وزير الحرب الأميركي يطرح معادلة جديدة للتحالفات

news image

من يحمي مَن؟

متابعة وتحليل | بث | B

أطلق وزير  الحرب الأميركي بيت هيغسيث رسالة لافتة خلال مشاركته في حوار شانغريلا الأمني في سنغافورة، عندما أكد أن الولايات المتحدة تريد "حلفاء أقوياء"، وليس حلفاء تعتمد واشنطن على الدفاع عنهم بصورة كاملة.

ويأتي التصريح في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات متسارعة، بدءًا من الحرب في أوكرانيا، مرورًا بالتوترات مع إيران، ووصولًا إلى المنافسة الاستراتيجية مع الصين في آسيا.

ويعكس الخطاب الأميركي الجديد توجهًا يدعو الحلفاء إلى تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن أمنهم، والمشاركة بصورة أوسع في حماية الاستقرار الإقليمي والدولي.

العرض

أكد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة لا تبحث عن حلفاء يعتمدون بالكامل على المظلة الأمنية الأميركية، بل عن شركاء يمتلكون القدرة والإرادة للمساهمة في الدفاع عن أنفسهم وعن استقرار مناطقهم.

وأوضح أن واشنطن ما زالت ملتزمة بتحالفاتها الدولية، لكنها تتطلع إلى توزيع أكثر توازنًا للأعباء والمسؤوليات الأمنية، بما ينسجم مع التحديات المتزايدة التي تواجهها الولايات المتحدة في أكثر من منطقة حول العالم.

ويُنظر إلى هذه التصريحات باعتبارها امتدادًا لتوجه متنامٍ داخل الإدارات الأميركية المتعاقبة، يقوم على تشجيع الحلفاء على رفع قدراتهم الدفاعية وتقليل الاعتماد المباشر على القوات الأميركية.

تحليل بث

للوهلة الأولى يبدو التصريح عسكريًا بحتًا.

لكن خلفه سؤال أكبر:

هل تغيّر مفهوم الحليف في العقل الأميركي؟

فعلى مدى عقود طويلة، بُني النفوذ الأميركي على شبكة واسعة من التحالفات، كان جوهرها يقوم على معادلة بسيطة:

أميركا توفر الحماية.

والحلفاء يوفرون الشراكة السياسية والاقتصادية.

لكن العالم تغيّر.

وأصبحت الولايات المتحدة تجد نفسها أمام تحديات متزامنة تشمل:

  • روسيا في أوروبا.
  • الصين في آسيا.
  • أزمات الشرق الأوسط.
  • تحديات اقتصادية ومالية داخلية.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن واشنطن بدأت تعيد النظر في كيفية توزيع الأعباء داخل منظومة التحالفات الدولية.

وهنا لا يبدو الحديث عن التخلي عن الحلفاء.

بل عن إعادة تعريف العلاقة معهم.

فالرسالة الضمنية ليست:

"دافعوا عن أنفسكم وحدكم."

بل أقرب إلى:

"كونوا أقوى .. لنكون أقوى معًا."

 

الخليج والتحول الجديد

في هذا السياق، يكتسب التصريح أهمية خاصة بالنسبة للشرق الأوسط.

فدول الخليج اليوم ليست كما كانت قبل عقود.

لقد أصبحت تمتلك:

  • قدرات عسكرية متطورة.
  • نفوذًا اقتصاديًا عالميًا.
  • أدوارًا سياسية متنامية.
  • شراكات دولية واسعة.

ولذلك فإن مفهوم "الحليف القوي" لم يعد نظريًا، بل أصبح واقعًا تفرضه التحولات الجارية في المنطقة والعالم.

لكن هذا التحول يطرح سؤالًا لا يقل أهمية:

هل تقود العقيدة الأميركية الجديدة إلى سباق تسلح جديد بين الحلفاء؟

فواشنطن أمضت عقودًا طويلة وهي تفضّل بقاء التفوق العسكري والتقني في يدها، مع اعتماد الحلفاء بدرجات متفاوتة على المظلة الأمنية الأميركية وعلى منظومات التسليح التي توفرها.

أما اليوم، فهي تدعو إلى حلفاء أقوى وأكثر قدرة على الدفاع عن أنفسهم.

وهنا يظهر التحدي:

هل يعني ذلك تشجيع الحلفاء على تطوير صناعاتهم العسكرية وقدراتهم الذاتية؟

أم أن المقصود هو زيادة الإنفاق الدفاعي ضمن المنظومة الغربية نفسها، مع استمرار الاعتماد على التكنولوجيا والسلاح الأميركي؟

حتى الآن، يبدو أن واشنطن لا تسعى إلى خلق منافسين عسكريين جدد بقدر ما تسعى إلى خلق شركاء أكثر قدرة على تحمل الأعباء.

لكن التاريخ يُظهر أن كل مرحلة تتوسع فيها القدرات العسكرية للدول تفتح تلقائيًا أبواب المنافسة التقنية والصناعية والدفاعية، وتدفع بعض الدول إلى البحث عن قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

ولذلك قد يكون أحد الآثار غير المباشرة لهذه العقيدة الجديدة هو تسريع نمو الصناعات الدفاعية لدى الحلفاء، وخصوصًا في الدول الصاعدة التي تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الاستراتيجي.

والسؤال الذي سيبقى مطروحًا:

هل تريد واشنطن حلفاء أقوياء تحت مظلتها؟

أم أن العالم يتجه تدريجيًا نحو حلفاء أقوياء يمتلكون خيارات أوسع واستقلالية أكبر؟

وعلى أية حال، فإن بعض دول الخليج سبقت هذا الطرح الأميركي بسنوات، فيما يخص بناء القدرات الذاتية وتعزيز الشراكة الأمنية.

فقد اتجهت إلى تطوير قدراتها العسكرية والأمنية والتقنية، وتوسيع صناعاتها الدفاعية، وتنويع شراكاتها الاستراتيجية، بما جعلها أكثر قدرة على الإسهام في حفظ الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها الوطنية.

ولذلك لم تعد العلاقة مع الولايات المتحدة، فيما يخص دول الخليج، تقوم على مفهوم الحماية التقليدية وحده، بل تطورت خلال السنوات الماضية نحو مستويات أعلى من الشراكة والتكامل وتقاسم المسؤوليات.

ومن هذه الزاوية، قد لا يكون تصريح وزير الحرب الأميركي إعلانًا لسياسة جديدة بقدر ما هو توصيف لاتجاه أوسع تسعى واشنطن إلى تعميمه على حلفائها حول العالم، في ظل عالم أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكز القوة.

قراءة خاصة

قد يبدو تصريح وزير الحرب الأميركي للوهلة الأولى مجرد دعوة للحلفاء إلى تحمل مسؤوليات أكبر.

لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير.

فالتصريح لا يبدو تعبيرًا عن غرور القوة بقدر ما يعكس إرهاق القوة.

فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر قدرات عسكرية في العالم، لكنها تواجه اليوم واقعًا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

روسيا في أوروبا.

الصين في آسيا.

أزمات ممتدة في الشرق الأوسط.

وتحديات اقتصادية وسياسية داخلية.

ومن هنا، لا يبدو أن واشنطن تتحدث عن التخلي عن دورها العالمي، بقدر ما تتحدث عن إعادة توزيع الأعباء داخل منظومة التحالفات.

كما أن التصريح لا يقدم دليلًا على عجز عسكري أمام إيران.

فالولايات المتحدة قادرة على استخدام القوة متى أرادت.

لكن تجربة الأشهر الماضية أعادت طرح سؤال أكثر تعقيدًا:

هل تكفي القوة العسكرية وحدها لصناعة النتيجة السياسية المطلوبة؟

وهنا تكمن العقدة الحقيقية.

فالمشكلة لم تعد في القدرة على خوض الحرب.

بل في القدرة على بناء ما بعد الحرب.

ولهذا قد لا يكون التصريح تمهيدًا للانسحاب بقدر ما هو تمهيد لمرحلة جديدة تقوم على مفهوم:

الشراكة في تحمل المسؤوليات، بدل الاعتماد الكامل على القوة الأميركية وحدها.

وربما لهذا السبب لا يبدو أن واشنطن تبحث عن حلفاء تحتاج إلى حمايتهم فقط.

بل عن حلفاء قادرين على المشاركة في صناعة الاستقرار وحماية المصالح المشتركة.

ومن هذه الزاوية، قد يكون التصريح مؤشرًا على تحول أوسع في التفكير الاستراتيجي الأميركي؛ ليس بسبب إيران وحدها، بل بسبب عالم أصبح أكثر تعقيدًا من أن يُدار بالأدوات القديمة وحدها.

المشهد الأخير

ربما لا يكون أهم ما قاله وزير الحرب الأميركي هو رغبته في حلفاء أقوياء.

بل ما تعكسه هذه العبارة من تحول أعمق داخل التفكير الاستراتيجي الأميركي.

فالسؤال الذي بدأ يفرض نفسه ليس:

من يحمي الحلفاء؟

بل:

كيف تُبنى تحالفات يكون فيها الجميع أقوى؟

وفي عالم يزداد تعقيدًا وتعددًا في مراكز القوة، قد لا يكون الحليف الأقوى هو من ينتظر الحماية.

بل من يملك القدرة على المشاركة في صناعتها.

وربما لا تنظر واشنطن إلى بعض حلفائها الأقوياء بوصفهم عبئًا، بل بوصفهم إضافة للقوة والاستقرار.

وفي هذا السياق، تبدو السعودية نموذجًا مختلفًا؛ دولة تمتلك وزنها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، وفي استقرارها، وتحافظ في الوقت نفسه على شراكة تاريخية مع الولايات المتحدة - ومع  دول أخرى - تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

فالعلاقات الناضجة بين الدول لا تُقاس بحجم الاتفاق فقط، بل بقدرتها على الاختلاف أحيانًا، مع بقاء الثقة والشراكة قائمة.

والحليف القوي ليس من يوافق دائمًا، بل من يملك القدرة على المساندة وتقديم الرأي والنصح عندما تستدعي الظروف ذلك.

وربما لهذا السبب تزداد قيمة الشراكات الناضجة؛ لأنها تقوم على الثقة والاحترام المتبادل، لا على التبعية أو الحاجة.

ومن هنا، لا يضيف الحليف القوي عبئًا إلى التحالف، بل يضيف إليه قدرة وتأثيرًا ورؤية.

 

BETH (بث B) – All rights reserved