بين رونالدو وميسي.. هل تكشف المنتخبات ثقافة المجتمعات؟

news image

كتب: عبدالله العميره

السؤال ليس:

من الأفضل، رونالدو أم ميسي؟

فهذا السؤال استهلكته المقارنات، وأتعبته الإحصاءات، وأفسدته العواطف.

السؤال الأهم ربما هو:

هل تعكس المنتخبات الوطنية شيئًا من ثقافة مجتمعاتها؟

وهل كرة القدم مجرد مهارات وأقدام؟

أم أنها مرآة لثقافة التعاون، وشكل القيادة، وطبيعة العلاقات داخل المجتمع؟

لماذا نجحت الأرجنتين؟

قد يكون من السهل تفسير نجاح الأرجنتين بوجود ميسي.

لكن هذا تبسيط مخل.

فميسي لم يفز بكأس العالم وحده.

ولم يحقق كوبا أمريكا وحده.

بل نجحت الأرجنتين لأنها امتلكت شيئًا آخر:

روح المجموعة.

في المنتخب الأرجنتيني، يبدو اللاعبون وكأنهم يدافعون عن بعضهم البعض قبل أن يدافعوا عن النتيجة.

النجومية موجودة.

لكنها محكومة بفكرة أكبر:

المنتخب أولًا.

وقد ساعدت التركيبة الاجتماعية والثقافية المتقاربة داخل المجتمع الأرجنتيني، إلى جانب الاستقرار الفني والإداري، على بناء مجموعة تلعب بروح وطنية واضحة.

رونالدو وميسي.. أين يكمن الفرق؟

إذا أردنا المقارنة الفردية، فربما يمتلك رونالدو حضورًا قياديًا وكاريزما استثنائية، إلى جانب عقلية تنافسية نادرة، وخبرة طويلة، وإرادة تكاد تكون بلا حدود.

أما ميسي، فيمتلك عبقرية اللعب، وهدوء الشخصية، والقدرة على جعل المجموعة تبدو أفضل.

لكن كرة القدم لا تُلعب بالنجم وحده.

وهنا يظهر عامل لا يقل أهمية عن الموهبة:

التعاون.

فاللاعب العظيم يحتاج إلى بيئة عظيمة.

والنجم لا يستطيع أن يمرر الكرة لنفسه.

هل تعكس المنتخبات ثقافة مجتمعاتها؟

ليس دائمًا.

لكنها تعكس أحيانًا ثقافة المؤسسات التي تديرها.

ففي بعض المنتخبات، تشعر أن الجميع يعمل للفريق.

وفي أخرى، يبدو أن كل لاعب يلعب لمصلحته، أو لصورته، أو لمكانته.

وحين تضعف الفكرة الجماعية، تتحول النجوم إلى جزر منفصلة.

ولهذا، قد لا يكون الفرق الحقيقي بين الأرجنتين ومنتخبات أخرى في عدد النجوم.

بل في قوة الروح المشتركة.

الإدارة.. اللاعب رقم واحد

كرة القدم الحديثة لا يحسمها اللاعب وحده.

الإدارة هي اللاعب رقم واحد.

الاستقرار.

الرؤية.

الجرأة.

الاختيار الصحيح.

والقدرة على حماية المشروع من ردود الفعل العاطفية.

ولهذا، نجحت الأرجنتين في بناء مشروع متماسك، رغم أنها لا تملك الموارد الاقتصادية التي تملكها دول أخرى.

وفي المقابل، تمتلك دول كثيرة المال والمواهب، لكنها تفتقد المشروع.

ماذا يعلمنا حسام حسن؟

قد يختلف الناس حول مدرب مصر حسام حسن.

لكن أحد أبرز ملامح شخصيته، أنه يضع المنتخب فوق الأسماء.

فلا أحد أكبر من القميص الوطني.

ولا نجم أكبر من الفكرة.

فحين تصبح الروح القتالية معيارًا، تزداد فرص بناء فريق.

أما حين تتحول الأسماء إلى مناطق نفوذ، تصبح غرفة الملابس أخطر من المنافس.

وماذا عن السعودية؟

المشكلة ليست في المواهب.

ولا في الإمكانات.

ولا في الدعم.

فالمملكة تملك مشروعًا رياضيًا ضخمًا، وأندية قوية، و174 ناديًا، وإمكانات مالية لا تتوفر لكثير من المنتخبات.

لكن السؤال المشروع:

كيف يمثل منتخبًا بحجم السعودية عدد محدود من اللاعبين، معظمهم من دائرة ضيقة؟

وهل يعكس ذلك قوة المنافسة؟

أم يكشف عن خلل في الرؤية الفنية؟

إن المنتخب الوطني ليس امتدادًا لنادٍ.

ولا مكافأة لأحد.

بل واجهة وطن.

وحين تضيق دائرة الاختيار، تضيق معها الخيارات.

كثرة المدربين ليست مشروعًا

المشكلة لا تكمن فقط في تغيير المدربين.

بل في غياب المشروع الذي يحمي المدرب.

فالمدرب العظيم لا يصنع فريقًا عظيمًا في أشهر.

كما أن الاستقرار وحده لا يكفي إذا كان الاختيار غير صحيح.

المعادلة الحقيقية هي:

مدرب كفء.

ورؤية واضحة.

ومحاسبة المقصرين، وقاصري الرؤية، وكل من يعبث بالمشروع أو يختطفه لمصالح ضيقة، مع إبعاد كل من يقدّم ناديه على المنتخب، أو يسيء للمشروع الوطني، سواء كان لاعبًا، أو إداريًا، أو مسؤولًا، أو إعلاميًا.

القوة الناعمة لا تظهر في الإنفاق فقط

كرة القدم أصبحت جزءًا من صورة الدول.

فالمنتخب الوطني ليس مجرد أحد عشر لاعبًا.

بل رسالة.

ولغة.

وتعبير عن الإرادة.

وجزء من القوة الناعمة للدولة.

ولهذا، فإن الأداء داخل الملعب ينبغي أن يعكس حجم التحول الذي تعيشه المملكة، وقوة مشروعها، وإنجازاتها في الاقتصاد، والسياحة، والثقافة، والتقنية.

الخلاصة

ربما لا يكون السؤال:

من الأفضل، ميسي أم رونالدو؟

بل:

من يملك البيئة التي تجعل النجم يخدم الفريق؟

ومن يملك الإدارة التي تجعل المجموعة أقوى من الفرد؟

ففي النهاية...

لا تفوز الأمم بأفضل اللاعبين فقط.

بل بأفضل الأفكار.

وأفضل المؤسسات.

وأفضل روح جماعية.

أما النجم العظيم...

فهو يحتاج دائمًا إلى أحد عشر رجلًا يؤمنون بأن اسم الوطن أكبر من أسمائهم.

وربما لهذا السبب، لم يفز ميسي وحده بكأس العالم... ولم يخسر رونالدو وحده.