفاوض حين تحتاج إلى الوقت، وتخزن حين تتوقع استمرار الصراع.
إن صحت معلومات إسرائيل بنقل إيران آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى «جبل الفأس»، فإن إيران لم تنتظر نهاية الحرب لتفكر في المستقبل، بل بدأت مبكرًا في إعداد برنامج قادر على النجاة من الضربات. وهذا يعني أن طلب التهدئة لا يدل بالضرورة على التخلي عن المشروع، بل قد يكون محاولة لحمايته.
تحتاج إيران الآن إلى وقت لتحقيق أربعة أهداف:
- وقف الضربات أو تخفيفها.
- حماية ما تبقى من قدراتها العسكرية والنووية.
- إعادة توزيع الصواريخ والمعدات داخل منشآت أكثر عمقًا.
- استعادة صادرات النفط وتخفيف الضغط الاقتصادي الداخلي.
وهنا تصبح المفاوضات جزءًا من إدارة الحرب، لا نقيضًا لها.
فكل يوم يتوقف فيه القصف يمنح إيران فرصة لإصلاح منشأة، أو نقل معدات، أو تحصين نفق، أو إعادة تنظيم شبكة القيادة. وكل جولة تفاوضية طويلة قد تتحول إلى غطاء سياسي لعملية إعادة بناء بطيئة تحت الأرض.
لكن لهذه السياسة كلفة متصاعدة؛ فإطالة الوجود العسكري الأمريكي الضارب داخل المنطقة تعني استمرار اكتشاف المواقع الإيرانية واستنزافها، كما تمنح واشنطن وقتًا لتوسيع بنك الأهداف وتحسين قدرتها على تتبع المعدات المتحركة.
إيران تحاول شراء الوقت، لكن الوقت نفسه قد يعمل ضدها.
كيف تواجه أمريكا التخطيط الإيراني؟
التحدي أمام واشنطن لم يعد العثور على المنشآت المعروفة، بل اكتشاف ما نقلته إيران إلى الأنفاق، وتحديد ما إذا كانت تلك المواقع للتخزين والحماية، أم لإعادة تشغيل دورة تخصيب سرية.
ومن المرجح أن تتحرك الولايات المتحدة عبر أربعة مسارات متزامنة:
استمرار الضغط العسكري
مواصلة ضرب مواقع القيادة والصواريخ والإمداد لمنع إيران من تحويل فترة التفاوض إلى هدنة مجانية لإعادة التسليح.
تشديد المراقبة الاستخباراتية
متابعة حركة الشاحنات، ومداخل الأنفاق، ومنشآت الكهرباء والتهوية، وأعمال الحفر والتدعيم؛ لأن المنشأة الجبلية قد تخفي محتواها، لكنها لا تستطيع العمل من دون مؤشرات لوجستية تظهر خارجها.
ربط التهدئة بالتفتيش
قد ترفض واشنطن أي اتفاق لا يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية قدرة فعلية على الوصول إلى المواقع المشتبه بها، وفي مقدمتها «جبل الفأس»، مع حصر أجهزة الطرد المركزي ومخزون اليورانيوم ومراقبة عمليات النقل.
إبقاء الخيار العسكري حاضرًا
عمق الأنفاق يجعل تدميرها أكثر تعقيدًا، لكنه لا يجعلها خارج دائرة الضغط. فقد تستهدف الولايات المتحدة المداخل، وشبكات الطاقة والتهوية، وطرق الإمداد، ومراكز الإدارة المرتبطة بها، حتى إذا تعذر الوصول مباشرة إلى قلب المنشأة.
وهكذا تتحول المعركة من استهداف مبانٍ نووية ظاهرة إلى مطاردة برنامج موزع ومتحرك ومختبئ تحت الجبال.
الاستشراف والمآلات
تدخل المواجهة مرحلة أكثر تعقيدًا؛ لأن الطرفين باتا يخوضان صراعًا على الزمن.
إيران تريد وقف الضربات قبل أن تفقد قدرتها على إعادة البناء، فيما تريد الولايات المتحدة منع أي وقف للنار من التحول إلى فرصة تمنح طهران برنامجًا نوويًا أكثر سرية وتحصينًا.
وتبرز ثلاثة مسارات محتملة:
اتفاق تحت المراقبة
تنجح الوساطة الباكستانية في فتح مفاوضات تقود إلى وقف مرحلي للضربات، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، ووقف الهجمات الإيرانية، والسماح بتفتيش المواقع المشتبه بها.
وهذا هو المسار الأقل كلفة، لكنه يتوقف على قبول إيران برقابة أشد مما قبلته سابقًا، وعلى اقتناع واشنطن بأن التفتيش قادر على كشف ما نُقل إلى الجبال.
تفاوض يغطي الاستعداد
تدخل إيران مفاوضات طويلة دون تقديم تنازلات قابلة للتحقق، مستفيدة من المسار الدبلوماسي لإبطاء العمليات الأمريكية وإعادة تنظيم قدراتها.
إذا اشتبهت واشنطن في ذلك، فقد تستمر الضربات بالتوازي مع المحادثات، لتصبح المفاوضات وسيلة لإدارة مستوى الحرب، لا لإنهائها.
انتقال المعركة إلى الأنفاق
إذا تأكد وجود آلاف أجهزة الطرد المركزي داخل «جبل الفأس»، ورفضت طهران فتح الموقع للتفتيش، فقد يتحول الجبل إلى مركز المرحلة التالية من المواجهة.
وعندها لن يعود الخلاف حول ما فعلته إيران في الماضي، بل حول ما تخفيه للمستقبل.
الخلاصة
الجولة العاشرة ليست مجرد ليلة جديدة من القصف، و«جبل الفأس» ليس مجرد موقع نووي محتمل، والوساطة الباكستانية ليست مسارًا منفصلًا عن الحرب.
إنها جميعًا أجزاء من معركة واحدة:
أمريكا تضرب قدرة إيران على الاستمرار، وإيران تخبئ قدرتها على العودة، والتفاوض بينهما يحاول تحديد من سيستفيد من الوقت أولًا.
وقد تكون العقدة الحقيقية في أي اتفاق مقبل ليست فتح مضيق هرمز وحده، بل فتح أبواب الجبال أيضًا.
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره