اليوم 118 🇺🇸⚔️🇮🇷 : صراع المضيق ..وسؤال الحسم

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
بعد أيام من الضربات المتبادلة، عاد الطرفان إلى وقف الهجمات واستئناف المفاوضات في الدوحة، بينما بقي الملف الأكثر حساسية بلا حسم: مضيق هرمز.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، فلماذا لم يُحسم ملف المضيق؟
مضيق هرمز .. أكثر من ممر بحري
قد يبدو الخلاف متعلقًا بمضيق بحري.
لكن في جوهره، يدور حول سؤال أكبر بكثير:
من يضع قواعد النظام الدولي عندما تتقاطع السيادة الوطنية مع المصالح العالمية؟
فالولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية.
وإيران تريد أن تبقى جغرافيتها عنصرًا مؤثرًا لا يمكن تجاوزه.
أما بقية دول المنطقة والعالم، فتبحث عن معادلة تحقق الأمن، وتحافظ على انسياب التجارة والطاقة، دون أن يتحول المضيق إلى أداة ضغط دائمة.
ولهذا، فإن ما يجري في هرمز ليس صراعًا على ممر مائي، بقدر ما هو اختبار لقدرة السياسة على إدارة الجغرافيا.
لماذا لم يُحسم الملف عسكريًا؟
قد يتساءل البعض:
إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، فلماذا لم تُنهِ التهديدات الإيرانية بضربة حاسمة؟
تكمن الإجابة في أن طبيعة الصراع في هرمز تختلف عن الحروب التقليدية.
فالمضيق لا يعتمد على قاعدة عسكرية واحدة يمكن تدميرها، بل يمتد على شريط ساحلي طويل، وتنتشر فيه منظومات متعددة تشمل زوارق سريعة، وصواريخ ساحلية، وطائرات مسيّرة، وألغامًا بحرية، وقدرات على المناورة وإعادة الانتشار.
ولهذا، فإن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لا يعني بالضرورة إنهاء قدرتها على إرباك الملاحة أو تهديدها بصورة متقطعة.
وفي المقابل، تستطيع الولايات المتحدة حماية جزء كبير من حركة الملاحة، لكنها لا تستطيع أن تضمن أمن كل سفينة، وفي كل لحظة، من دون ترتيبات سياسية وأمنية أوسع.
لذلك، لا تبدو المشكلة عسكرية بحتة، بل هي مزيج من الجغرافيا، والردع، والقانون الدولي، وحسابات الكلفة السياسية والاقتصادية.
فأي عملية عسكرية واسعة قد تقلص القدرات الإيرانية، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى اتساع دائرة الصراع، وتعطيل إمدادات الطاقة، وإرباك الاقتصاد العالمي.
ولهذا، يبدو أن الطرفين يستخدمان القوة لتحسين موقعيهما التفاوضيين، أكثر من استخدامها لحسم المواجهة نهائيًا.
لماذا لم تحسم واشنطن الملف؟
لأن الحسم العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي.
فالقوة العسكرية تستطيع تدمير الأهداف، لكنها لا تستطيع دائمًا بناء الواقع السياسي الذي تريده بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وهذه ليست معضلة أمريكية وحدها، بل واجهت معظم القوى الكبرى عبر التاريخ.
فالانتصار العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، كما أن إسكات السلاح لا يعني انتهاء أسباب الصراع.
ولهذا أصبحت إحدى القواعد غير المكتوبة في العلاقات الدولية تقول:
ربح الحرب أسهل من ربح السلام.
والانتصار العسكري لا يساوي بالضرورة انتصارًا سياسيًا.
لماذا تتمسك إيران بالمضيق؟
لأن مضيق هرمز بالنسبة إلى طهران ليس مجرد ممر بحري.
إنه أحد أهم أوراق القوة الاستراتيجية التي تمتلكها.
فكلما ازدادت أهمية المضيق للاقتصاد العالمي، ازدادت قيمة هذه الورقة في أي تفاوض.
ولهذا تحاول إيران الانتقال من معادلة القدرة على الإغلاق إلى معادلة المشاركة في إدارة المضيق.
وهذا يمثل تحولًا مهمًا في طبيعة المطالب.
هل يمكن لإيران إدارة المضيق منفردة؟
عمليًا، يبدو ذلك صعبًا.
فالمضيق يخدم التجارة العالمية، وتعبره سفن عشرات الدول، كما ترتبط الملاحة فيه بقواعد القانون الدولي وبمصالح اقتصادية عالمية.
ولهذا، فإن أي ترتيبات مستقبلية، إذا كُتب لها النجاح، ستحتاج إلى توافقات إقليمية ودولية، لا إلى قرار أحادي من أي طرف.
ماذا يقول القانون الدولي؟
يُعد مضيق هرمز أحد أهم المضائق الدولية.
ولهذا تستند غالبية الدول إلى مبدأ حرية المرور العابر، الذي يهدف إلى ضمان استمرار الملاحة الدولية دون تعطيل.
وفي المقابل، تستند إيران إلى اعتبارات السيادة والأمن القومي وإدارة المياه الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي.
وهنا يتقاطع القانون مع السياسة.
ما التكتيكات المتوقعة؟
إذا استمرت المفاوضات، فمن المرجح أن نشهد مزيجًا من الأدوات، بدلًا من الحسم العسكري.
وقد تشمل المرحلة المقبلة:
- استمرار حرية الملاحة ضمن ترتيبات أمنية مؤقتة.
- مفاوضات فنية حول مسارات العبور وإجراءات السلامة.
- دورًا أكبر لدول الخليج وسلطنة عُمان في أي ترتيبات مستقبلية.
- استمرار الضغوط السياسية والعسكرية المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
- استخدام ملف هرمز كورقة تفاوض في ملفات إقليمية ودولية أوسع.
إلى أين قد ينتهي المشهد؟
تبدو ثلاثة سيناريوهات الأكثر ترجيحًا.
الأول: تثبيت الوضع الحالي، مع استمرار الملاحة وبقاء الخلاف السياسي والقانوني دون حسم.
الثاني: التوصل إلى تفاهم جديد ينظم الملاحة والتنسيق الأمني بمشاركة الأطراف الإقليمية والدولية.
الثالث: انهيار المفاوضات وعودة التصعيد، وهو السيناريو الأعلى كلفة على جميع الأطراف، ولذلك يبدو الأقل جاذبية في المرحلة الراهنة.
وربما يكون الحسم الحقيقي من حيث لا يتوقع الطرفان؛ فالتاريخ كثيرًا ما يُنهي الصراعات بمتغيرات لم تكن ضمن حسابات المتحاربين
خلاصة BETH
قد يبدو الصراع في مضيق هرمز خلافًا على ممر بحري.
لكن في جوهره، يدور حول سؤال أكبر:
كيف تُدار الجغرافيا عندما تتقاطع إدعاء السيادة الخاصة مع المصالح العالمية؟
فالولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية قادرة على حماية الملاحة، لكنها لا تستطيع وحدها فرض واقع سياسي دائم.
وإيران ترى أنها تمتلك أوراق ضغط جغرافية ، لكنها لاترى أنها ليست وحدها لا تستطيع فرض قواعد جديدة للملاحة الدولية.
ولهذا، لا يبدو أن الحسم سيكون عسكريًا خالصًا، ولا سياسيًا خالصًا، بل نتيجة توازن معقد بين القوة، والجغرافيا، والقانون الدولي، والمصالح الاقتصادية.
وربما تكشف أزمة هرمز حقيقة تتكرر في كثير من صراعات القرن الحادي والعشرين:
القوة العسكرية تستطيع أن تفتح الطريق إلى التفاوض، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نظام سياسي مستقر أو سلام دائم.
سؤال BETH القادم
إذا كانت القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم صراعات القرن الحادي والعشرين، فإن سؤالين أكبر يفرضان نفسيهما:
لماذا لا تخرج الولايات المتحدة منتصرة سياسيًا من كثير من حروبها، رغم تفوقها العسكري؟
وعلى مدى عقود، تحدث مسؤولون إيرانيون وشخصيات بارزة في النظام عن استعادة الدور الفارسي وتوسيع النفوذ إلى ما يتجاوز الحدود الجغرافية لإيران. فلماذا لم يتحول هذا الطموح المعلن إلى واقع استراتيجي مستقر؟
ربما تبدأ الإجابة عندما نعيد تعريف معنى الانتصار نفسه؛ فالحروب لا تُقاس بما يُدمَّر في الميدان، بل بما يتحقق على طاولة السياسة، وفي موازين الاستراتيجية، وبعد أن يصمت السلاح.