أمريكا.. لماذا تفشل في النهاية؟
عندما يكون إشعال الحرب أسهل من إطفائها
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
إشراف: عبدالله العميره
كلما تعثرت حرب أو أزمة قادتها الولايات المتحدة، يتكرر سؤال شعبي يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة شديد العمق:
إذا كانت أمريكا تملك كل هذه القوة.. فلماذا تفشل في النهاية؟
السؤال مشروع.
بل إن الجمهور قد يذهب أبعد من ذلك:
إذا كانت أمريكا تعلم طبيعة المجتمع الأفغاني، فلماذا انتهت الحرب كما انتهت؟
وإذا كان الجيش العراقي قد انهار خلال أسابيع، فأين كانت المعركة أصلًا؟
وماذا عن الصومال؟
وماذا عن بؤر أخرى تدخلت فيها واشنطن ثم تخرج دون حسم واضح؟
هذه الأسئلة لا يمكن تجاهلها.
لأن الإجابة التقليدية التي تتحدث فقط عن القوة العسكرية لم تعد كافية لفهم ما حدث خلال العقود الأخيرة.
هل المشكلة في القوة الأمريكية؟
في الواقع، لا.
فأمريكا ما زالت تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم.
وتستطيع الوصول إلى معظم أهدافها العسكرية.
وتقود تحالفات واسعة.
وتفرض عقوبات مؤثرة.
وتملك تفوقًا تقنيًا واستخباراتيًا هائلًا.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
هل تستطيع أمريكا بدء الحرب؟
بل:
هل تستطيع إنهاءها؟
وهنا يبدأ الفرق بين النصر العسكري والنجاح السياسي.
أفغانستان والعراق والصومال
في أفغانستان، لم تكن المشكلة في إسقاط طالبان، بل في بناء نظام قادر على البقاء بعدها.
وفي العراق، لم تكن المشكلة في هزيمة صدام و الجيش، بل في إدارة الفراغ الذي نشأ بعد سقوطه.
أما في الصومال، فلم تكن المعضلة قوة الخصم بقدر ما كانت تعقيد البيئة نفسها.
ورغم اختلاف الحالات، فإن النتيجة بدت متشابهة:
النجاح في الدخول لا يعني النجاح في الخروج.
فالمرحلة الأصعب لم تكن المعركة، بل ما بعدها.
لماذا تتكرر المشكلة؟
لأن الحروب الحديثة لم تعد تشبه حروب الماضي.
في السابق كان سقوط العاصمة يعني اقتراب النهاية.
أما اليوم فقد يسقط النظام، بينما تبقى:
الأفكار.
والهويات.
والانقسامات.
والشبكات المسلحة.
والصراعات التاريخية.
وهنا تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى معركة طويلة مع الواقع الاجتماعي والسياسي.
الخطأ الأكبر
ربما لم يكن الخطأ في إسقاط الأنظمة بحد ذاته.
فالتاريخ مليء بحروب أسقطت أنظمة وحكومات، ثم أنتجت دولًا أكثر استقرارًا وقوة مما كانت عليه سابقًا.
لكن المشكلة تظهر عندما يُنظر إلى إسقاط النظام باعتباره نهاية المهمة لا بدايتها.
فالواقع أثبت أن إزالة السلطة القائمة لا تكفي وحدها لبناء دولة جديدة.
إذ تحتاج مرحلة ما بعد الحرب إلى رؤية سياسية واضحة، ومؤسسات قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، وتوافق داخلي يمنع تحول الفراغ إلى صراع جديد.
ولهذا فإن المسافة بين إسقاط نظام وبناء دولة ناجحة قد تكون أكبر بكثير مما تبدو عليه في لحظة الانتصار العسكري.
ماذا يقول الجمهور؟
المثير أن بث طرحت هذا السؤال على جمهورها في إطار استطلاع للرأي:
أمريكا.. لماذا تفشل في النهاية؟
وجاءت الإجابات متقاربة إلى حد لافت.
وكانت الفكرة الأكثر تكرارًا:
أن واشنطن تعرف كيف تبدأ المعركة، لكنها كثيرًا ما تواجه صعوبة في رسم نهاية مستقرة لها.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الولايات المتحدة تمتلك قدرة كبيرة على التخطيط للتحرك السريع واستثمار الفرص والمتغيرات التي تتيحها الأزمات، لكنها لا تنجح دائمًا في تحويل المكاسب العسكرية أو السياسية الآنية إلى استقرار طويل الأمد.
ووفق هذا التصور، فإن بعض التدخلات الأمريكية حققت أهدافًا مباشرة على المدى القصير، لكنها تركت وراءها تحديات وتعقيدات أنتجت فوضى تجاوزت أحيانًا حجم المكاسب التي كانت واشنطن تسعى إلى تحقيقها.
فبحسب كثير من المشاركين، تركز الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها المباشرة أكثر من تركيزها على شكل الواقع الذي ستتركه خلفها.
ولهذا تتكرر مشاهد الانسحاب الصعب، بينما تبقى الفوضى تتولى ما تبقى من المشهد.
هل حان وقت المراجعة؟
من التجربة، يبدو أن سياسة ترك الفوضى لتعيد ترتيب المشهد لم تحقق النتائج المأمولة في كثير من الحالات.
ففي مواقع عديدة لم تتحول الفوضى إلى نظام أكثر استقرارًا.
بل إلى نزاعات ممتدة وأزمات متراكمة.
والحقيقة المرة أن بعض بؤر الفوضى التي خلّفتها الحروب لم تصبح عبئًا على شعوبها فقط، بل تحولت مع الوقت إلى تحديات مباشرة أمام الولايات المتحدة نفسها.
ولعل أفغانستان تبقى من أكثر الأمثلة إثارة للجدل.
فبعد نحو عقدين من الوجود العسكري والسياسي الأمريكي، عادت حركة طالبان إلى السلطة، وانتهى المشهد بانسحاب أمريكي فوضوي ترك أسئلة أكثر مما قدم إجابات.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
ماذا حققت الولايات المتحدة استراتيجيًا بعد كل تلك السنوات من الحرب والإنفاق والخسائر؟
فاليوم تعود أفغانستان تدريجيًا إلى بناء علاقات مع قوى إقليمية ودولية، من بينها روسيا والصين ودول الجوار، في مشهد يراه بعض المراقبين بعيدًا عن الأهداف التي أعلنتها واشنطن عند بداية الحرب.
وقد يختلف الخبراء في تقييم المكاسب والخسائر، لكن ما يصعب تجاهله هو أن نهاية الحرب لم تبدُ متناسبة مع حجم الموارد والجهود التي استُثمرت فيها على مدى عشرين عامًا.
فالمصالح تعرضت للتهديد.
والاستقرار تراجع.
والثقة بالوعود والتصريحات الأمريكية تلقت ضربات متكررة.
ولعل العراق يبقى أحد أكثر الأمثلة رمزية على الفجوة بين التوقعات والنتائج.
الخلاصة
السؤال لم يعد:
هل تملك أمريكا القوة؟
فهذا أمر لا يزال قليلون يجادلون فيه.
السؤال هو:
هل ستراجع طريقة استخدام هذه القوة؟
وهل ستنتقل من السياسات الرمادية والمتقلبة والرسائل المزدوجة إلى قدر أكبر من الوضوح السياسي يوازي وضوح قوتها العسكرية؟
فالمدافع تستطيع إسقاط الأنظمة.
لكنها لا تستطيع وحدها بناء الثقة.
والقوة تستطيع فتح الأبواب.
لكنها لا تضمن دائمًا معرفة الطريق إلى المخرج.
ومضة
ربما لا تواجه الولايات المتحدة اليوم أزمة قوة.
بل أزمة إقناع.
فالعالم لا يسأل فقط:
ماذا تستطيع أمريكا أن تفعل؟
بل يسأل أكثر فأكثر:
وماذا سيحدث بعد أن تفعل ذلك؟
وهذا السؤال، في كثير من الأحيان، أصبح أصعب من الحرب نفسها.
العالم لا يخشى قوة أمريكا بقدر ما ينتظر وضوح غاياتها. فحين تُسخَّر القوة للاستقرار تكسب الحلفاء، أما حين ترتبط بالفوضى أو بالمصالح الضيقة، فإنها تُضعف الثقة قبل أن تُضعف الخصوم.
سؤال:
هل منحتنا مفاوضات الأرجوحة فهمًا أعمق لأمريكا وإيران؟
أم أنها أكدت أن التكنولوجيا تتطور أسرع من السياسة، وأن الأدوات تتغير بينما تبقى الحسابات الكبرى كما هي؟
فالوجوه تتبدل.
والوسائل تتطور.
لكن المصالح ما زالت تتحدث اللغة نفسها.
ورغم أن التاريخ يدفع كثيرين إلى التشكيك في حدوث تغيير جوهري، فإن البعض يعتقد أن ترامب قد يسعى إلى إعادة رسم البوصلة الأمريكية، بسياسات أكثر جرأة ووضوحًا، وبثبات أكبر تجاه الحلفاء والمصالح الاستراتيجية.
__________
ما وراء الصورة
قد يسأل البعض:
إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك من القوة ما يكفي لتدمير هذه المتاهة بالكامل، فلماذا لا تفعل؟
لكن السؤال المقابل قد يكون أكثر أهمية:
وماذا بعد التدمير؟
فالقضاء على جماعة أو تنظيم أو بؤرة صراع قد يحقق هدفًا عسكريًا مباشرًا.
لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف التي دُمّرت، بل بما يُبنى بعدها.
فهل الهدف هو القضاء على الإرهاب وتهيئة بيئة للاستقرار والإعمار والاستثمار؟
أم أن بعض الأزمات، مع مرور الوقت، تتحول إلى ساحة تتشابك فيها مصالح قوى محلية وإقليمية ودولية، بحيث يصبح استمرارها أكثر فائدة لبعض الأطراف من إنهائها، وتصبح نهايتها أصعب من قرار إشعالها؟
هنا ينتقل النقاش من ميدان الحرب إلى ميدان المصالح.
أما الصورة فتطرح سؤالًا مختلفًا:
ليست المشكلة في القدرة على دخول المتاهة.
وليست المشكلة في القدرة على هدم جدرانها.
المشكلة هي معرفة أين ينتهي الطريق.. وماذا ينتظر بعد الخروج منه.
BETH (بث B) – All rights reserved