اليوم 94: العقدة مستمرة

news image

متابعة وتحليل | بث | B

بعد أربعة وتسعين يومًا من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، لا تبدو المنطقة أقرب إلى الحرب الشاملة، ولا أقرب إلى السلام النهائي.

فالمفاوضات ما زالت متأرجحة.

والتهديدات الأمريكية مستمرة.

والمماحكات الإيرانية لم تتوقف.

أما الميدان، فيعيش حالة أقرب إلى "الحرب المعلقة"، حيث تتراجع المواجهات المباشرة، بينما تستمر الضربات المحدودة والرسائل المتبادلة.

وكان أبرز ما طبع المشهد اليوم تأكيد مسؤولين أمريكيين أن الرئيس دونالد ترامب أبلغ مساعديه بأنه قد يعيد النظر في وقف إطلاق النار إذا تسببت إيران في مقتل جنود أمريكيين، في وقت أكد فيه وزير الخارجية ماركو روبيو أن الاشتباكات الحالية ذات طبيعة دفاعية وليست عودة إلى حرب شاملة.

وفي المسار السياسي، عاد ترامب للتلميح إلى إمكانية التوصل لاتفاق مع إيران خلال الأيام المقبلة، رغم تأكيد طهران أن المفاوضات متوقفة حاليًا.

وفي المقابل، كشفت تسريبات عن مشروع اتفاق مرحلي متعدد المراحل يبدأ بالتهدئة وينتهي بمعالجة الملف النووي، مع ربط كل مرحلة بالتزام الطرفين بما يترتب عليها من تعهدات.

لكن العقبة الجديدة لا تبدو في طهران هذه المرة.

بل في واشنطن نفسها.

فأي اتفاق يتعلق بالملف النووي الإيراني سيخضع لقانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني (INARA)، الذي يفرض إحالة الاتفاق إلى الكونغرس ومراجعته قبل دخوله حيز التنفيذ، ما يفتح الباب أمام معركة سياسية داخلية أمريكية قد لا تقل تعقيدًا عن التفاوض مع إيران نفسها.

تحليل بث

كلما اقتربت المفاوضات من الاتفاق، ظهرت عقبة جديدة.

وكلما ارتفعت التهديدات، عاد الحديث عن الدبلوماسية.

ولهذا تبدو الأزمة وكأنها تتحرك داخل دائرة مغلقة منذ أسابيع.

السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم:

هل تتجه الحرب إلى نهاية حقيقية؟

أم أن المنطقة تدخل نسخة جديدة من لعبة الوقت الطويل؟

المعطيات الحالية تشير إلى أن واشنطن لا تبحث عن إسقاط الدولة الإيرانية بالقوة العسكرية المباشرة، بقدر ما تبحث عن تغيير سلوكها النووي والإقليمي بأقل تكلفة ممكنة.

وفي المقابل، لا يبدو أن نظام الملالي يتعامل مع أي اتفاق بوصفه نهاية للصراع، بل بوصفه وسيلة لشراء الوقت وتخفيف الضغوط وإعادة ترتيب الأوراق.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية: واشنطن تريد تغيير السلوك الإيراني دون إسقاط النظام، بينما يسعى النظام إلى الحفاظ على نفسه دون التخلي عن العقيدة الثورية التي تشكل مصدر قوته وشرعيته منذ عام 1979.

ولهذا فإن المشكلة لا تكمن في التوقيع على اتفاق.

بل فيما سيحدث بعد التوقيع.

فالمنطقة لا تفتقر إلى الاتفاقات.

بل إلى الثقة في استدامتها.

السؤال الأكبر

بعد أربعة وتسعين يومًا، لم يعد السؤال:

هل سيتم توقيع اتفاق؟

بل:

هل سيؤدي الاتفاق إلى تغيير حقيقي في سلوك النظام الإيراني؟

فإذا كان الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة، فقد تعود الأزمة بأشكال جديدة بعد سنوات قليلة.

أما إذا ترافق مع تحول حقيقي في فلسفة إدارة الدولة وعلاقاتها الإقليمية، فقد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارًا.

لكن التاريخ القريب يدفع كثيرين إلى الحذر.

فالأزمات الكبرى لا تنتهي دائمًا عند التوقيع.

وأحيانًا تبدأ مرحلة جديدة منها بعد التوقيع مباشرة.

ومضة

ربما لا يكون السؤال الأهم اليوم:

هل تنتصر أمريكا؟

أو:

هل تنتصر إيران؟

بل:

هل تنتصر فكرة الاستقرار على فكرة إدارة الصراع؟

فهذا هو السؤال الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة.

BETH (بث B) – All rights reserved