اليوم 95: حرب وجوه .. وأفكار؟
متابعة وتحليل | بث | B
بعد خمسة وتسعين يومًا من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، لا تزال المنطقة تدور داخل دائرة يصعب تحديد نهايتها.
فالمفاوضات مستمرة.
والضغوط مستمرة.
والتهديدات مستمرة.
لكن الحسم ما زال غائبًا.
فيما يبدو المشهد أقرب إلى أرجوحة سياسية وأمنية تتأرجح بين التصعيد والتهدئة، دون أن تصل إلى نقطة النهاية.
وفي أحدث التحركات، دخلت باكستان على خط الوساطة مجددًا، حيث التقى وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي نظيره الإيراني إسكندر مؤمني للمرة الثانية خلال 24 ساعة، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، وسط مساعٍ لإحياء فرص التوصل إلى اتفاق يخفف حدة المواجهة المستمرة.
وفي لبنان، ما زالت صورة التعقيد قائمة.
ففي الوقت الذي طرحت فيه الولايات المتحدة مقترحًا لوقف إطلاق النار، لم يصوت المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر على الاتفاق، بعد إعلان حزب الله رفضه.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الاتفاق لم يُعرض للتصويت لأن حزب الله لا يزال يعارضه، مشيرًا إلى أن أي مصادقة إسرائيلية ستبقى مرتبطة بموقف الحزب.
وفي المقابل، رفض أمين عام حزب الله نعيم قاسم الانسحاب من جنوب لبنان، معترضًا على الصيغة المطروحة، ومطالبًا بوقف شامل لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
وفي العراق، تتواصل التحركات الرامية إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وسط جهود إقليمية ودولية لمنع توسع دائرة المواجهة نحو دول الخليج أو الممرات البحرية الحيوية.
تحليل بث
كلما اقتربت الأطراف من اتفاق، ظهرت عقبة جديدة.
وكلما ارتفع مستوى التهديد، عاد الحديث عن الدبلوماسية.
ولهذا لم يعد السؤال:
ماذا سيحدث غدًا؟
بل:
لماذا لم يُحسم المشهد حتى الآن؟
وقد تشكلت حول هذا السؤال ثلاثة اتجاهات رئيسية بين المحللين والمراقبين.
الاتجاه الأول: العجز عن الحسم
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن تعقيد المشهد الإقليمي وتعدد الجبهات والأذرع جعل الحسم أكثر صعوبة مما كان متوقعًا.
لكن هذا التفسير يواجه اعتراضًا واضحًا.
فالفارق العسكري والتقني والاقتصادي بين الأطراف لا يشير إلى وجود عجز حقيقي يمنع الحسم إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك.
ولهذا يبقى هذا التفسير الأقل إقناعًا لدى كثير من المراقبين.
الاتجاه الثاني: إدارة الصراع لا إنهاؤه
يرى فريق آخر أن الهدف الأمريكي والإسرائيلي ليس إسقاط الدولة الإيرانية أو تفكيكها بالكامل.
بل دفعها إلى تغيير سلوكها النووي والإقليمي بأقل تكلفة ممكنة.
وفق هذا المنطق، يصبح الهدف:
- تقليص النفوذ.
- احتواء التوسع.
- ضبط السلوك.
- منع امتلاك أدوات تهدد التوازن الإقليمي.
دون الدخول في مغامرة قد تفتح أبوابًا مجهولة في دولة يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة وتقع في قلب منطقة شديدة الحساسية.
وبالتالي تصبح الضغوط والعقوبات واستهداف الأذرع أدوات أكثر جاذبية من الحرب الشاملة.
الاتجاه الثالث: الخنق الطويل
وهو الاتجاه الذي يزداد حضوره في القراءة الاستراتيجية للمشهد.
فما يجري في:
- لبنان.
- العراق.
- سوريا.
- الخليج.
- الملف النووي.
يبدو وكأنه أجزاء من معركة واحدة طويلة المدى.
الهدف فيها ليس الضربة القاضية السريعة.
بل استنزاف النفوذ الإيراني تدريجيًا، وتقليص أدواته الإقليمية، وإضعاف قدرته على الحركة والتأثير.
ووفق هذا التصور، فإن الحرب لا تُقاس بعدد الصواريخ أو الغارات فقط.
بل بقدرة كل طرف على الصمود مع مرور الزمن.
الأشخاص أم المنظومة؟
لكن ربما يكون السؤال الأعمق:
هل تدور المواجهة مع أشخاص؟
أم مع منظومة كاملة من الأفكار والمؤسسات والمصالح؟
فالتاريخ السياسي يُظهر أن تغيير الوجوه لا يعني دائمًا تغيير السياسات.
كما أن الأنظمة الكبرى لا تستمد قوتها من الأفراد وحدهم، بل من المؤسسات والبنى الفكرية والتنظيمية التي تتشكل حولهم.
ولهذا يرى بعض المحللين أن جوهر المواجهة الحالية لا يتعلق بشخصية بعينها، بقدر ما يتعلق بطبيعة المشروع الذي تشكل خلال العقود الماضية، وبمدى قدرة المؤسسات المؤثرة داخله على التكيف أو التغيير.
وقد تبدو بعض الخطابات الجديدة أكثر هدوءًا أو براغماتية.
لكن الحكم الحقيقي لا يصنعه الخطاب.
بل تصنعه الوقائع على الأرض، وطبيعة العلاقات الإقليمية، ودور المؤسسات المؤثرة في صناعة القرار.
السؤال الأكبر
بعد خمسة وتسعين يومًا، لم يعد السؤال:
هل ستُوقع اتفاقية؟
أو:
هل ستحدث ضربة جديدة؟
بل أصبح السؤال:
هل الهدف هو تغيير النظام؟
أم:
تغيير سلوك النظام؟
فالفرق بين السؤالين قد يفسر كثيرًا من الصبر، وكثيرًا من التردد، وكثيرًا من الأرجوحة التي ما زالت تتأرجح حتى اليوم.
ومضة
ربما لا تكون المعركة الدائرة اليوم مع حكومة أو شخص أو تنظيم فقط.
بل مع شبكة كاملة من الأفكار والمصالح والأدوات التي تراكمت عبر عقود.
ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط القادم ليس:
من سيبقى؟
بل:
ما الذي سيتغير فعلًا إذا بقيت الوجوه أو تبدلت؟
BETH (بث B) – All rights reserved