الشرق الأوسط الجديد ..لمن؟
ومن يدير الفزّاعة؟
لمن الأمن؟
لمن السلام؟
لمن النفوذ؟
لمن المكاسب؟
ولمن الخسائر؟
إعداد وقراءة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
لا يبدو المشهد في الشرق الأوسط مجرد حرب مع إيران، أو تفاوض حول مضيق هرمز، أو تهديدات حوثية عابرة ضد دول الخليج.
الصورة أوسع من ذلك.
هناك وجود أمريكي ثقيل في المنطقة.
وحرب لم تُغلق ملفاتها.
ومفاوضات تُدار بالشد والجذب.
وصوت إيراني يرتفع.
وصوت حوثي يعود إلى التهديد.
وصمت أمريكي لا يخلو من معنى.
وحديث متكرر عن شرق أوسط جديد، وسلام دائم مع إسرائيل.
لكن السؤال الأعمق ليس:
ماذا تريد واشنطن من الشرق الأوسط؟
بل:
هل تعتقد واشنطن أن المنطقة ستقبل شرقًا أوسط جديدًا يُرسم بعقل أمريكي وحده؟
فالرئيس دونالد ترامب يتحدث عن سلام وترتيبات جديدة، لكن المنطقة لا تتحرك داخل فراغ. إسرائيل ما زالت تُدار بعقلية قديمة ترى الاستقرار من بوابة القوة. والعرب ليسوا كتلة واحدة. وإيران لا تريد الخروج من المعادلة بلا ثمن. وأذرعها في لبنان والعراق واليمن لا تعمل خارج حسابات الضغط، حتى حين تبدو منفصلة عن طهران.
عودة الحوثي إلى تهديد دول الخليج، بالتزامن مع ارتفاع الصوت الإيراني حول هرمز، ليست تفصيلًا هامشيًا. فقد هدد الحوثيون بضرب مطارات وأصول حيوية سعودية، بعد اتهامهم المملكة بمحاولة منع طائرة إيرانية من الهبوط في صنعاء، وفق ما أوردت تقارير صحفية
وهنا يصبح السؤال حساسًا:
هل علو صوت الحوثي متناغم مع الصوت الإيراني فقط؟ أم أنه يخدم، ولو بطريقة غير مباشرة، المنطق الأمريكي في إعادة ترتيب المنطقة؟
لا يمكن الجزم بأن الحوثي يتحرك بإرادة أمريكية، فهذا استنتاج لا دليل عليه.
لكن يمكن القول إن طائرة إيران، وارتفاع صوت الحوثي في هذا التوقيت، يخدمان بيئة سياسية معينة؛ بيئة توجّه رسالة إلى دول الخليج بأن الخطر لم ينتهِ، وأن الأمن لا يزال هشًا، وأن أي شرق أوسط جديد لا يمكن أن يقوم من دون مظلة ردع، وضمانات أمنية، وترتيبات إقليمية أوسع.
وهنا تتحول الأذرع المسلحة إلى ما يشبه الفزّاعة السياسية.
هي ليست وهمًا كاملًا.
وليست خطرًا متخيّلًا.
لكنها قد تُستخدم لتسريع الاصطفاف، وتضييق الخيارات، وإقناع بعض العواصم بأن البديل عن الترتيب الأمريكي هو الفوضى.
فإيران وأذرعها ليست مجرد خيال مآتة. لديها قدرة على الإرباك، ورفع الكلفة، وتعطيل الملاحة، واستنزاف الخصوم. وقد برزت خطورة مضيق هرمز بوضوح في المفاوضات الأخيرة، حيث تركزت الخلافات حول حرية الملاحة والرسوم وإدارة المضيق، وسط محاولات أمريكية لإقناع إيران بالتراجع عن فرض رسوم أو ترتيبات أحادية.
لكن السؤال ليس عن قوة هذه الأدوات فقط.
السؤال هو:
من يستفيد من بقائها حاضرة في المشهد؟
إيران تستفيد لأنها تُذكّر الجميع بأنها لا تزال قادرة على التأثير خارج حدودها.
والحوثي يستفيد لأنه يعيد نفسه إلى واجهة التفاوض الإقليمي.
وإسرائيل تستفيد لأنها تبرر خطاب الأمن الدائم.
وواشنطن قد تستفيد لأنها تجد في الخطر المستمر حجة لإعادة بناء الترتيبات حولها.
وهكذا، لا تعود الفزّاعة مجرد أداة تخويف.
بل تصبح جزءًا من هندسة القرار.
المفارقة أن واشنطن قد تكون راغبة في شرق أوسط جديد، لكنها قد تعيد استخدام أدوات السياسة القديمة نفسها: ضغط، تهديد، تقسيم، اصطفاف، ثم سلام تحت الحماية.
وهنا يبرز السؤال الأشد:
هل ما يجري هو مشروع سلام جديد؟ أم إعادة إنتاج لقاعدة قديمة: فرّق تسد؟
فالسلام الحقيقي لا يولد من خوف الأطراف من بعضها فقط.
ولا من جمع المتناقضين تحت سقف أمريكي مؤقت.
ولا من التعامل مع شعوب المنطقة كأنها تنتظر تعليمات الخارج.
الشرق الأوسط اليوم ليس منطقة بلا ذاكرة.
يعرف معنى الاحتلال.
ويعرف معنى الوكلاء.
ويعرف كلفة الفوضى.
ويعرف أن السلام إذا لم يعالج مصادر الخوف، فإنه يتحول إلى هدنة طويلة لا إلى استقرار دائم.
ولهذا، فإن الرهان الأمريكي على شرق أوسط جديد سيبقى ناقصًا إذا لم يفهم أن عقول المنطقة ليست هامشًا في الخطة، بل هي جزء من نجاحها أو فشلها.
فإذا ظنت واشنطن أن بإمكانها صناعة سلام بين العرب وإسرائيل، أو تهدئة مع إيران، أو ترتيب أمن الخليج، من دون فهم ما يدور في رؤوس الأطراف المحلية، فإنها قد تكرر الخطأ نفسه: إدارة المنطقة من أعلى، بدل فهمها من الداخل.
الخلاصة الاستشرافية
الأيام المقبلة قد تكشف ما إذا كان ارتفاع الصوت الإيراني وأذرع إيران مجرد ضغط تفاوضي مؤقت، أم مقدمة لإعادة توزيع أدوار داخل الإقليم.
لكن المؤكد أن أي شرق أوسط جديد لا يمكن أن يُبنى على الفزّاعات وحدها.
إذا بقيت إيران تستخدم أذرعها كورقة ضغط، وبقي الحوثي يلوّح بالخليج، وبقيت إسرائيل تراهن على القوة، وبقيت واشنطن ترى السلام بوصفه صفقة لا ذاكرة لها، فإن النتيجة لن تكون سلامًا دائمًا.
بل هدنة.
أما السلام الحقيقي، فلن يبدأ حين تصمت المدافع فقط.
بل حين تتوقف الفزّاعات عن إدارة القرار في المنطقة.