حدود القوة

news image

 

كيف أوقفت أمريكا وإيران حربًا لم يستطع أي منهما حسمها؟

 

إعداد وقراءة | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

لم يكن الاتفاق الأمريكي الإيراني، في جوهره، إعلان انتصار كامل لطرف على آخر.

ولم يكن أيضًا استسلامًا إيرانيًا لترامب.

كما أنه لم يكن تراجعًا أمريكيًا كاملًا أمام طهران.

ما حدث أقرب إلى شيء أكثر تعقيدًا:

اتفاق وُلد من حدود القوة، لا من اكتمال الثقة.

فترامب لم يحصل على كل ما أعلنه في بداية المواجهة.

وإيران لم تخرج كما لو أنها فرضت شروطها كاملة.

كلا الطرفين قال لجمهوره إنه حقق ما يكفي.

لكن الحقيقة الأعمق أن كليهما وصل إلى نقطة أدرك فيها أن استمرار الحرب قد يصبح أغلى من توقيع اتفاق رمادي.

لماذا وافق الطرفان الآن؟

هذا هو السؤال الأهم.

ليس:

من انتصر؟

ولا:

من خسر؟

بل:

لماذا الآن؟

لأن توقيت الاتفاق يكشف أحيانًا أكثر مما تكشفه بنوده.

الولايات المتحدة وجدت أن الحرب قد تطول، وأن الضغط العسكري لا يضمن وحده تفكيك كل الملفات المعقدة: النووي، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، وسلوك النظام الإيراني.

وإيران وجدت أن استمرار المواجهة يفتح عليها كلفة أكبر: اقتصادية، وعسكرية، وسياسية، وربما داخلية.

وهنا التقى الطرفان عند نقطة الضرورة.

لا لأن الثقة وُلدت.

بل لأن الخطر كبر.

ماذا أعطى ترامب إيران؟

السؤال الذي يجب ألا يُتجاوز هو:

ماذا قدم ترامب كي تقبل إيران؟

من الواضح أن واشنطن لم تحصل حتى الآن على حسم كامل للملفات الأخطر.

فالبرنامج النووي لم يُغلق نهائيًا.

ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب لم يُحسم مصيره بصورة كاملة.

والصواريخ الباليستية ما زالت ملفًا مؤجلًا.

والنفوذ الإقليمي لم يُفكك.

إذن، ما الذي حدث؟

الأقرب أن ترامب قبل بتأجيل بعض القضايا الكبرى مقابل وقف الحرب وفتح مرحلة تفاوض لاحقة.

وهذا يعني أن الاتفاق لم يكن صفقة نهاية.

بل صفقة انتقال.

انتقال من الحرب إلى الاختبار.

ومن الصدام إلى الرقابة.

ومن النار إلى التفاوض تحت الضغط.

ماذا أعطت إيران ترامب؟

في المقابل، لم تمنح إيران ترامب كل ما يريد.

لكنها منحته ما يحتاجه سياسيًا في هذه اللحظة:

إعلان اتفاق.

وقف الحرب.

فتح مضيق هرمز.

تهدئة الأسواق.

وتقديم صورة رئيس استطاع أن يوقف حربًا قبل أن تتحول إلى استنزاف طويل.

وهذه ليست مكاسب صغيرة في الحساب السياسي الأمريكي.

خصوصًا حين تكون الحرب قد بدأت تخلق ضغوطًا اقتصادية وداخلية.

لكنها أيضًا ليست انتصارًا كاملًا؛ لأن جوهر الأزمة لم يُغلق.

هل انتهت الأزمة النووية؟

لا.

الأزمة النووية لم تنتهِ.

بل جرى ترحيلها.

وهنا يجب التفريق بين أمرين:

إيقاف الحرب شيء.

وحل أسباب الحرب شيء آخر.

الاتفاق الحالي نجح في وقف التصعيد.

لكنه لم يثبت بعد أنه قادر على إنهاء جذور الأزمة.

فالنووي، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، وسلوك طهران في المنطقة، كلها ملفات ما زالت تنتظر الاختبار.

ولهذا فإن الستين يومًا المقبلة قد تكون أهم من يوم التوقيع نفسه.

لا انتصار كامل.. ولا هزيمة كاملة

من الخطأ قراءة الاتفاق بمنطق النصر والهزيمة فقط.

لأن بعض الحروب لا تنتهي براية بيضاء.

بل تنتهي عندما يكتشف الطرفان أن تكلفة الحسم أعلى من تكلفة التسوية.

وهذا ما يبدو أنه حدث هنا.

ترامب لم يخضع إيران كاملة.

وإيران لم تكسر إرادة ترامب.

كلاهما تراجع خطوة عن الحد الأقصى.

وكلاهما حصل على ما يسمح له بتبرير الاتفاق أمام جمهوره.

لكن كلاهما دخل مرحلة أصعب:

مرحلة إثبات الالتزام.

الاتفاق الرمادي

هذا الاتفاق رمادي لأنه لا يمنح جوابًا نهائيًا.

هو لا يقول إن الأزمة انتهت.

ولا يقول إن الحرب ستعود.

لا يفتح باب الثقة كاملًا.

ولا يغلق باب الشك.

إنه اتفاق يوقف النار، لكنه لا يطفئ كل أسباب الاشتعال.

اتفاق يهدئ الأسواق، لكنه لا يطمئن السياسة.

اتفاق يمنح فرصة، لكنه لا يضمن النتيجة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد التوقيع لن يكون:

هل تم الاتفاق؟

بل:

هل يستطيع الاتفاق أن يعيش؟

تقدير BETH

ما حدث ليس نهاية القصة.

بل بداية فصل جديد منها.

إذا التزمت إيران بوضوح، وسمحت بآليات تحقق حقيقية، وبدأت الملفات المؤجلة تتحرك نحو حلول عملية، فقد يتحول الاتفاق الرمادي إلى تسوية أوسع.

أما إذا بقيت المراوغة، وتعددت التفسيرات، وعادت الملفات المؤجلة إلى التعطيل، فسيكون الاتفاق مجرد هدنة طويلة قبل اختبار جديد.

الخلاصة الأقرب إلى الحقيقة:

ترامب لم يُخضع إيران.

وإيران لم تنتصر على ترامب.

كلاهما اكتشف حدود قوته.

ومن هذه الحدود وُلد الاتفاق.

ولذلك، لم تنتهِ الحرب لأنها حُسمت.

بل توقفت لأن استمرارها أصبح مكلفًا على الجميع.

وهنا بالضبط تكمن الحقيقة التي لا تقولها البيانات الرسمية:

الاتفاق لم يولد من الثقة.

بل من الخوف من البديل.

 

لماذا لم يحسم ترامب المواجهة؟

قد يتساءل البعض:

كيف بدا ترامب مضطرًا إلى اتفاق رمادي، رغم الفارق الهائل في القوة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران؟

الإجابة أن المشكلة لم تكن في القدرة على الضرب.

بل في القدرة على ضمان ما بعد الضربة.

فالولايات المتحدة تملك قوة عسكرية كاسحة، وكانت قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران.

لكن القوة العسكرية وحدها لا تكفي عندما يكون الهدف سياسيًا واستراتيجيًا، لا عسكريًا فقط.

فالحرب ليست مجرد إطلاق نار.

بل إدارة لما يحدث بعده.

وهنا ظهرت حدود القوة الأمريكية.

إذ كان بإمكان ترامب تصعيد المواجهة، لكنه لم يكن يملك ضمانًا بأن الحرب لن تتحول إلى استنزاف طويل، أو إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة، أو إلى تصعيد يمتد عبر مضيق هرمز ولبنان وجبهات أخرى في المنطقة، أو إلى ضغوط سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة نفسها.

كيف تجرأت إيران؟

في المقابل، لم تواجه إيران الولايات المتحدة لأنها أقوى منها.

بل لأنها فهمت حدود ما تريده واشنطن.

فطهران تدرك أن الولايات المتحدة لا ترغب في حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة.

ولهذا اعتمدت على ثلاثة عناصر رئيسية:

الوقت.
المراهنة على إطالة التفاوض وتأجيل الحسم حتى تتغير الظروف أو تتبدل المعادلات.

التكلفة.
رفع كلفة المواجهة عبر التأثير المحتمل على الطاقة والأسواق العالمية والملاحة الدولية.

الغموض.
الإبقاء على الملفات الكبرى مفتوحة، وتقديم تنازلات جزئية، وتأجيل القضايا الأكثر حساسية إلى مراحل لاحقة.

القوة ليست دائمًا في السلاح

ولهذا لم تحصل إيران على بعض ما أرادته لأنها انتصرت عسكريًا.

كما أن ترامب لم يتجه إلى الاتفاق لأنه هُزم.

الحقيقة الأقرب أن كل طرف استخدم نوعًا مختلفًا من القوة.

قوة ترامب كانت في القدرة على الضرب.

وقوة إيران كانت في القدرة على إطالة ما بعد الضربة.

فالولايات المتحدة تملك الجيش الأقوى.

لكن إيران تملك خبرة طويلة في تحويل المواجهات إلى ملفات معقدة ومتشعبة ومكلفة زمنيًا وسياسيًا.

ومن هنا وُلد الاتفاق الرمادي.

ليس لأن أحد الطرفين انتصر بالكامل.

بل لأن كليهما أدرك أن الحسم الكامل قد يكون أكثر كلفة من التسوية المؤقتة.

وهذا ربما يكون أحد أهم الدروس التي كشفتها هذه الأزمة:

في السياسة، لا تنتصر القوة دائمًا بمن يملك السلاح الأكبر... بل أحيانًا بمن يجعل استخدام ذلك السلاح أكثر كلفة وتعقيدًا.

كيف قرأ العالم الاتفاق الرمادي؟

قبل التوقيع الرسمي، وقبل اتضاح جميع البنود والتفاصيل، بدأ كل طرف في قراءة الاتفاق من زاويته الخاصة.

ولهذا فإن الاتفاق الواحد لم ينتج رواية واحدة.

بل أنتج عدة روايات في الوقت نفسه.

الشعب الأمريكي

في الداخل الأمريكي، انقسمت القراءات سريعًا.

فمؤيدو ترامب رأوا فيه رئيسًا استخدم القوة ثم التفاوض، وتمكن من وقف الحرب دون التورط في مستنقع طويل ومكلف.

أما منتقدوه فرأوا أن بعض الأهداف التي رُفعت في بداية المواجهة لم تتحقق بالكامل، وأن الملفات الأكثر حساسية ما زالت مؤجلة إلى جولات لاحقة.

ولهذا ينظر جزء من الأمريكيين إلى الاتفاق باعتباره نجاحًا.

بينما يراه آخرون هدنة لم تُختبر بعد.

الشعب الإيراني

في إيران، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا.

فأنصار النظام يرون أن طهران صمدت أمام الضغوط، وحافظت على النظام، ومنعت فرض شروط الاستسلام التي طُرحت في بداية الأزمة.

بينما يرى آخرون أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية دفعت إيران إلى قبول تفاهم لم تكن مستعدة له قبل أشهر.

لكن ما يجمع كثيرًا من الإيرانيين اليوم هو انتظار النتائج العملية أكثر من الاهتمام بالنصوص السياسية.

الأوروبيون

أوروبا استقبلت الاتفاق بقدر كبير من الارتياح.

فالهاجس الأوروبي الأول لم يكن الانتصار السياسي لهذا الطرف أو ذاك.

بل منع انفجار إقليمي جديد، وحماية الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

ومن هذه الزاوية، يبدو الاتفاق بالنسبة لكثير من العواصم الأوروبية فرصة لخفض التوتر وإعادة الملف إلى المسار الدبلوماسي.

إسرائيل

قد تكون إسرائيل الطرف الأكثر حذرًا في استقبال الاتفاق.

ففي تل أبيب لا يتركز السؤال على وقف الحرب.

بل على ما إذا كان الاتفاق سيمنع إيران فعلًا من تطوير قدراتها النووية والصاروخية.

ولهذا تبدو إسرائيل أقرب إلى سياسة "الانتظار والمراقبة"، مع استمرار الشكوك حول القضايا المؤجلة التي لم تُحسم بعد.

الخليج.. حساب مختلف

في دول الخليج، لا يُقاس الاتفاق بمن ربح أو خسر سياسيًا فقط.

بل بحجم الخسائر التي يمكن تجنبها.

فاضطراب الملاحة، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع بعض الأنشطة الاقتصادية، والتهديدات الأمنية المباشرة، جعلت الاستقرار أولوية تتقدم على منطق الانتصار الرمزي.

ولهذا تنظر عواصم الخليج إلى الاتفاق بوصفه فرصة لخفض المخاطر أكثر من كونه إعلانًا لفوز طرف على آخر.

العرب

في العالم العربي، تختلف القراءات باختلاف الأولويات والمواقع.

لكن القاسم المشترك لدى كثيرين هو الترحيب بأي خطوة تقلل احتمالات الحرب والتصعيد في المنطقة.

فالمنطقة دفعت أثمانًا باهظة من الصراعات خلال العقود الماضية.

ولذلك تبدو الاستقرار والتنمية والاقتصاد أولويات تتقدم على منطق المواجهات المفتوحة.

بقية العالم

أما بقية العالم، فربما تنظر إلى الاتفاق من زاوية أبسط:

هل ستنخفض المخاطر؟

هل ستستقر الطاقة؟

هل ستعود الملاحة الطبيعية؟

هل ستتراجع احتمالات المواجهة العسكرية؟

فبالنسبة لكثير من الدول، لا يُقاس نجاح الاتفاق بمن انتصر.

بل بقدرته على منع أزمة جديدة تهدد الاقتصاد العالمي.

الخلاصة

حتى الآن لا يوجد اتفاق واحد في عيون العالم.

بل عدة اتفاقات.

اتفاق يراه البعض انتصارًا.

ويراه آخرون تنازلًا.

ويراه فريق ثالث فرصة مؤقتة لالتقاط الأنفاس.

ولهذا فإن الحكم الحقيقي لم يصدر بعد.

فالعالم لا يحكم عادة على الاتفاقات يوم توقيعها.

بل بعد أن يختبرها الزمن.

وقد يكون السؤال الذي يطرحه الجميع بصيغ مختلفة هو:

هل وُلد سلام قابل للحياة .. أم مجرد هدنة مؤجلة الاختبار؟

ربما لم تكشف هذه الحرب من هو الأقوى.

بل كشفت أن القوة نفسها لها حدود.

وأن أخطر لحظة في الصراعات ليست لحظة إطلاق النار

بل اللحظة التي يكتشف فيها الجميع أن كلفة الحسم أصبحت أكبر من كلفة التراجع.

فهل كان الاتفاق نهاية الحرب؟

أم أول اعتراف متبادل بحدود القوة؟

 

أسئلة ما بعد الاتفاق

ورغم الإعلان عن الاتفاق، ما زالت ثلاثة أسئلة رئيسية تتردد  :

هل احتاجت واشنطن وطهران كل هذا الوقت للوصول إلى هذا التفاهم؟
ربما لم تكن المشكلة في صياغة الاتفاق نفسه، بل في وصول الطرفين إلى قناعة بأن استمرار المواجهة أصبح أكثر كلفة من التفاهم.

لماذا تتضارب التصريحات حول يوم التوقيع وشكله؟
لأن الاتفاقات الكبرى لا تُدار سياسيًا فقط، بل إعلاميًا أيضًا، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم الحدث لجمهوره بالطريقة التي تخدم روايته الخاصة.

ولماذا تُركت ملفات الصواريخ والأذرع الإقليمية؟
لأنها تمثل جوهر الخلاف الأكثر تعقيدًا وحساسية، ولذلك يبدو أن الطرفين فضّلا إيقاف الحرب أولًا، وتأجيل الملفات الأصعب إلى مراحل لاحقة.

ولهذا قد يكون الاتفاق أجاب عن سؤال واحد فقط: كيف تتوقف الحرب؟

لكنه لم يجب بعد عن السؤال الأهم: كيف تُحل أسبابها؟