الحرب التي لا نراها

news image

الحرب التي لا نراها

من الأرض إلى الفضاء.. أين السعودية من المعادلة؟

إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
إشراف: عبدالله العميره

في الحروب القديمة، كان العالم يراقب الجيوش وهي تتحرك على الأرض.

وفي الحروب الحديثة، صار يراقب الطائرات والصواريخ والبحار.

أما اليوم، فهناك حرب أخرى لا يراها كثيرون.

حرب تبدأ من الأرض، لكنها لا تنتهي عند حدود السماء.

فالفضاء لم يعد مجالًا علميًا فقط، ولا رمزًا للخيال والتقدم، بل أصبح جزءًا من معادلة القوة، والأمن، والردع، والاقتصاد.

لماذا أصبح الفضاء ساحة حرب؟

لأن الجيوش الحديثة لا تتحرك وحدها.

تتحرك معها الأقمار الصناعية.

والاتصالات.

والبيانات.

والصور.

وأنظمة الملاحة.

والذكاء الاصطناعي.

والطائرات المسيّرة.

والصواريخ الدقيقة.

ومن يملك القدرة على الرؤية من الأعلى، والتحكم في الاتصال، وتحليل البيانات، يستطيع أن يعرف أكثر، ويتحرك أسرع، ويضرب بدقة أعلى.

ولهذا، فإن تعطيل قمر صناعي، أو اختراق شبكة اتصالات، أو إرباك نظام ملاحة، قد يكون اليوم أخطر من تدمير دبابة.

الحرب لم تعد في الميدان فقط

الحرب الحديثة لا تبدأ دائمًا بإطلاق النار.

قد تبدأ بتشويش.

أو اختراق.

أو تعطيل بيانات.

أو قطع اتصال.

أو تضليل صورة.

أو إرباك نظام ملاحة.

ولهذا، فإن الجيوش لم تعد تقاتل في البر والبحر والجو فقط.

بل في الفضاء.

والسيبرانية.

والبيانات.

والخوارزميات.

الأمن السيبراني.. خط الدفاع غير المرئي

في الحروب الحديثة، لا تكفي الصواريخ والطائرات وحدها.

فالهجمات قد تبدأ من شاشة حاسوب، أو من شيفرة خبيثة، أو من اختراق شبكة حيوية، أو من تعطيل أنظمة تتحكم في الطاقة والاتصالات والمرافق الحساسة.

ولهذا، أصبح الأمن السيبراني جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني للدول، وإحدى ساحات القوة التي لا تُرى بالعين المجردة.

وفي هذا السياق، حافظت السعودية على المركز الأول عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني للعام الثالث على التوالي، في إنجاز يعكس حجم الاستثمارات، والتشريعات، والقدرات الوطنية التي بنتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.

ففي الحرب التي لا نراها، لا تقل حماية البيانات والشبكات أهمية عن حماية الحدود.

ولذلك، لم يعد الأمن يُقاس فقط بما تملكه الدول من طائرات وصواريخ، بل أيضًا بقدرتها على حماية فضائها الرقمي، وتأمين بنيتها التحتية، والحفاظ على تدفق المعلومات والاتصالات في عالم أصبحت فيه البيانات جزءًا من معادلة الردع والقوة.

وبينما تتجه المنافسة العالمية نحو الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الرقمية، يبدو الأمن السيبراني أحد خطوط الدفاع الأولى في معركة المستقبل.

فالدول التي تفقد السيطرة على شبكاتها، قد تجد نفسها تخسر معارك لم تبدأ على الأرض أصلًا.

أين السعودية؟

السعودية لا تدخل هذه المعادلة من باب الاستعراض.

بل من باب التحول الاستراتيجي.

فالرياض تدرك أن قوة الدول في العقود المقبلة لن تُقاس فقط بحجم الجيوش، بل بقدرتها على امتلاك التقنية، وتوطين الصناعات، وحماية البيانات، وبناء الكفاءات.

ولهذا تتحرك المملكة في أكثر من مسار:

الفضاء، عبر وكالة الفضاء السعودية وبرنامج رحلات الفضاء البشرية، الذي أطلق أولى مهامه عام 2023 بإرسال ريانة برناوي وعلي القرني إلى محطة الفضاء الدولية.

والتصنيع الدفاعي، عبر هدف توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول 2030، وهو هدف تؤكده شركة الصناعات العسكرية السعودية SAMI ضمن دورها في بناء القاعدة الصناعية الدفاعية.

والذكاء الاصطناعي والبيانات، عبر الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، التي تركز على تعظيم الاستفادة من البيانات والذكاء الاصطناعي في التحول الرقمي والاقتصادي.

المعادلة السعودية

السؤال ليس:

هل وصلت السعودية إلى الفضاء؟

بل:

هل تبني السعودية منظومة تجعلها حاضرة في معادلة الفضاء والأرض معًا؟

فالفضاء دون صناعة لا يكفي.

والصناعة دون بيانات لا تكفي.

والبيانات دون أمن سيبراني لا تكفي.

والأمن دون عقول وطنية لا يستمر.

وهنا تكمن أهمية التحول السعودي.

فالمملكة لا تبحث عن صورة في الفضاء فقط.

بل عن موقع في معادلة القوة القادمة.

 

في القرن العشرين، كانت القوة الكبرى هي من يملك المصانع والسفن والطائرات.

وفي القرن الحادي والعشرين، ستصبح القوة الكبرى هي من يملك الشبكات، والأقمار، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على الربط بين الأرض والفضاء.

والسعودية، بموقعها الجغرافي، ومواردها، واستثماراتها التقنية، وتحولها الصناعي، لا تتعامل مع الفضاء كرفاهية علمية، بل كجزء من أمنها المستقبلي واقتصادها القادم.

فمن يحمي الطاقة يحتاج إلى أن يرى أبعد.

ومن يحمي الممرات البحرية يحتاج إلى أن يتصل أسرع.

ومن يبني صناعة دفاعية يحتاج إلى بيانات أدق.

ومن يريد اقتصادًا متقدمًا يحتاج إلى فضاء وتقنية وذكاء اصطناعي.

الخلاصة

الحرب التي لا نراها ليست بعيدة عنا.

إنها فوقنا.

وحولنا.

وفي أجهزتنا.

وفي بياناتنا.

وفي الأقمار التي ترصد، وتتصل، وتوجه، وتحلل.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد:

من يملك السلاح؟

بل:

من يملك النظام الذي يجعل السلاح يرى، ويتصل، ويفكر؟

وهنا تتحرك السعودية نحو معادلة أكبر:

أن تكون قوة على الأرض.

وحاضرة في الفضاء.

وقادرة على حماية المستقبل قبل أن يصل.

فالحرب التي لا نراها ليست حربًا بالمعنى التقليدي.

بل سباق طويل نحو العلم، والتقنية، والاستقرار.

وفي هذا السباق، قد لا ينتصر من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك العقل الأبعد.