لبنان بين الحافة والاحتواء
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
بدت المنطقة خلال الساعات الماضية أقرب إلى مواجهة جديدة على الساحة اللبنانية، بعد تصاعد التهديدات الإسرائيلية ضد بيروت ومحيطها، قبل أن تتسارع الاتصالات السياسية والدبلوماسية لاحتواء الموقف ومنع انزلاقه إلى حرب أوسع. وفي قلب المشهد، برز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معلنًا تدخله المباشر، بالتوازي مع موقف سعودي واضح شدد على سيادة لبنان ورفض التوسع العسكري الإسرائيلي.
العرض
كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة تروث سوشيال عن اتصالات مكثفة أجراها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب تواصل غير مباشر مع حزب الله عبر وسطاء وشخصيات رفيعة، مؤكدًا أن إسرائيل لن تدفع بقواتها إلى بيروت، وأن أي قوات كانت تتحرك في هذا الاتجاه تم إيقافها وإعادتها. كما أعلن أن الطرفين وافقا على وقف إطلاق النار المتبادل وعدم تنفيذ هجمات جديدة في هذه المرحلة.
وجاءت تصريحات ترامب بعد ساعات من تصاعد المخاوف من توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، وسط تقارير تحدثت عن تواصل مستمر بين واشنطن وتل أبيب والرئاسة اللبنانية، إلى جانب تحركات واتصالات مع أطراف عربية ودولية هدفت إلى منع انفجار الوضع.
وفي السياق ذاته، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بعد ظهر اليوم (الخامسة بتوقيت الرياض )، بيانًا أدانت فيه العدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، ورفضت التوغل داخل لبنان أو المساس بسيادته، مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لوقف التوسع العسكري الإسرائيلي.
كما شددت المملكة على أهمية حماية سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، والالتزام باتفاق الطائف، وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية بما يضمن الأمن والاستقرار للشعب اللبناني.
تحليل بث
أولًا: ماذا يكشف تدخل ترامب؟
اللافت هذه المرة أن ترامب لم يكتفِ بالدعوة إلى التهدئة، بل تحدث بلغة توحي بأنه دخل شخصيًا في تفاصيل المشهد.
فحين يعلن أنه أجرى اتصالًا مع نتنياهو، وأن القوات المتجهة نحو بيروت تم إيقافها، ثم يتحدث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، فإن ذلك يعكس حجم القلق الأمريكي من اتساع المواجهة.
ويبدو أن واشنطن تنظر إلى أي حرب واسعة في لبنان باعتبارها تهديدًا لمسارات أكبر من الساحة اللبنانية نفسها؛ بدءًا من التهدئة الإقليمية، مرورًا بالمفاوضات المرتبطة بإيران، ووصولًا إلى أمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي الأوسع.
ثانيًا: هل لعبت السعودية دورًا في لحظة الاحتواء؟
قراءة المشهد السياسي تشير إلى أن الموقف السعودي جاء في توقيت بالغ الحساسية، واضعًا معادلة واضحة تقوم على:
- رفض العدوان والتوغل داخل لبنان.
- دعم سيادة الدولة اللبنانية.
- التمسك باتفاق الطائف.
- تعزيز مؤسسات الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة للاستقرار.
ولا يمكن تجاهل الوزن السياسي والدبلوماسي الذي باتت تمثله المملكة في ملفات المنطقة، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالاستقرار الإقليمي واحتواء التصعيد.
لذلك يرى بعض المراقبين أن المناخ السياسي الذي ساهم في دفع الأطراف نحو التهدئة لم يكن أمريكيًا فقط، بل شاركت في صناعته مواقف عربية مؤثرة، تتقدمها السعودية بحكم ثقلها السياسي وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
ثالثًا: لماذا أعلنت إسرائيل نيتها التصعيد؟
يبدو أن إسرائيل أرادت تحقيق أكثر من هدف في وقت واحد:
- تعزيز الردع على الجبهة الشمالية.
- الضغط على البيئة الداعمة لحزب الله.
- إرسال رسالة مباشرة إلى إيران.
- فرض معادلات أمنية جديدة داخل لبنان بعد التطورات الإقليمية الأخيرة.
وبمعنى آخر، لم تكن الرسالة موجهة إلى بيروت وحدها، بل إلى كامل محور النفوذ المرتبط بطهران.
رابعًا: لماذا تراجعت إسرائيل؟
التراجع لا يعني بالضرورة التخلي عن الأهداف.
لكنه يعكس إدراكًا بأن كلفة التوسع العسكري قد تصبح أكبر من العائد المتوقع.
فمع دخول واشنطن بقوة على خط الأزمة، وتصاعد المخاوف من فتح جبهة إقليمية جديدة، وظهور تحركات سياسية عربية ودولية لمنع الانفجار، بدا أن خيار الاحتواء أصبح أكثر واقعية من خيار المواجهة المفتوحة.
كما أن أي ضربة واسعة ضد بيروت كانت تحمل خطر انتقال الأزمة من اشتباك محدود إلى مواجهة يصعب التحكم بمساراتها ونتائجها.
ومضة
المشهد لا يبدو كأنه انتصار لطرف وهزيمة لآخر.
بل أقرب إلى لحظة توقفت فيها المنطقة عند حافة الهاوية.
إسرائيل لوّحت بالقوة.
لبنان حبس أنفاسه.
السعودية أعادت التذكير بمعادلة الدولة والسيادة والاستقرار.
وأمريكا تحركت بسرعة.
أما السؤال الأهم الآن فليس:
لماذا تراجعت إسرائيل؟
بل:
من كان يخشى الحرب أكثر من الجميع؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف الكثير مما جرى خلف الاتصالات والبيانات والتحركات التي سبقت لحظة التراجع.
من كان يخشى الحرب أكثر من الجميع؟
ربما لم يكن لبنان وحده.
وربما لم تكن إسرائيل وحدها.
فالمعطيات تشير إلى أن الأطراف الرئيسية كانت تدرك أن أي توسع في المواجهة هذه المرة قد لا يبقى محصورًا داخل الحدود اللبنانية.
الولايات المتحدة كانت تخشى انهيار مسارات التهدئة التي عملت عليها في أكثر من ملف إقليمي، وتخشى انزلاق المنطقة إلى أزمة جديدة ترفع المخاطر السياسية والاقتصادية والأمنية.
ولبنان كان يخشى دفع ثمن حرب جديدة فوق أزماته المتراكمة.
أما إسرائيل، فهي تدرك أن فتح جبهة واسعة لا يضمن بالضرورة نهاية سريعة أو نتائج مضمونة، خصوصًا في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وفي المقابل، كانت الدول العربية الساعية إلى الاستقرار، وفي مقدمتها السعودية، تدرك أن المنطقة تقف أمام فرصة نادرة للانتقال من منطق المواجهات إلى منطق بناء الدولة والتنمية، وأن أي حرب جديدة قد تعيد الجميع سنوات إلى الخلف.
لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي: من خاف الحرب؟
بل:
من رأى أن كلفة الحرب أصبحت أكبر من مكاسبها؟
وهنا ربما تكمن قصة التراجع كلها؛ فحين ترتفع كلفة الحرب على الجميع، يصبح الاحتواء خيارًا أكثر جاذبية من المواجهة
فحين تتقاطع المصالح الأمريكية، والجهود العربية، وحسابات إسرائيل الأمنية، ومخاوف لبنان الداخلية، يصبح الاحتواء خيارًا أكثر إغراءً من المواجهة، ولو مؤقتًا.
ولهذا قد لا تكون الساعات الماضية قصة انتصار طرف على آخر، بقدر ما كانت قصة إدراك جماعي بأن المنطقة لم تعد تحتمل حربًا جديدة.
هل انتهت الأزمة؟
إسرائيل لن تتوقف عن استهداف حزب الله طالما تعتبره تهديدًا عسكريًا مباشرًا على حدودها، حتى لو تراجعت عن حرب واسعة أو توغل كبير داخل لبنان.
وفي المقابل، من الصعب تصور أن حزب الله سيتخلى فجأة عن مفهوم "المقاومة" الذي يشكل جزءًا أساسيًا من هويته السياسية والعسكرية وخطابه أمام جمهوره.
لكن ما قد يتغير هو شكل الصراع وليس وجوده.
فبدلًا من حرب مفتوحة، قد نشهد:
- ردعًا .
- ضربات محدودة.
- ضغوطًا سياسية وأمنية.
- محاولات لفرض قواعد اشتباك جديدة.
لذلك ربما تكون الصياغة الأدق:
لن تتوقف إسرائيل عن مراقبة واستهداف ما تعتبره تهديدًا لأمنها.
ولن يتخلى حزب الله بسهولة عن مشروعه الذي يسميه المقاومة.
لكن الطرفين قد يقتنعان مؤقتًا بأن إدارة الصراع أقل كلفة من توسيعه.
وهذا غالبًا هو جوهر ما جرى في الساعات الأخيرة: تأجيل المواجهة، لا إنهاء أسبابها.
وقد لا يكون المشهد نتاج اتفاق معلن بين الأطراف بقدر ما يعكس تقاطعًا مؤقتًا في المصالح؛ فواشنطن تريد حماية مسار التفاوض، والرياض تدفع نحو الاستقرار الإقليمي، بينما تسعى إسرائيل إلى حماية أمنها وفق رؤيتها الخاصة. وعند هذه النقطة تحديدًا، قد تتشابه النتائج رغم اختلاف الأهداف.
BETH (بث B) – All rights reserved