من يصنع السلام؟
المنطقة بين من يبني الدولة ومن لا يستطيع البقاء من دون حرب
مقال تقريري تحليلي
إعداد وتحليل: إدارة الإعلام الاستراتيجي بوكالة بث
إشراف: عبدالله العميره
لا تبدأ الحروب دائمًا من طلقة، ولا يبدأ السلام دائمًا من اتفاق.
قد تبدأ الحرب من عقل لا يرى الآخر إلا هدفًا، ومن قائد لا يشعر بقيمته إلا حين يقف أمام خريطة، ومن جماعة تخشى أن تفقد سلاحها فتفقد معه سبب وجودها.
وقد يبدأ السلام من فكرة بسيطة: أن يعيش الإنسان من دون أن ينام مترقبًا صاروخًا، أو يستيقظ باحثًا عن ابنه تحت الأنقاض.
وبين العقلين، تقف منطقتنا منذ عقود؛ يحدّثها العالم عن السلام، ثم يملأ سماءها بالطائرات، ويمدّ أطرافها بالسلاح، ويطلب من شعوبها أن تثق بمستقبل تراه قادمًا إليها فوق دبابة.
السؤال ليس: من يتحدث عن السلام؟
الجميع يفعل ذلك.
السؤال الحقيقي: من يستطيع العيش من دون حرب؟
السلام الذي يحمل بندقية
تقول إحدى النظريات السياسية إن السلام لا تحميه النوايا الحسنة، بل توازنات القوة. وفي هذا قدر من الحقيقة؛ فالدولة الضعيفة قد تُغرى الأطراف الأقوى بالاعتداء عليها، والاتفاق الذي لا تحميه مؤسسات وقوة مشروعة قد تسقطه أول جماعة مسلحة.
لكن الخطأ يبدأ حين تتحول القوة من حارس للسلام إلى تعريف له.
فالقوة تستطيع إيقاف إطلاق النار، وإبعاد جيش، وردع اعتداء، لكنها لا تستطيع إجبار إنسان على الشعور بالأمان تجاه من يقف أمامه حاملًا بندقيته.
يمكن فرض الصمت بالقوة، لكن لا يمكن فرض الطمأنينة.
ويمكن دفع دولة إلى توقيع اتفاق، لكن لا يمكن إجبار شعبها على اعتباره عادلًا إذا شعر أنه وُقّع تحت الإكراه، أو أنه حوّل الهزيمة العسكرية إلى نظام سياسي دائم.
السلام الذي يقوم على إذلال طرف لا ينهي الحرب؛ بل يؤجلها حتى تظهر قوة جديدة أو جيل جديد أو لحظة غضب جديدة.
الإنسان العربي
تُخطئ قراءات غربية وإسرائيلية كثيرة حين تظن أن الضغط المتواصل يصنع قبولًا دائمًا.
فالشخصية العربية، بتجاربها التاريخية والاجتماعية، قد تصبر طويلًا، وتتحمل ما لا يُتوقع، وتبحث عن التسوية حين تحفظ الدم والكرامة. لكنها تصبح أكثر رفضًا عندما تشعر بأن المطلوب ليس السلام، بل إعلان الخضوع.
قد يقبل العربي بتنازل متبادل، لكنه لا يقبل أن يرى قائده يُقاد.
وقد يقبل بحدود الضرورة، لكنه لا يتعايش بسهولة مع مشهد طرف يطالبه بالثقة، فيما تبقى البندقية ظاهرة على ظهره.
وهذا لا يعني تمجيد العناد أو تحويل الحرب إلى قيمة. على العكس؛ فالشجاعة ليست في استمرار القتال حين يصبح عبثيًا، كما أن الحكمة ليست في قبول اتفاق يزرع بذور الانفجار المقبل.
المعادلة الأصعب هي أن نصنع سلامًا لا يُشعر أحدًا بأنه انكسر، ولا يسمح لأحد بأن يتحول إلى سيد دائم للآخرين.
إسرائيل ومأزق القوة
منذ تأسيس إسرائيل، ظل الأمن هاجسًا مركزيًا في بنيتها السياسية والعسكرية. ومع كل حرب، ازدادت القناعة داخل قطاعات من مؤسساتها بأن مزيدًا من القوة سيقود إلى مزيد من الأمن.
لكن العقود أثبتت أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا ينتج وحده استقرارًا سياسيًا.
تستطيع إسرائيل تدمير مبنى، واغتيال قائد، وإضعاف جيش أو جماعة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها محو ذاكرة شعب، أو إلغاء حق، أو تحويل الخوف منها إلى قبول بها.
والمشكلة ليست في امتلاك إسرائيل القوة، بل في العقليات التي ترى أن القوة كافية، وأن الأمن يمكن بناؤه من جانب واحد، وأن الطرف الآخر سيقبل في النهاية بما يُفرض عليه إذا تعرض لضغط أكبر.
هذه العقلية قد تنتصر في معركة، لكنها تزرع بعد كل انتصار خصمًا جديدًا.
ولن تعرف إسرائيل سلامًا مستقرًا ما دام في قيادتها من يحتاج إلى الخوف كي يحكم، وإلى الحرب كي يؤجل الأسئلة الداخلية، وإلى عدو دائم كي يحافظ على تماسك جمهوره.
فمن يبني شرعيته على الخطر، يخشى زوال الخطر أكثر مما يخشاه الناس.
الطرف الآخر من المرآة
لكن المسؤولية لا تقع على العقلية الإسرائيلية وحدها.
في الجانب العربي، ظهرت جماعات رفعت شعار المقاومة، ثم تحولت بمرور الزمن إلى قوى تحتاج إلى استمرار الصراع كي تبرر سلاحها ونفوذها وخروجها على الدولة.
وحين يصبح السلاح مصدر السلطة، يغدو السلام تهديدًا لصاحبه.
فالجماعة التي بنت مكانتها على الحرب ستواجه عند انتهائها سؤالًا صعبًا: لماذا ما زال سلاحها خارج مؤسسات الدولة؟ ولماذا يبقى قرار الحرب والسلم في يدها؟ وما الوظيفة التي ستؤديها إذا أصبح الجيش وحده مسؤولًا عن حماية الحدود؟
لهذا لا ينبغي قياس جماعات مثل حزب الله بما تقوله عن المقاومة فقط، بل بما فعلته بالدولة التي تعمل داخلها.
هل جعلت لبنان أكثر سيادة، أم جعلته ساحة؟
هل حمت قراره، أم شاركته فيه بقوة السلاح؟
هل منعت الحرب، أم جعلت اندلاعها ممكنًا بقرار لا تملكه مؤسسات الدولة؟
لا يمكن بناء سلام في ظل حكومة إسرائيلية ترى القوة طريقًا وحيدًا، ولا في ظل جماعة مسلحة ترى الدولة قيدًا على حركتها.
المتطرفون في الجانبين يبدون أعداء، لكن بقاء كل طرف منهم يساعد الآخر؛ لأن الخوف الذي يصنعه أحدهما يصبح حجةً في يد الثاني.
من يستفيد من استمرار النار؟
ثمة سؤال يكشف كثيرًا من المواقف:
ماذا سيخسر كل طرف إذا تحقق السلام؟
المواطن سيستعيد حياته.
والنازح سيعود إلى بيته.
والاقتصاد سيتنفس.
والدولة ستعيد بناء مؤسساتها.
لكن تجار السلاح سيخسرون سوقًا، والجماعات المسلحة ستخسر حجتها، والقادة الذين صنعوا صورتهم في ساحات المعارك سيضطرون إلى إثبات قدرتهم في المدارس والمستشفيات والاقتصاد.
وهنا نفهم لماذا يكون بدء الحرب أحيانًا أسهل من إنهائها.
ففي الحرب، يستطيع القائد أن يطلب الصمت باسم الخطر. أما في السلام، فعليه أن يجيب عن أسئلة الناس: ماذا بنيت؟ ماذا أصلحت؟ كيف أنفقت المال؟ ولماذا بقي الفقر والفساد والفشل؟
الحرب تمنح بعض القادة أعذارًا، والسلام يسحبها منهم.
العاجزون عن السلام
يعرف التاريخ قادة برعوا في قيادة الجيوش، لكنهم عجزوا عن إدارة اليوم التالي للحرب.
ويعرف العالم زعماء أتقنوا رفع سقف التهديد، وحشد الجماهير، وتقديم الصراع بوصفه معركة وجود، ثم اكتشفوا أن العودة إلى التفاوض أصعب من الذهاب إلى الجبهة.
المشكلة ليست في اسم بعينه، ولا في دولة واحدة؛ بل في نمط قيادة يتكرر من الشرق إلى الغرب:
قائد يظن أن التراجع عن خطأ ضعف.
ورئيس يخشى أن تنهي التسوية دوره.
وحكومة تستخدم خصمًا خارجيًا لتغطية فشلها الداخلي.
ونظام يحوّل الوطن إلى ساحة اختبار لطموحات قادته.
هؤلاء قد يكونون بارعين في سوق الحرب؛ يجيدون التهديد والتحالف والتعبئة وشراء السلاح. لكنهم غالبًا عاجزون عن إدارة السلام؛ لأن السلام يحتاج إلى خيال سياسي، وتنازل محسوب، وعدالة، وصبر، وشجاعة في مواجهة المتطرفين داخل المعسكر نفسه.
فتح الحرب قد يحتاج إلى أمر واحد.
أما إغلاقها، فيحتاج إلى دولة.
العالم الذي يدير الاشتعال
ليس من العدل إعفاء القوى الكبرى من مسؤوليتها.
فالغرب يتحدث كثيرًا عن الاستقرار، لكنه مارس طويلًا سياسة إدارة التوازنات الهشة: لا ينتصر طرف تمامًا، ولا يستقر إقليم تمامًا، ولا تتوقف الحاجة إلى الحماية والسلاح والوساطة.
قد لا توجد غرفة مغلقة يُقال فيها حرفيًا: «لا تجعلوا المنطقة هادئة». لكن كثيرًا من السياسات أنتج هذه النتيجة عمليًا.
تُباع الأسلحة إلى الخصوم، ثم تُعرض الوساطة بينهم.
تُترك القضايا من دون حل عادل، ثم يُستغرب انفجارها.
يُدان العنف عند طرف، ويُمنح اسمًا آخر عندما يمارسه طرف حليف.
ويُطلب من شعوب المنطقة احترام قانون دولي لا تراه يُطبق بالمقياس نفسه.
بهذه الازدواجية، يفقد السلام صدقيته، ويتحول من قيمة إنسانية إلى أداة سياسية يستخدمها الأقوى عندما تناسبه.
العالم لا يحتاج فقط إلى وسطاء يوقفون إطلاق النار، بل إلى نظام لا يكافئ من يبدأه.
النموذج السعودي
في مقابل منطق إدارة الأزمات، بنت المملكة خلال الأعوام الماضية سياستها الإقليمية على فكرة مختلفة: لا تنمية في ساحة مشتعلة، ولا استثمار مستدامًا في إقليم ينتظر الحرب التالية.
السلام في الرؤية السعودية ليس شعارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة استراتيجية.
فالدولة التي تخطط لليوم وغدٍ وما بعد غد، وتبني المدن والصناعات والشراكات، لا ترى في الفوضى فرصة، بل عائقًا أمام المستقبل.
لكن الدعوة السعودية إلى السلام لم تقم على مطالبة الأطراف العربية بالتخلي عن حقوقها، ولا على قبول الإذلال مقابل الهدوء.
إنها تقوم على سلام يحفظ سيادة الدول، ويعيد القرار إلى مؤسساتها، ويمنع الجماعات المسلحة من اختطافه، ويضع التنمية في مكان الحرب.
وهذا هو الفارق بين السلام بوصفه استسلامًا، والسلام بوصفه مشروعًا للحياة.
المملكة لا تريد للمنطقة أن تهدأ ليلة واحدة؛ بل أن تتغير الأسباب التي تجعلها تستيقظ على الحرب كل مرة.
لبنان.. بداية الطريق؟
ما يجري في لبنان قد يكون اختبارًا مبكرًا لإمكان بناء هذا النوع من السلام.
فالطريق ليس اتفاقًا بين بيروت وتل أبيب فقط، ولا انسحابًا عسكريًا وحده، ولا نزعًا لسلاح حزب الله بمعزل عن بقية العناصر.
السلام المستدام في لبنان يحتاج إلى معادلة متكاملة:
انسحاب ينهي الاحتلال، وجيش يملأ الفراغ، ودولة تحتكر السلاح، وضمانات تمنع الاعتداء، ومؤسسات تستعيد ثقة المواطن، ودعم عربي ودولي يعيد بناء الاقتصاد والمناطق المتضررة.
إذا غاب الانسحاب، تحول نزع السلاح إلى مطلب إذعان.
وإذا بقي السلاح الموازي، ظلت الدولة ناقصة.
وإذا غابت الضمانات، عاد الخوف.
وإذا لم تأتِ التنمية، بقي السلام اتفاقًا للنخب لا حياةً للناس.
النجاح هنا لا يعني انتصار إسرائيل على حزب الله، ولا انتصار حزب على إسرائيل؛ بل انتصار لبنان على تحوله إلى ساحة.
وهذا هو أصعب انتصار، لأنه يسحب القرار من المتطرفين على الجانبين ويعيده إلى الدولة.
القوة التي تحمي السلام
ليس السلام دعوة إلى إلقاء السلاح أمام المعتدي، ولا مطالبةً للدول بأن تثق في النوايا.
السلام يحتاج إلى قوة، لكن إلى قوة من نوع مختلف: قوة شرعية، منضبطة، خاضعة للدولة والقانون، وظيفتها منع الحرب لا البحث عنها.
هناك فرق بين جيش يحمل السلاح كي لا تُفرض الحرب على وطنه، وجماعة تحتاج إلى الحرب كي يبقى سلاحها فوق وطنها.
وهناك فرق بين دولة تبني ردعًا يحمي حدودها، وحكومة تستخدم التفوق لفرض إرادتها خارج حدودها.
السلاح لا يكون عدوًا للسلام دائمًا؛ لكنه يصبح كذلك عندما يتحول من وسيلة لحماية الدولة إلى وسيلة لحكمها، أو من أداة ردع إلى عقيدة سياسية.
من يريد السلام؟
من يريد السلام حقًا لا يُعرف من كلماته، بل من استعداداته لليوم التالي.
من يريد السلام يقوّي الدولة، لا الجماعة.
ويحمي الحدود، لا يفتح الجبهات.
ويبحث عن عدالة تمنع الثأر، لا عن إذلال يؤجله.
ويقبل أن يكون للآخر أمن وكرامة، كما يطلبهما لنفسه.
أما من يريد الحرب، فقد يتحدث عن السلام أكثر من الجميع، لكنه يضع شروطًا لا يستطيع الآخر قبولها، أو يؤجل الاتفاق كلما اقترب، أو يحتفظ بعدو يحتاج إليه، أو يبني نفوذه على خوف الناس.
المعيار ليس من يرفع غصن الزيتون أمام الكاميرات.
المعيار: من يضع البندقية جانبًا عندما يصبح العدل ممكنًا؟
ما بعد الأبيض والأسود
ليس العالم أبيض وأسود؛ ففي كل دولة من يريد السلام ومن يخشاه، وفي كل مجتمع ذاكرة ألم، وفي كل تسوية تنازل.
لكن ثمة خطًا واضحًا يمكن رؤيته وسط التعقيد:
في جانب، من يبنون الدولة ويستثمرون في الحياة.
وفي الجانب الآخر، من لا يستطيعون تخيل دور لهم من دون حرب.
وقد يتغلب أصحاب الحرب مرات؛ لأن صوت الانفجار أعلى، ولأن صورة الصاروخ أسرع من صورة مدرسة تُبنى أو عائلة تعود إلى بيتها.
لكن التاريخ لا يعيش بالنار وحدها.
فبعد كل حرب، يعود الناس إلى البحث عن المنزل والعمل والخبز والمدرسة والطريق الآمن. وتكتشف الشعوب، مهما طال غضبها، أن النصر الذي لا يمنحها حياة ليس نصرًا كاملًا.
السلام ليس ضعفًا، ولا نسيانًا للحقوق، ولا هديةً يمنحها القوي للضعيف.
السلام شجاعة عقل يعرف متى يردع، ومتى يتفاوض، ومتى يتنازل، ومتى يرفض.
وهو عدالة تضمن ألا يتحول أمن طرف إلى خوف دائم عند الطرف الآخر.
أما القوة التي لا تعرف إلا كيف تبدأ الحرب، فليست قوة مكتملة؛ لأن أصعب أنواع القوة هو أن تملك السلاح، ثم تملك الحكمة التي تمنعك من جعله مستقبلًا لأبنائك.
قد يصنع تجار الحرب عناوين التاريخ الصاخبة، لكن صانعي السلام هم الذين يمنحون التاريخ غدًا.
ولهذا سيبقى السؤال قائمًا أمام الحكومات والجماعات والقادة والشعوب:
هل تريدون سلامًا يعيش فيه الجميع، أم انتصارًا مؤقتًا تسمونه سلامًا؟
المنطقة تعبت من الذين يتقنون الموت.
وحان وقت الذين يتقنون صناعة الحياة.