اليوم 91: تفاوض بالنار

news image

تحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B

تواصلت مؤشرات التصعيد الأميركي–الإيراني رغم استمرار الحديث عن المسار التفاوضي، بعدما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع رادار ومراكز قيادة وتحكم للطائرات المسيّرة في جزيرتين إيرانيتين، مؤكدة أن العملية جاءت ردًا على ما وصفته بأعمال إيرانية عدائية تضمنت إسقاط طائرة أميركية كانت تحلق فوق المياه الدولية.

وفي المقابل، أدان رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف الضربات الأميركية، متهمًا واشنطن بعدم الالتزام بوقف إطلاق النار، في موقف يعكس استمرار التباعد بين الخطاب السياسي للطرفين رغم بقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويأتي هذا التطور في وقت تؤكد فيه كل من واشنطن وطهران استمرار المفاوضات، وسط ضغوط عسكرية ورسائل ردع متبادلة تزيد من الغموض حول الوجهة النهائية للأزمة، وتفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو اتفاق تدريجي أم نحو جولة جديدة من التصعيد.

وفق المعطيات الحالية، فإن المشهد لم يعد يشبه مفاوضات تقليدية بين خصمين يبحثان عن اتفاق، بل أصبح أقرب إلى نموذج جديد يمكن تسميته:

"التفاوض تحت الضغط العسكري المستمر".

فالولايات المتحدة تقول إنها ما زالت تريد اتفاقًا.

وفي الوقت نفسه تنفذ ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية.

وإيران تقول إنها ملتزمة بمسار التفاوض.

وفي الوقت نفسه تتهم واشنطن بعدم الالتزام بوقف إطلاق النار.

وهنا يظهر السؤال الذي يدور في أذهان كثير من المتابعين:

إذا كانت المفاوضات مستمرة.. فلماذا تستمر الضربات؟

 

ما الذي تريده واشنطن؟

من خلال سلوك الإدارة الأميركية خلال الأشهر الماضية، يبدو أن الاستراتيجية تقوم على مبدأ:

التفاوض دون منح إيران فرصة للمماطلة.

فالولايات المتحدة تدرك أن الوقت غالبًا ما كان أحد أهم أدوات طهران التفاوضية.

لذلك تحاول إبقاء الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية قائمة بالتزامن مع الحوار.

بمعنى آخر:

واشنطن لا تريد حربًا شاملة.

لكنها لا تريد أيضًا مفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني.

 

وما الذي تريده طهران؟

إيران تبدو حريصة على أمرين في وقت واحد:

  • تجنب مواجهة عسكرية واسعة.
  • تجنب تقديم تنازلات يمكن أن تُفسر داخليًا على أنها استسلام.

ولهذا يظهر الخطاب الإيراني مزدوجًا أحيانًا:

الحديث عن الحوار.

وفي الوقت نفسه إدانة الضربات الأميركية.

وهو خطاب يخاطب الخارج والداخل معًا.

 

لماذا يبدو الصبر الأميركي طويلًا؟

هذا من أكثر الأسئلة تداولًا.

كثيرون يتوقعون أن القوة العسكرية الأميركية قادرة على فرض ما تريد بسرعة.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

فالهدف الأميركي ليس تدمير إيران.

بل تغيير سلوكها أو دفعها إلى اتفاق بشروط محددة.

وأي حرب واسعة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها:

  • اضطراب أسواق الطاقة.
  • تهديد الملاحة.
  • توسع المواجهة إقليميًا.
  • ارتفاع الكلفة السياسية والاقتصادية.

ولهذا يبدو الصبر الأميركي أحيانًا طويلًا.

ليس بسبب الضعف.

بل لأن كلفة الخيارات الأخرى قد تكون أعلى.

 

أين تتجه المفاوضات؟

هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: اتفاق تدريجي

وهو الأكثر ترجيحًا حاليًا.

تستمر الضغوط المتبادلة.

وتستمر التصريحات المتناقضة.

ثم يتم الوصول إلى صيغة تحفظ ماء الوجه للطرفين.

هذا السيناريو يمنح الاستقرار للأسواق ويجنب الجميع المواجهة الكبرى.

 

السيناريو الثاني: جولات لا تنتهي

تستمر المفاوضات.

وتستمر الضربات المحدودة.

وتستمر الاتهامات المتبادلة.

دون اتفاق نهائي أو انهيار كامل.

وهو سيناريو استنزاف سياسي أكثر منه عسكريًا.

 

السيناريو الثالث: الانفجار المفاجئ

احتماله أقل من السابقين لكنه قائم.

حادث ميداني كبير.

ضربة تتجاوز الخطوط الحمراء.

أو خطأ في الحسابات.

قد يدفع الأطراف إلى مواجهة أوسع مما كانوا يخططون له.

 

توقع بث

حتى الآن لا تبدو واشنطن مستعدة لحرب شاملة.

ولا تبدو طهران راغبة في مواجهة مفتوحة.

ولهذا يبقى الاحتمال الأقرب:

استمرار التفاوض تحت الضغط.

ضربات محدودة.

تصريحات متشددة.

رسائل ردع متبادلة.

ومفاوضات تتحرك ببطء خلف الأضواء.

لكن المشكلة أن هذا النوع من الأزمات لا ينهار عادة بسبب الخلافات الكبرى فقط.

بل أحيانًا بسبب حادث صغير يغيّر كل الحسابات.

خلاصة

السؤال لم يعد:

هل تستمر المفاوضات؟

بل:

من يتعب أولًا؟

واشنطن التي تريد اتفاقًا سريعًا؟

أم طهران التي تراهن على الوقت؟

وهنا قد تكون الأيام المقبلة أهم من الأسابيع الماضية كلها.

BETH (بث B) – All rights reserved