اليوم 90: العقدة ترتخي

news image

متابعة وتحليل | بث | B

بعد 90 يومًا من اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، يبدو أن المشهد دخل مرحلة مختلفة.

فالقصف الواسع والمتواصل الذي طبع الأسابيع الأولى تراجع إلى حد كبير.

لكن الحرب نفسها لم تنتهِ.

الحصار ما زال قائمًا.

والمفاوضات ما زالت مستمرة.

والتهديدات ما زالت متبادلة.

أما النتائج النهائية، فما زالت مؤجلة.

وخلال نحو خمسين يومًا الماضية، يكاد المشهد يتكرر يوميًا:

في بداية النهار، تتحدث التصريحات عن اقتراب الاتفاق.

وفي نهايته، تعود العقد نفسها إلى الواجهة.

وفيما أعلنت إسرائيل بدء عملية واسعة جنوب لبنان، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي أن العمليات ضد حزب الله ستستمر "حتى النهاية".

في المقابل، حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من حساسية الوضع الداخلي، داعيًا إلى عدم حصر إدارة الدولة في دائرة ضيقة من صناع القرار، في تصريحات تعكس استمرار النقاشات والانقسامات داخل إيران حول مسار التفاوض وإدارة المرحلة المقبلة.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد عاد للتأكيد أن الاتفاق مع إيران بات قريبًا، لكنه كرر في الوقت نفسه التهديد بالعودة إلى الخيار العسكري إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يستوفي الشروط الأمريكية.

كما شدد على أن واشنطن تفضل الحل الدبلوماسي، لأن الاتفاق سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الملف النووي الإيراني، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه "ليس في عجلة من أمره".

جولة جديدة

وكشفت تقارير جديدة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرغب في إطلاق جولة جديدة من المفاوضات مع إيران تمتد لعدة أيام إضافية، في خطوة تعكس استمرار الرهان على المسار الدبلوماسي رغم استمرار الضغوط والتهديدات المتبادلة.

ويعزز هذا التوجه الانطباع بأن واشنطن ما زالت ترى إمكانية للوصول إلى اتفاق، وأن خيار الوقت ما زال مفضلًا على خيار الحسم العسكري المباشر.

 

تحليل بث

بعد 90 يومًا، لم يعد السؤال:

هل يوجد اتفاق؟

بل أصبح:

لماذا لا يُحسم الاتفاق؟

فالتناقض الظاهر في التصريحات الأمريكية لم يعد مجرد تفصيل إعلامي.

ترامب يقول:

  • نحن قريبون من الاتفاق.
  • وإذا لم يتحقق فسنعود إلى القوة.
  • ولسنا في عجلة من أمرنا.

وبالنسبة لبعض المتابعين تبدو هذه الرسائل متناقضة.

لكنها قد تكون في الواقع جزءًا من استراتيجية تفاوضية واحدة.

فالطرف الذي يشعر بأن الوقت يعمل ضده عادة لا يقول إنه غير مستعجل.

والطرف الذي يملك قرار الحرب وحده لا يستمر ثلاثة أشهر في التهديد دون أن يكون أمامه حسابات أكبر من مجرد استخدام القوة.

 

ما وراء التناقض

قد لا يكون التناقض الحقيقي في تصريحات ترامب.

بل في طبيعة الأزمة نفسها.

فالولايات المتحدة تريد إنهاء عدة ملفات دفعة واحدة:

  • الملف النووي.
  • أمن الملاحة.
  • مضيق هرمز.
  • مستقبل النفوذ الإيراني.
  • شكل التوازنات الجديدة في المنطقة.

أما إيران، فتسعى إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من أوراقها السياسية والاستراتيجية.

وهنا يصبح الوقت جزءًا من التفاوض.

وليس مجرد فترة انتظار.

 

لماذا لا تُحسم الأزمة؟

لأن الحسم العسكري لا يضمن بالضرورة الحسم السياسي.

وهذه واحدة من أهم الدروس التي تعلمتها القوى الكبرى خلال العقود الأخيرة.

فإسقاط القدرات العسكرية أسهل أحيانًا من بناء الاستقرار الذي يليها.

ولهذا يبدو أن واشنطن ما زالت تحاول الوصول إلى نقطة تحقق أهدافها الاستراتيجية بأقل تكلفة ممكنة.

بينما تحاول طهران الوصول إلى اتفاق يمنع الخسارة الكاملة ويحافظ على ما يمكن الحفاظ عليه.

 

التحول الأعمق

ما يجري اليوم لم يعد مجرد صراع بين أمريكا وإيران.

بل اختبار لفكرة أكبر:

هل ما زالت القوة العسكرية وحدها قادرة على فرض النتائج السياسية؟

فبعد ثلاثة أشهر من الحرب، لم تنجح إيران في فرض شروطها.

وفي المقابل، لم تحقق الولايات المتحدة بعد النهاية التي تتحدث عنها.

وهنا تظهر حقيقة كثيرًا ما يغفلها المتابعون:

القوة تستطيع فتح الأبواب.

لكنها لا تستطيع دائمًا تحديد ما سيحدث خلفها.

 

المشهد الأخير

بعد 90 يومًا، تبدو الحرب وكأنها توقفت.

لكنها لم تنتهِ.

وتبدو المفاوضات وكأنها تتحرك.

لكنها لم تصل بعد.

وتبدو التهديدات وكأنها تتصاعد.

لكنها لا تتحول إلى قرارات حاسمة.

ولهذا قد لا يكون الوصف الأدق لما يحدث اليوم هو:

حرب.

أو:

سلام.

بل مرحلة طويلة من إدارة الأزمة، يحاول فيها كل طرف الوصول إلى نهاية مقبولة دون أن يظهر بمظهر المتراجع.

ويبقى السؤال الذي يزداد إلحاحًا مع كل يوم جديد:

هل تقرّب الأرجوحة المتحركة الأطراف من الاتفاق فعلًا؟

أم أنها أصبحت جزءًا من الأزمة نفسها؟

BETH (بث B) – All rights reserved