بين فرساي وطهران.. رسائل

news image

هل يحمل مكان التوقيع نفسه رسائل سياسية؟

إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
إشراف: عبدالله العميره

 

حين تُوقَّع الاتفاقات الكبرى، لا تكون الكلمات وحدها هي الرسالة.

فالمكان أيضًا رسالة.

والصورة رسالة.

والخلفية رسالة.

وأحيانًا، لا تقل التفاصيل المحيطة بالورقة أهمية عن الورقة نفسها.

في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، بدا المشهد وكأنه يروي قصتين مختلفتين.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختار التوقيع من فرنسا.

أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فوقع من مكتبه في طهران، محاطًا بعلمين إيرانيين، وفوقه صور قادة النظام.

فهل كان ذلك مجرد تفصيل بروتوكولي؟

أم أن لكل صورة رسالتها؟

لماذا فرنسا؟

قد يكون اختيار قصر فرساي مجرد تفصيل بروتوكولي مرتبط بجدول الزيارة الرئاسية الأمريكية.

وقد يكون تعبيرًا عن الطابع الدولي للمذكرة.

لكن من الصعب على الذاكرة التاريخية أن تتجاهل أن فرنسا كانت أيضًا المحطة الأخيرة التي غادر منها مؤسس النظام الإيراني الحالي إلى طهران في الأول من فبراير 1979، بعد إقامته في مقاطعة إيفلين، ومنها بدأ فصل جديد في تاريخ إيران والمنطقة.

ومن المصادفات اللافتة أن توقيع مذكرة التفاهم تم أيضًا من فرنسا، وفي الإقليم نفسه تقريبًا الذي ارتبط ببداية النظام الإيراني الحالي.

فهل هي مجرد مصادفة جغرافية؟

أم أن التاريخ يحب أحيانًا إعادة ترتيب مشاهده بطريقة لا تخلو من الرمزية؟

ماذا أراد بزشكيان أن يقول؟

في المقابل، لم يظهر الرئيس الإيراني في قاعة محايدة.

بل في مكتبه، محاطًا بعلمين إيرانيين، وتعلو رأسه صور قادة النظام.

فهل كانت الرسالة موجهة إلى الداخل الإيراني؟

وهل أراد التأكيد أن التوقيع لا يمثل رئيسًا أو حكومة، بل يتم باسم النظام القائم؟

أم أن المشهد لا يتجاوز الشكل المعتاد في المؤسسات الإيرانية؟

ماذا لو تغير النظام؟

إذا كانت الاتفاقات تُبرم بين الدول، لا بين الأنظمة، فهل تتغير دلالات الصور إذا تغيرت الأنظمة؟

وهل أراد بزشكيان أن يربط الاتفاق بشرعية النظام القائم؟

أم أن الوثائق الدولية تبقى أكبر من الأشخاص والصور والرموز؟

السياسة لا تتحدث بالكلمات فقط

في عالم السياسة، لا تُقرأ النصوص وحدها.

فالصور تُقرأ.

والأماكن تُقرأ.

والرموز تُقرأ.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول القراءة إلى يقين.

فالصحافة الجيدة لا تعيش على الشك.

ولا تقتل الشك.

بل تستخدمه للوصول إلى فهم أفضل.

 

قد يكون اختيار فرنسا مجرد مصادفة.

وقد تكون خلفية بزشكيان جزءًا من البروتوكول المعتاد.

لكن السؤال نفسه مشروع.

ففي عام 1979، غادر مؤسس النظام الإيراني الحالي فرنسا متجهًا إلى طهران، ليبدأ فصلًا جديدًا من تاريخ المنطقة.

وبعد نحو نصف قرن، اختار رئيس أمريكي أن يوقع مذكرة تفاهم مع إيران من فرنسا أيضًا، بينما حرص الرئيس الإيراني على أن يظهر أمام العالم من داخل منظومة الرموز التي تأسس عليها النظام.

قد تكون مجرد مصادفة.

وقد تكون أكثر من ذلك.

لكن المؤكد أن السياسة لا تتحرك وحدها...

فالذاكرة تتحرك معها أيضًا.

والسؤال ليس:

ماذا وُقِّع؟

بل:

لماذا اختار كل طرف أن يُرى بالطريقة التي ظهر بها؟