شيء يتحرك تحت أقدام الجميع..!

news image

عصر الوفرة.. أم عصر الاستغناء؟

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B

إشراف: عبدالله العميره

 

مقدمة

منذ عقود طويلة، بُني العالم الحديث على فكرة بدت وكأنها حقيقة ثابتة لا تتغير:

أن الدول تحتاج إلى بعضها البعض.

فالتجارة تعبر الحدود.

والطاقة تتحرك بين القارات.

والصناعة تعتمد على سلاسل إمداد تمتد عبر آلاف الكيلومترات.

والأسواق تتكامل بصورة تجعل ازدهار طرف مرتبطًا بازدهار أطراف أخرى.

ولهذا نشأت قناعة عالمية واسعة مفادها أن المصالح المشتركة تقلل الصراعات، وأن الاعتماد المتبادل يساعد على صناعة الاستقرار.

لكن سؤالًا جديدًا بدأ يتحرك بهدوء تحت أقدام الجميع:

ماذا سيحدث عندما تصبح الدول والشركات أقل احتياجًا لبعضها البعض؟

 

العالم الذي نعرفه

قبل عشرين عامًا فقط، كانت الصورة أكثر وضوحًا:

  • الطاقة من الخليج.
  • الصناعة من الغرب.
  • العمالة من آسيا.
  • التقنية من أمريكا.
  • والأسواق موزعة بين الجميع.

وكانت الحاجة المتبادلة جزءًا من معادلة الاستقرار.

فكل طرف يمتلك شيئًا يحتاجه الآخر.

وكل طرف يخشى أن يؤدي الصدام إلى خسارة شبكة واسعة من المصالح.

لكن العالم بدأ يتغير.

 

الوفرة الجديدة

اليوم نشهد تحولات لم يكن من السهل تخيلها قبل سنوات قليلة.

فالطاقة البديلة تتوسع.

والذكاء الاصطناعي يقلل الحاجة إلى كثير من الوظائف التقليدية.

والروبوتات تدخل المصانع والموانئ ومراكز الخدمات.

والطباعة ثلاثية الأبعاد تفتح الباب أمام إنتاج محلي أقرب إلى المستهلك.

وأصبح الأمن الغذائي هدفًا وطنيًا.

والأمن التقني هدفًا وطنيًا.

والأمن الدوائي هدفًا وطنيًا.

بل إن بعض الدول بدأت تتحدث عن السيادة الرقمية بالطريقة نفسها التي كانت تتحدث بها عن السيادة العسكرية.

وهنا يظهر السؤال الكبير:

هل يقودنا هذا كله إلى عالم أكثر أمنًا؟

أم إلى عالم أقل حاجة للتعاون؟

 

عندما تتراجع الحاجة

طوال التاريخ لم تكن العلاقات بين الدول قائمة على المحبة وحدها.

ولا على المبادئ وحدها.

بل على الحاجة.

الحاجة إلى الغذاء.

والطاقة.

والأسواق.

والتقنية.

والأمن.

وكانت هذه الحاجة تجبر الدول على الحوار حتى عندما تختلف.

لكن ماذا لو تراجعت الحاجة؟

ماذا لو أصبحت الدولة قادرة على إنتاج معظم ما تحتاجه؟

وماذا لو أصبحت الشركات العملاقة قادرة على تشغيل مصانعها بالروبوتات، وإدارة أعمالها بالذكاء الاصطناعي، وتأمين بياناتها داخل حدودها الرقمية؟

عندها قد لا يصبح السؤال:

كيف نتعاون؟

بل:

لماذا نتعاون أصلًا؟

وهنا يبدأ التحول الأخطر.

 

هل الوفرة تصنع السلام؟

قد تبدو الإجابة بديهية:

كلما زادت الوفرة، قلّ الصراع.

لكن التاريخ لا يقدم إجابة بهذه البساطة.

فكثير من الحروب لم تنشأ بسبب الفقر فقط.

بل بسبب المنافسة.

والطموح.

والنفوذ.

والخوف من المستقبل.

ولهذا قد يؤدي تراجع الاعتماد المتبادل إلى نتيجة معاكسة لما يتوقعه البعض.

فإذا لم تعد الدول تحتاج إلى بعضها اقتصاديًا كما كانت من قبل، فقد تتغير طبيعة العلاقات الدولية نفسها.

وقد يصبح النفوذ والتقنية والبيانات والأمن السيبراني ساحات تنافس أشد من كثير من الموارد التقليدية.

 

التحول الأعمق

ربما لا نعيش نهاية العولمة.

بل بداية مرحلة جديدة منها.

مرحلة يمكن تسميتها:

عصر الاستقلال المتصل

حيث تسعى الدول إلى:

  • تصنيع ما تحتاجه.
  • إنتاج غذائها.
  • تأمين طاقتها.
  • حماية بياناتها.
  • تطوير تقنيتها.

لكن دون أن تنعزل عن العالم.

فالهدف لم يعد الاعتماد الكامل.

ولا الانفصال الكامل.

بل تقليل نقاط الضعف مع الحفاظ على شبكة المصالح.

إنه توازن جديد بين الاستقلال والتكامل.

 

السعودية والمسار المختلف

في هذا التحول العالمي، تبرز السعودية كنموذج يستحق التأمل.

فالمملكة لا تعمل على بناء اقتصاد ما بعد النفط فقط.

بل تعمل على بناء قدرة وطنية شاملة في مجالات متعددة:

  • الطاقة.
  • التعدين.
  • التقنية.
  • الذكاء الاصطناعي.
  • الصناعة.
  • الخدمات اللوجستية.
  • الأمن الغذائي.
  • وتنمية الإنسان.

لكن اللافت أن هذا البناء لا يقوم على فكرة الانفصال عن العالم.

بل على فكرة تعزيز القدرة الذاتية مع زيادة الحضور العالمي في الوقت نفسه.

ولهذا لا تبدو السعودية وكأنها تستعد لعالم مغلق.

بل لعالم أكثر تعقيدًا وأكثر تنافسية.

عالم يحتاج إلى دول قوية من الداخل، ومنفتحة على الخارج في آن واحد.

 

الإدلال

قد يظن البعض أن الاكتفاء الذاتي الكامل هو قمة القوة.

لكن التاريخ يقدم درسًا مختلفًا.

فالدول التي تنغلق على نفسها طويلًا قد تصبح أقل تعرضًا للمخاطر الخارجية.

لكنها تصبح أيضًا أقل تأثيرًا في العالم.

ولهذا قد لا يكون المستقبل للأكثر اكتفاءً فقط.

بل للأكثر قدرة على الجمع بين:

  • القوة الذاتية.
  • والانفتاح الذكي.

فالعالم لا يكافئ المنعزلين.

كما أنه لا يرحم المعتمدين بالكامل على غيرهم.

 

التوصية

إذا كان القرن العشرون قد كافأ من امتلك الموارد.

وكانت العقود الأخيرة قد كافأت من امتلك التقنية.

فإن العقود القادمة قد تكافئ من ينجح في تحقيق معادلة أصعب:

القدرة على الاكتفاء دون الانعزال.

فلا يكفي أن تنتج الدولة غذاءها.

ولا أن تؤمن طاقتها.

ولا أن تطور تقنيتها.

بل أن تحافظ في الوقت نفسه على موقعها داخل شبكة المصالح العالمية.

لأن النفوذ في المستقبل قد لا يُقاس فقط بما تملكه الدول.

بل بما يجعل الآخرين راغبين في التعاون معها.

 

المشهد الأخير

قبل مئة عام كانت الدول تتصارع على الأراضي.

ثم أصبحت تتصارع على النفط.

ثم على الأسواق.

ثم على البيانات.

أما السؤال القادم فقد يكون:

من يستطيع أن يعيش ويزدهر بأقل قدر من الاعتماد على الآخرين؟

لكن ربما يكون السؤال الأهم:

من يستطيع أن يكون قويًا بما يكفي للاستغناء .. وحكيمًا بما يكفي للاستمرار في التعاون؟

فالقدرة على الاستغناء تمنح القوة.

لكن القدرة على التعاون تمنح الاستمرار.

وربما لا يتجه العالم إلى عصر الاستغناء الكامل.

بل إلى عصر جديد تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على تحقيق التوازن بين الاكتفاء والتكامل.

وهنا قد يتحدد شكل العالم القادم.

وهنا أيضًا قد تتحدد مكانة الدول التي لا تستعد للمستقبل فقط...

بل تفهم اتجاهه قبل أن يصل.

BETH (بث B) – All rights reserved