نهاية أزمة أم بداية تحول؟
كيف تنظر واشنطن إلى إيران بعد الحرب؟
إعداد وقراءة | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
لم يعد السؤال:
هل ستوقع أمريكا وإيران اتفاقًا؟
فالمؤشرات المتراكمة تشير إلى أن الطرفين يقتربان من ذلك أكثر من أي وقت مضى.
السؤال الحقيقي أصبح:
ماذا سيحدث بعد التوقيع؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
لأن الاتفاقات لا تُقاس بالحبر الذي تُكتب به.
بل بالمستقبل الذي تفتحه.
وهنا تظهر المفارقة:
قد توقع واشنطن اتفاقًا مع طهران.
لكن هذا لا يعني أنها قررت الوثوق بها.
وقد توافق إيران على تفاهم جديد.
لكن هذا لا يعني أنها أصبحت شريكًا طبيعيًا في النظام الدولي.
من الاتفاق إلى السلوك
من يراقب الملف الإيراني منذ أربعة عقود يلاحظ أن المشكلة الأمريكية لم تعد تقتصر على الملف النووي.
بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر:
هل يمكن التنبؤ بسلوك النظام الإيراني؟
ففي عالم الاستثمار والتجارة والعلاقات الدولية، لا تكفي القوة.
ولا تكفي الموارد.
ولا حتى حسن النوايا المعلنة.
ما يهم هو القدرة على توقع السلوك.
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة.
ماذا تعلمت واشنطن؟
الحرب الأخيرة لم تمنح الولايات المتحدة معلومات عسكرية فقط.
بل منحتها فرصة جديدة لاختبار طريقة تفكير النظام الإيراني تحت الضغط.
وكما يحدث في الأسواق مع الشركات، يحدث في السياسة مع الدول.
فالأزمات تكشف ما تخفيه الأيام العادية.
ولهذا يبدو أن واشنطن لم تخرج من المواجهة مقتنعة بالشراكة.
بل مقتنعة بشيء آخر:
أن إيران الحالية يمكن التفاوض معها، لكن يصعب بناء الثقة معها.
الاتفاقية ليست الهدف
من هنا يمكن فهم طبيعة الاتفاق المرتقب.
فهو لا يبدو اتفاق ثقة.
ولا اتفاق اندماج.
ولا اتفاق تطبيع شامل.
بل أقرب إلى:
- اتفاق إدارة أزمة.
- اتفاق احتواء.
- اتفاق منع تصعيد.
- اتفاق ضبط سلوك.
بمعنى أن الهدف ليس بناء علاقة جديدة.
بل منع انفجار جديد.
ماذا بعد الاتفاق؟
إذا تم التوقيع، فإن المرحلة التالية لن تكون مرحلة انفتاح اقتصادي واسع كما يتصور البعض.
الأرجح أننا سنشهد:
- رقابة أشد.
- التزامات أكبر.
- ربطًا أوسع للاقتصاد الإيراني بالشروط الدولية.
- اختبارات مستمرة للالتزام.
- متابعة دقيقة لأي محاولة للعودة إلى السياسات السابقة.
بمعنى آخر:
لن يكون الاتفاق نهاية القصة.
بل بداية مرحلة اختبار جديدة.
الاستشراف: إلى أين تتجه البوصلة؟
هنا نصل إلى النقطة الأهم.
الحديث اليوم ليس عن مستقبل الاتفاق.
بل عن مستقبل إيران نفسها.
فالاقتصاد العالمي لا يبحث عن الدول الغنية فقط.
بل عن الدول القابلة للتعامل طويل الأجل.
والاستثمارات الكبرى لا تبحث عن الموارد فقط.
بل عن الاستقرار، وقابلية التنبؤ، والثقة المؤسسية.
ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد موقع إيران خلال العقد القادم ليس:
هل وُقعت الاتفاقية؟
بل:
هل يستطيع النظام الحالي التحول من عقل المواجهة إلى عقل الدولة؟
الخلاصة
استنادًا إلى مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية، وطبيعة النظام الإيراني، وطريقة تعامل القوى الكبرى مع الدول التي تُصنف عالية المخاطر، فإن النتيجة الأكثر ترجيحًا ليست شراكة أمريكية إيرانية.
الأقرب أن تدخل إيران مرحلة طويلة من الضبط والاحتواء والاختبار، لا مرحلة شراكة أو اندماج كامل مع المنظومة الدولية.
أما الاندماج الطبيعي في الاقتصاد العالمي، واستقطاب الاستثمارات الكبرى، وبناء علاقات مستقرة وطويلة الأمد، فسيظل مرتبطًا بمدى قدرة إيران على إنتاج نموذج سياسي واقتصادي أكثر قابلية للتعاون والتنبؤ.
لذلك يمكن تلخيص المشهد كله في جملة واحدة:
إذا نجح الاتفاق، فسوف ينجح في إدارة الأزمة.
أما مستقبل إيران في العالم، فلن تحدده الاتفاقية وحدها، بل طبيعة الدولة التي ستختار إيران أن تكونها بعد الاتفاق.
فالأسواق قد تغفر الأزمات.
والدول قد تتجاوز الخلافات.
لكن الثقة لا تُبنى بالاتفاقات وحدها، بل بالسلوك الذي يليها.
ولهذا قد يكون التحدي الأكبر أمام إيران بعد الحرب ليس توقيع الاتفاق...
بل إثبات أنها قادرة على الالتزام به.

على الهامش المضيء
إذا كان السياسي يصنع القرار، فإن الصحفي الجيد يساعده على رؤية ما لم يكن يراه قبل اتخاذه.