ما بعد الورقة.. من يريد شرقًا أوسط جديدًا؟

news image

 

قراءة في التشابكات

  

إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
إشراف: عبدالله العميره

لم تعد المنطقة أمام سؤال واحد:

هل تنجح مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية؟

بل أمام سؤال أعمق:

من يريد لهذه الورقة أن تنجح؟ ومن يخشى نجاحها؟

فالأحداث المتتابعة تكشف أن الاتفاق لم يدخل مرحلة التنفيذ فقط، بل دخل مرحلة الصراع على تفسيره، وتفريغه، وتوسيعه، أو إسقاطه.

المعادلة الأولى: إيران لا تدافع عن لبنان.. بل عن ذراعها

حين يهدد الوفد الإيراني بالانسحاب من المفاوضات إذا استمرت الهجمات الإسرائيلية على لبنان، فالسؤال ليس: هل أصبحت إيران مسؤولة عن لبنان؟

السؤال الأدق:

هل تخشى إيران على لبنان، أم على حزب الله؟

فلبنان بالنسبة إلى طهران ليس ملفًا إنسانيًا فقط، ولا ساحة عربية مستقلة في حساباتها، بل هو موقع متقدم في منظومة الردع الإيرانية. لذلك، فإن أي ضربات إسرائيلية تستنزف حزب الله تعني عمليًا إضعاف إحدى أهم أوراق إيران خارج حدودها.

وهنا يظهر جوهر الأزمة: واشنطن تريد اختبار تعهدات إيران، وإسرائيل تريد كسر أذرع إيران، وطهران تريد الحفاظ على تلك الأذرع بوصفها ضمانة نفوذ لا عبئًا قابلًا للتسليم.

المعادلة الثانية: ترامب يريد اتفاقًا.. لكن بشروط المنتصر

ترامب لا يريد العودة إلى الحرب إذا استطاع انتزاع اتفاق واضح خلال 60 يومًا. لكنه في الوقت نفسه لا يريد اتفاقًا يبدو كهدية لطهران.

لذلك يجمع بين التفاؤل والتهديد.

يتحدث عن فرصة للتسوية، ثم يذكّر بأن الفشل سيقود إلى إجراءات لن ترضي الإيرانيين. وهذا يعني أن المهم عند ترامب الآن ليس السلام بوصفه قيمة مجردة، بل اتفاق قابل للتسويق داخليًا وخارجيًا باعتباره انتصارًا أمريكيًا.

يريد أن يقول: أوقفت الحرب، وفتحت باب الاتفاق، لكنني لم أتخل عن القوة.

المعادلة الثالثة: نتنياهو يريد أمن إسرائيل.. وربما يريد وقتًا سياسيًا إضافيًا

نتنياهو ينتمي إلى مدرسة ترى أن أمن إسرائيل لا يُبنى على التعهدات، بل على تقليص التهديدات بالقوة قبل أن تتحول إلى خطر أكبر.

ولهذا، فإن استمرار الضربات على لبنان رغم مسار التهدئة يكشف أن تل أبيب لا تريد ترك ملف حزب الله رهينة لطاولة أمريكية إيرانية في سويسرا. وقد نشرت عدة وسائل أن تجدد القتال في لبنان هدد مسار الاتفاق الأمريكي الإيراني، وأن إسرائيل وحزب الله اتفقا على وقف إطلاق نار بعد تصعيد كبير.

لكن هناك بعدًا سياسيًا لا يمكن تجاهله: استمرار الحرب يمنح نتنياهو مساحة للمناورة الداخلية. فكلما بقيت الجبهات مفتوحة، بقيت حجة “الأمن أولًا” حاضرة. وكلما اقتربت التسوية، اقترب سؤال الحساب السياسي.

ولهذا يبدو السؤال مشروعًا:

هل اقترب زمن نتنياهو من نهايته؟

ليس بالضرورة فورًا. لكن كل تسوية كبرى في المنطقة تضع قادة الحرب أمام اختبار جديد: ماذا بعد الحرب؟

المعادلة الرابعة: واشنطن تضغط على إسرائيل لأنها لا تريد أن تفشل الورقة

إذا كان ترامب يطلب من نتنياهو التوقف، وإذا كان فانس يحذر من تدخل إسرائيل في السياسة الأمريكية، فالمعنى أن واشنطن تخشى أن تتحول إسرائيل من شريك استراتيجي إلى عامل تعطيل لمسار تفاوضي تريد الإدارة الأمريكية امتلاكه.

التوتر هنا ليس قطيعة أمريكية إسرائيلية، بل اختلاف في الأولويات.

المهم عند واشنطن الآن: إنجاح الاتفاق أو على الأقل منحه فرصة كافية.

المهم عند إسرائيل: منع حزب الله وإيران من استغلال الاتفاق لإعادة بناء القوة.

وهذه فجوة خطيرة، لأن واشنطن تفكر في “الصفقة الكبرى”(  احتواء إيران نوويًا وإقليميًا، ومنع الحرب، وتأمين استقرار المنطقة والممرات والطاقة)، بينما تفكر إسرائيل في “التهديد القريب”.

المعادلة الخامسة: الخليج لا يريد اتفاقًا يجمّل الخطر

المهم عند دول الخليج والدول العربية ليس مجرد وقف الحرب.

بل وقف الحرب دون إطلاق يد إيران من جديد.

فالخليج لا يريد حربًا مفتوحة ترفع المخاطر على الطاقة والملاحة والاستقرار، لكنه أيضًا لا يريد اتفاقًا يسمح لإيران بالاحتفاظ بعقيدة تصدير الثورة و الأذرع.

وهنا يصبح السؤال الخليجي مختلفًا عن السؤال الأمريكي:

واشنطن قد تسأل: هل التزمت إيران نوويًا؟

أما الخليج فيسأل: هل تغير سلوك إيران إقليميًا؟

وهذا هو الاختبار الأعمق.

هل سيبقى النظام الإيراني كما هو؟

الأرجح أن واشنطن لا تسعى الآن إلى إسقاط النظام الإيراني مباشرة، بل إلى ترويضه.

إسقاط النظام مغامرة مفتوحة وغير مضمونة النتائج. أما ترويضه فيعني دفعه إلى قبول حدود جديدة لسلوكه النووي والإقليمي.

لكن المشكلة أن النظام الإيراني قام تاريخيًا على فكرة الثورة العابرة للحدود، لا على حدود الدولة الوطنية فقط. لذلك فإن ترويضه لا يتطلب توقيعًا فقط، بل تغييرًا في السلوك.

وهنا تظهر العقدة الكبرى:

هل يمكن ترويض نظام دون أن يتخلى عن العقيدة التي تمنحه هويته؟

من يريد إطالة الحرب؟

ليس كل من يطلق النار يريد الحرب الشاملة.

لكن بعض الأطراف تريد إبقاء النار مشتعلة بما يكفي لتعطيل الاتفاق.

الأذرع الإقليمية تخشى الهدوء، لأن الهدوء يسحب منها وظيفتها.

وحزب الله لا يريد أن يتحول من “ ردع” إلى ملف تفاوض.

وبعض شبكات النفوذ في العراق لا تريد أن تفقد قيمتها كأداة ضغط. وقد نقلت تقارير ، أن الحرس الثوري أنشأ خلايا سرية في العراق لاستهداف دول خليجية تستضيف قوات أمريكية، وهو ما يعزز فكرة أن بعض أدوات الضغط قد تتحرك خارج القنوات التقليدية.

وهنا تصبح الخلاصة واضحة:

الورقة وُقّعت بين دول. لكن العبث قد يأتي من الأذرع.

هل نحن أمام شرق أوسط جديد؟

نعم، لكن ليس بالمعنى الرومانسي.

فالشرق الأوسط الجديد لن يولد في مؤتمر صحفي، ولن يظهر فجأة بعد توقيع مذكرة تفاهم.

بل سيولد من صراع طويل بين رؤيتين مختلفتين للمنطقة.

رؤية ترى أن المستقبل يقوم على الاقتصاد، والاستثمار، والممرات التجارية، والتكامل الإقليمي، وتغليب المصالح المشتركة على الصراعات القديمة.

ورؤية أخرى ما زالت تؤمن بأن النفوذ يُبنى بالأذرع، وبالحروب، وبإدارة الأزمات، وبفرض الهيمنة بالقوة.

وهنا لا يتعلق الأمر بإيران وحدها.

فمشروع الثورة وتصدير النفوذ والأذرع المسلحة في إيران يمثل عقبة أمام شرق أوسط أكثر استقرارًا.

وفي المقابل، فإن استمرار العقلية الأمنية والعسكرية في إسرائيل، والسعي إلى التفوق الدائم لا الشراكة، وإلى الهيمنة لا التكامل، يمثل عقبة أخرى أمام بناء منطقة تقوم على التعاون والمصالح المتبادلة.

فالشرق الأوسط الجديد لا يمكن أن يقوم على ثورة دائمة من جهة، ولا على حرب دائمة من جهة أخرى.

ولا على منطق السيد والتابع.

بل على دول قوية، مستقرة، ومنفتحة، تتنافس اقتصاديًا، وتتعاون استراتيجيًا، وتحتكم إلى المصالح أكثر من الأيديولوجيا.

ولهذا، فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بمصير النظام الإيراني، ولا بمصير الحكومات الإسرائيلية الحالية.

بل بمدى قوة التيارات والقوى والدول التي ترى أن المستقبل يُبنى بالتنمية والتكامل، لا بالحروب المفتوحة والصراعات التي لا تنتهي.

فإذا نجحت هذه الرؤية، فقد نشهد شرقًا أوسط جديدًا أقل صخبًا، وأكثر ازدهارًا.

أما إذا انتصرت مشاريع الثورة الدائمة والحرب الدائمة، واستمرت بعض الدول العربية أسيرة حساباتها الضيقة، تستهلك الاستقرار أكثر مما تسهم في صناعته، فقد تبقى المنطقة تدور داخل الحلقة نفسها، وإن تغيرت الأسماء والوجوه.

لكن التاريخ لا يتحرك فقط بإرادة المعطلين.

فإذا نجحت القوى الكبرى، والدول الصاعدة، والدول العربية التي تراهن على التنمية والتكامل وقادرة عليه، في ترجيح منطق المصالح والاقتصاد والسلام الدائم، فقد يكون الشرق الأوسط الجديد أقرب مما يعتقد كثيرون.

فالمنطقة لا ينقصها المال، ولا الموقع، ولا الموارد، بل ينقصها أن تنتصر إرادة البناء على إرادة الصراع.

وعلى المدى الطويل، أثبت التاريخ أن الحروب قد تؤخر المستقبل، لكنها لا تستطيع هزيمة إرادة الدول والشعوب التي قررت أن تبنيه.

ما النهاية.. ومتى؟

النهاية ليست قريبة بالمعنى الكامل.

لكن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة.

خلال 60 يومًا ستتضح جدية الورقة.

وخلال 6 أشهر سيتضح هل نحن أمام اتفاق قابل للحياة، أم مجرد هدنة طويلة قبل جولة جديدة.

أما السيناريو الأقرب الآن فهو:

لا حرب شاملة.

ولا سلام كامل.

بل مرحلة اختبار طويلة، عنوانها:

تفاوض فوق الطاولة، وضغط تحتها.

تجميل الخطر

أخطر ما يهدد السلام، ليس الحرب وحدها.

بل تجميل الخطر.

فبعض الأزمات لا تنتهي.

بل تتغير أسماؤها.

وبعض الاتفاقات لا تعالج الأسباب.

بل تمنح الجميع شعورًا مؤقتًا بالاطمئنان.

وقد تتوقف المدافع.

لكن الأفكار التي أشعلتها تبقى.

وقد تهدأ الجبهات.

لكن الأدوات التي صنعتها تظل حاضرة.

ولهذا، فإن السلام الحقيقي لا يقوم على إخفاء الخطر.

ولا على التعايش معه.

ولا على تجميله.

بل على تقليصه، وتغيير السلوك الذي يصنعه.

فأخطر ما يمكن أن يحدث للمنطقة، ليس فشل السلام.

بل نجاح سلامٍ يجعل الخطر يبدو أصغر مما هو عليه.

لأن الخطر الذي يُجمَّل...

قد يعود يومًا بصورة أكثر تكلفة.

السلام لا يبدأ حين يختفي صوت الحرب فقط، بل حين يتوقف تجميل أسبابها.

خلاصة بث | B

المهم عند ترامب: اتفاق يثبت أنه أوقف الحرب دون أن يبدو ضعيفًا.

المهم عند نتنياهو: منع حزب الله وإيران من التقاط أنفاسهما، ولو عطّل ذلك المسار الأمريكي.

المهم عند إيران: إنقاذ النظام، ورفع الضغط، دون خسارة أذرع النفوذ.

المهم عند الخليج والعرب: تهدئة لا تعيد إنتاج الخطر، واتفاق لا يترك المنطقة رهينة للأذرع.

والمهم عند العالم: استقرار الطاقة والممرات ومنع حرب أوسع.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل ستنجح المفاوضات؟

بل:

هل تستطيع المفاوضات أن تغيّر سلوك اللاعبين الذين يعيشون على استمرار الأزمة؟

فإذا تغيّر السلوك، قد يبدأ شرق أوسط جديد.

وإذا بقيت تحركات خارج النص، فستبقى الورقة معلقة بين التفاؤل والنار.

والنهاية لن تُحسم بما يقال في سويسرا فقط.

بل بما يحدث في لبنان والعراق والخليج.