مجتبى يريد أن يعيش

news image

هل تبحث واشنطن عن وريث للنظام.. أم عن مخرج من الأزمة؟

إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B

لم يكن تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن احتمال لقائه بمجتبى خامنئي مجرد عبارة عابرة في مسار المفاوضات مع إيران؛ بل إشارة تستحق التوقف عندها.

ففي لحظة تتداخل فيها الضغوط العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والتوترات الإقليمية، يبدو الحديث عن مجتبى وكأنه يتجاوز شخصه إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام الإيراني نفسه.

وهنا يبرز تساؤل جوهري:

هل تبحث واشنطن عن شريك تفاوضي جديد داخل النظام؟

أم أنها تحاول استشراف شكل إيران في مرحلة ما بعد الأزمة؟

العرض

يفتح تصريح ترامب بابًا لسؤال أكبر من اللقاء نفسه:

ماذا يملك مجتبى خامنئي ليقدمه؟

فالرجل لا يأتي من خارج النظام، ولا يحمل مشروعًا إصلاحيًا معلنًا، ولا يبدو حتى الآن شخصية تمتلك شرعية شعبية مستقلة.

وتنبع أهميته أساسًا من قربه من مركز القرار العقائدي والسياسي، ومن موقعه داخل البيئة التي تشكلت فيها بنية النظام الإيراني خلال العقود الماضية.

وهنا تصبح المعضلة واضحة:

هل يستطيع مجتبى أن يكون رجل تسوية؟

أم أنه مجرد واجهة جديدة لنظام قديم يحاول النجاة بملامح مختلفة؟

فالسياسة الإيرانية منذ قيام الثورة لم تُبنَ على إدارة الدولة فقط، بل على مشروع أيديولوجي ارتبط بتوسيع النفوذ الإقليمي، وبناء شبكات حلفاء وأذرع نفوذ عابرة للحدود.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل سيلتقي ترامب مجتبى؟

بل:

هل يستطيع مجتبى تغيير جوهر النظام الذي جاء منه؟

تحليل بث

قد يبدو مجتبى خامنئي في هذه المرحلة رجلًا يريد أن يعيش سياسيًا قبل أن يحكم.

فهو يقف أمام ثلاثة اختبارات صعبة:

الأول: اختبار الداخل الإيراني، حيث لا يكفي الانتماء إلى عائلة المرشد لبناء شرعية مستدامة.

الثاني: اختبار الحرس الثوري، الذي ما زال يمثل أحد أهم مراكز القوة والنفوذ داخل الدولة الإيرانية.

الثالث: اختبار الخارج، حيث يتعين عليه إقناع العالم بأنه قادر على تقديم شيء مختلف عن مجرد إعادة إنتاج السياسات القديمة.

وهنا يظهر مأزق إيران العميق:

تغيير الوجوه لا يكفي إذا بقيت الأفكار نفسها.

فإذا ظل منطق الثورة حاضرًا، واستمرت الأذرع الإقليمية أداة رئيسية للنفوذ، وبقيت العلاقة بين الدولة والعقيدة والصراع الخارجي على حالها، فإن تغيير الأسماء لن يعني بالضرورة تغيير المسار.

أما ترامب، فقد يكون أمام خيارين:

إما أن يحاول دفع مجتبى نحو لحظة انفصال عن إرث الصراع الطويل.

أو أن يكتفي بإيجاد نسخة أكثر قابلية للتفاوض من النظام القائم.

لكن مجرد طرح اسم مجتبى في هذا التوقيت يثير سؤالًا آخر:

هل تبحث واشنطن عن تفاهم مع النظام القائم؟

أم أنها بدأت تستكشف شكل النظام الذي قد يأتي بعده؟

وقد يرى بعض المراقبين في حديث ترامب عن احتمال لقاء مجتبى خامنئي إشارة إلى تحول لافت داخل النظام الإيراني؛ فحين ينتقل التركيز من الحرس الثوري وأدوات القوة الصلبة إلى شخصية مرتبطة بمركز الشرعية العقائدية للنظام، فإن ذلك قد يعكس إدراكًا بأن الأزمة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل النظام نفسه.

وفي هذه القراءة، لا يُطرح اسم مجتبى بوصفه قائدًا لمشروع جديد، بل بوصفه واجهة محتملة لمرحلة يسعى فيها النظام إلى تخفيف الضغوط والحفاظ على استمراريته، دون أن يعني ذلك بالضرورة تخليه عن قناعاته أو أدواته التي اعتمد عليها لعقود.

وهنا يظهر سؤال يتردد في أوساط كثيرة:

هل يمثل أي اتفاق محتمل تحولًا حقيقيًا في سلوك النظام الإيراني؟

أم أنه مجرد هدنة سياسية تفرضها الظروف الحالية، إلى أن تتغير الموازين وتعود السياسات القديمة بأدوات جديدة؟

فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تتغير لمجرد تعرضها للضغوط، بل عندما تعيد النظر في الأفكار التي قامت عليها.

ولهذا يبقى الحكم على أي تحول إيراني مرهونًا بما سيحدث بعد الاتفاق، لا بما سيُكتب في الاتفاق نفسه."

وهنا تبرز ثلاثة أسئلة قد تكون أكثر أهمية من بنود أي اتفاق:

هل سينسى مجتبى ما حدث لوالده؟

وهل سيعتبر الاتفاق نهاية للصراع، أم محطة مؤقتة في صراع يراه مؤجلًا لا منتهيًا؟

وهل تعلمت القوى الغربية من تجاربها السابقة مع إيران، أم أنها ما زالت تبحث عن حلول جديدة داخل الإطار نفسه؟

فرنسا.. وأميركا

استضافت فرنسا الخميني قبل عودته إلى طهران، وكان ذلك أحد المشاهد التي سبقت ولادة نظام غيّر وجه المنطقة لعقود.

لكن التجربة أثبتت أن القوى الكبرى قد تفتح أبوابًا لا تستطيع لاحقًا التحكم الكامل في نتائجها.

واليوم تقف الولايات المتحدة أمام اختبار مختلف.

هل تتعامل مع مجتبى بوصفه فرصة لفتح صفحة مختلفة مع إيران؟

أم أنها تراهن على إعادة ترتيب النظام نفسه بصورة أكثر قابلية للتعايش مع المصالح الغربية؟

الفارق أن المنطقة اليوم ليست كما كانت عام 1979.

فموازين القوة تغيرت.

والوعي السياسي ارتفع.

ودول المنطقة أصبحت أكثر قدرة على حماية مصالحها ورفض أن تكون ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين.

المشتركات بين فرنسا وأميركا

هناك قاسم مشترك في تجارب كثيرة للقوى الكبرى:

القوة تستطيع أن تبدأ الأحداث.

لكنها لا تنجح دائمًا في رسم نهاياتها.

فالولايات المتحدة كثيرًا ما تدخل الصراعات بقدرات هائلة، لكنها تواجه تحديات في إدارة نتائجها النهائية.

وفرنسا كثيرًا ما تحسن فتح الأبواب السياسية، لكنها لا تضمن دائمًا ما سيخرج منها.

وفي الحالتين، ظهرت الحروب بالوكالة بوصفها إحدى أدوات إدارة النفوذ.

لكن هذه المعادلة أصبحت أكثر صعوبة اليوم.

فالوعي السياسي وميزان القوة في المنطقة تغيّرا، والدول المؤثرة لم تعد تقبل أن تكون ساحاتها مجرد ميادين لتجارب الآخرين.

ويبقى السؤال في هذه المرحلة هو نفسه الذي طُرح في مراحل سابقة، لكنه اليوم أكبر حجمًا وأكثر إلحاحًا:

أين تكمن المصالح الأميركية والغربية حقًا؟

في بيئات الفوضى والإرهاب التي تُنتج أزمات لا تنتهي؟

أم في الاستقرار والتنمية والشراكات التي تصنع مصالح أكثر استدامة وأقل كلفة؟

الخلاصة

قد يريد مجتبى خامنئي أن يعيش سياسيًا.

لكن السؤال الأهم ليس ما الذي يريده مجتبى.

بل أي إيران يريد أن تبقى؟

إيران الدولة؟

أم إيران الثورة؟

إيران التي تتصالح مع محيطها؟

أم إيران التي تستمد نفوذها من استمرار الأزمات؟

وقد يكون التحدي الحقيقي أمام أي قيادة إيرانية قادمة ليس كيفية الوصول إلى السلطة، بل كيفية الخروج من إرث الصراع الذي راكمته العقود الماضية.

وإذا كان ترامب يفكر فعلًا في لقائه، فإن أهمية اللقاء لن تكون فيما يُقال داخل الغرف المغلقة، بل فيما سيظهر لاحقًا على أرض الواقع.

فالمنطقة لم تعد تنتظر وعودًا جديدة.

بل تنتظر اختبارًا واحدًا:

هل تستطيع إيران أن تتحول من دولة تُدار بعقلية الثورة إلى دولة تُدار بعقلية الدولة؟

أم أن إرث الصراع سيظل أقوى من كل محاولات التغيير؟

BETH (بث B) – All rights reserved