اليوم 89: أرجوحة التعقيد

متابعة وتحليل | بث | B
بعد 89 يومًا من اندلاع الحرب، ما زال المشهد يدور في الحلقة نفسها:
حصار قائم.
تهديدات إيرانية مستمرة.
مفاوضات لا تنتهي.
وتصريحات متناقضة تتكرر بصورة تكاد تكون يومية.
آخر التصريحات الأميركية أعادت المشهد إلى نقطة مألوفة:
المسؤولون الأميركيون يقولون إن المتشددين داخل إيران يعرقلون الاتفاق.
وقبلها بساعات فقط، كانت التصريحات نفسها تتحدث عن أن الاتفاق بات قريبًا.
وفي الوقت نفسه، أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة قادرة بالكامل على استئناف العمليات العسكرية ضد إيران إذا اقتضت الضرورة، مشددًا على أن المخزونات العسكرية الأميركية تسمح بذلك.
أما البيت الأبيض، فأعاد التأكيد أن الرئيس دونالد ترامب لن يوقع أي اتفاق لا يستوفي شروطه بالكامل.
وهكذا تستمر الأرجوحة.
اقتراب من الاتفاق.
ثم حديث عن معرقلين.
ثم تلميح بالخيار العسكري.
ثم عودة إلى المفاوضات.
تحليل بث
كلما طال أمد الأزمة، تراجع السؤال:
هل يوجد اتفاق؟
وتقدم سؤال آخر أكثر أهمية:
من المستفيد من استمرار التأجيل؟
أو ربما بشكل أدق:
لماذا يستمر التأجيل أصلًا؟
قد تبدو الإجابة عن السؤال الثاني أسهل للوهلة الأولى، لكن بعض المحللين يرون أنه أكثر عمقًا من السؤال الأول.
فمعرفة المستفيد تقود إلى تحديد الأطراف، أما فهم أسباب التأجيل فقد يقود إلى فهم طبيعة الأزمة نفسها، وحجم التعقيدات التي مازالت تمنع الوصول إلى نهاية واضحة.
ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم:
من المستفيد؟
بل:
ما الذي يجعل جميع الأطراف، حتى الآن، تفضّل استمرار الوقت على حسم القرار؟
فبعد ثلاثة أشهر من الحرب، لم يعد الخلاف يدور فقط حول البرنامج النووي أو مضيق هرمز.
بل حول شكل المنطقة بعد الأزمة.
اللافت أن واشنطن تتحدث باستمرار عن اقتراب الاتفاق، لكنها في الوقت نفسه تكرر التهديد باستخدام القوة.
وطهران تتحدث عن التفاوض، لكنها تواصل استخدام سياسة الوقت والضغوط المتبادلة.
وبين الطرفين تبقى المنطقة والعالم أمام حالة من عدم اليقين.
المعضلة الحقيقية
المشكلة لم تعد في القدرة العسكرية.
فالولايات المتحدة تؤكد يوميًا أنها قادرة على استئناف الحرب.
وإيران تؤكد يوميًا أنها قادرة على الاستمرار في التحدي.
لكن أصبحت في تحويل القوة إلى نتيجة سياسية مستقرة.
فكل يوم يمر دون حسم يضيف عنصرًا جديدًا من التعقيد.
ويزيد كلفة عدم اليقين على:
- أسواق الطاقة.
- التجارة العالمية.
- الاستثمارات.
- أمن المنطقة.
ولهذا تبدو الأزمة اليوم أقرب إلى صراع إرادات منها إلى صراع قدرات.
ما وراء التصريحات
ربما يكون التفسير الأسهل هو أن المتشددين في إيران يعرقلون الاتفاق.
لكن التفسير الأعمق قد يكون أن الطرفين ما زالا يُظهران الإختلاف على شكل النهاية نفسها.
فالولايات المتحدة تريد اتفاقًا يحقق أهدافها الاستراتيجية.
وإيران تريد اتفاقًا يضمن بقاء النظام ويحفظ أكبر قدر ممكن من أوراق القوة.
ولهذا تستمر التصريحات المتناقضة التي تطيل الوقت، إلى هدف محدد (ينتهي بالتوقيع)..
المشكلة لم تعد في الوصول إلى طاولة الاتفاق.
بل في الاتفاق على ما سيحدث بعد الاتفاق.
المشهد الأخير
بعد 89 يومًا من الحرب، لا يبدو أن أحدًا يملك ترف الوقت كما كان في البداية.
لكن لا يبدو أيضًا أن أحدًا مستعد للتراجع الكامل.
ولهذا تستمر الأرجوحة.
اتفاق يقترب.
ثم يبتعد.
تهديد يتصاعد.
ثم يهدأ.
ومع كل يوم جديد، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل ما نشهده مفاوضات للوصول إلى اتفاق؟
أم إدارة متعمدة لأزمة لا يريد أي طرف تحمل مسؤولية حسمها؟
أم أن الطرفين يراهنان على الوقت، باعتباره الوسيلة القادرة على تفكيك كثير من العقد، ومنح كل طرف مساحة تحفظ مصالحه وكرامته السياسية في آن واحد؟
BETH (بث B) – All rights reserved