اليوم 74: النووي أولًا
متابعة وتحليل | بث | B
غادر الرئيس الأميركي دونالد ترامب العاصمة الصينية بكين،اليوم الجمعة 15 مايو 2026 بعد قمة وصفها بالمهمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، أعلن خلالها التوصل إلى “اتفاقات تجارية رائعة”، مؤكدًا أن الملف الإيراني كان حاضرًا بقوة في المحادثات، إلى جانب قضية مضيق هرمز.
وبحسب ترامب، فإن شي جين بينغ أبدى استعدادًا للمساعدة في فتح المضيق، فيما كرر الرئيس الأميركي تأكيده أن إيران “لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا”، مشيرًا إلى وجود “تقارب كبير” مع الصين بشأن كيفية إنهاء الأزمة.
بالتوازي، نفى قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر التقارير التي تتحدث عن احتفاظ إيران بجزء كبير من قدراتها الصاروخية، مؤكدًا أن القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية تراجعت بأكثر من 90%.
العرض
اللافت في الخطاب الأميركي الأخير…
ليس فقط الحديث عن “إضعاف إيران”،
بل تركيز ترامب المتكرر على نقطة واحدة تحديدًا:
السلاح النووي.
ففي معظم تصريحاته الأخيرة،
عاد ترامب للتأكيد على:
“إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا”،
بينما تراجع الحديث نسبيًا عن:
الصواريخ،
والوكلاء،
والنفوذ الإقليمي،
والقدرات التقليدية الأخرى.
وفي المقابل،
تواصل واشنطن التأكيد أن البنية العسكرية الإيرانية تعرضت لتراجع كبير، خصوصًا في:
الصواريخ،
والمسيّرات،
والقدرات البحرية،
في محاولة لإظهار أن “الخطر التقليدي” أصبح تحت السيطرة بدرجة كبيرة.
تحليل بث
السؤال هنا:
لماذا أصبح النووي هو العنوان الأبرز في خطاب ترامب الآن؟
الجواب المحتمل…
أن واشنطن ربما تريد إعادة تعريف “الخطر الإيراني”.
فبعد سنوات كان التركيز فيها على:
الميليشيات،
والوكلاء،
والصواريخ،
وتهديد الملاحة،
يبدو أن الإدارة الأميركية تحاول حصر الأزمة في ملف أكثر وضوحًا عالميًا:
السلاح النووي.
لأن “الخطر النووي”:
أسهل في التسويق السياسي،
وأكثر قبولًا دوليًا،
وأقل تعقيدًا من الدخول في نقاشات مفتوحة حول النفوذ الإقليمي وتشابكات المنطقة.
كما أن تقليل الحديث عن الصواريخ والوكلاء قد يحمل رسالة غير مباشرة:
بأن واشنطن ترى أن هذه القدرات تعرضت بالفعل لضربات كبيرة،
أو أنها لم تعد تمثل التهديد المركزي مقارنة بمنع التحول النووي.
وقد ترى الولايات المتحدة أن بقية التهديدات الإقليمية يمكن احتواؤها أو التعامل معها لاحقًا بعد تحجيم النظام الإيراني،
أو أنها — رغم خطورتها على المنطقة — لا تمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأميركية بالدرجة نفسها التي يمثلها احتمال امتلاك سلاح نووي.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا:
إذا كانت الولايات المتحدة تؤكد أن القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية تراجعت بأكثر من 90%،
فإن استمرار التركيز على النووي قد يعني أن:
“المعركة الحقيقية أصبحت معركة المستقبل… لا الحاضر.”
أي أن واشنطن لا تريد فقط إضعاف إيران عسكريًا،
بل منع أي احتمال لتحولها لاحقًا إلى قوة ردع نووية تغيّر قواعد المنطقة بالكامل.
وفي الخلفية،
يبرز عامل الصين بوضوح.
فحديث ترامب عن استعداد شي جين بينغ للمساعدة في فتح مضيق هرمز،
إلى جانب الحديث عن تقارب أميركي–صيني بشأن إيران،
يعكس أن ملف الطاقة والممرات البحرية أصبح قضية دولية مشتركة،
لا مجرد أزمة شرق أوسطية.
أما إذا تأكدت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين،
فإن المشهد قد يكتسب أبعادًا أعمق،
خصوصًا في ظل التداخل بين:
الطاقة،
والحرب،
والاقتصاد،
وإعادة تشكيل التوازنات العالمية.
ماذا بعد بكين؟
هل تتجه واشنطن نحو ضغط أكبر على إيران؟
أم نحو ضربة عسكرية؟
أم أن المشهد سيبقى ضمن سياسة “إدارة التوتر” دون حسم نهائي؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الولايات المتحدة لا تريد انفجارًا واسعًا في المنطقة،
لكنها أيضًا لا تريد ترك إيران تتحرك بحرية.
ولهذا قد تتجه المرحلة المقبلة نحو:
تشديد الضغط السياسي والاقتصادي،
وتوسيع العزلة،
واستمرار الضغط العسكري غير المباشر،
دون الوصول — حتى الآن — إلى حرب شاملة.
وفي المقابل،
يبدو أن دخول الصين على خط الملف الإيراني يعكس رغبة دولية في منع انهيار الاستقرار في الخليج،
خصوصًا مع ارتباط هرمز بالطاقة والاقتصاد العالمي.
أما إذا تأكدت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين،
فقد تتحول الأزمة الإيرانية إلى جزء من مشهد أكبر:
إعادة تشكيل التوازنات الدولية،
وليس فقط معالجة ملف إقليمي.
وفي العمق،
قد لا تكون المرحلة القادمة مرحلة “الحسم السريع”…
بل مرحلة:
الضغط الطويل،
وإدارة التوازنات،
ومنع الانفجار الكبير،
مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة.
خلاصة المشهد
يبدو أن واشنطن تحاول نقل الصراع مع إيران من:
“حرب النفوذ المفتوحة”
إلى:
“معركة منع النووي”.
لكن السؤال الذي يتردد في المنطقة يبقى حاضرًا:
هل تغير الخطر فعلًا…
أم تغيرت فقط طريقة تسويقه سياسيًا وإعلاميًا؟
من يتحكم في من؟
طلب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من الولايات المتحدة “الصبر”، مؤكدًا أن المفاوضات ستطول، في تصريح يعكس أن طهران تراهن على عامل الوقت كجزء من إدارة الصراع.
فالرسالة الإيرانية تبدو واضحة:
كلما طال التفاوض،
تراجعت احتمالات الحسم السريع،
واتسعت مساحة المناورة السياسية والاقتصادية.
لكن السؤال الذي يتكرر في المنطقة:
إذا كانت واشنطن تمتلك هذا التفوق العسكري والتقني،
فلماذا يصبر ترامب؟
وهنا يظهر جوهر المشهد.
فما يبدو تناقضًا بين:
القوة الأميركية،
وبين “الصبر الطويل”،
قد لا يكون تناقضًا كاملًا…
بل إدارة متعمدة لمساحة حساسة بين:
الضغط،
والردع،
ومنع الانفجار الشامل.
فالولايات المتحدة لا تبدو وكأنها تريد فقط “ضرب إيران”،
بل تحاول:
تحجيمها،
ومنع تحولها إلى قوة نووية،
دون دفع المنطقة إلى فوضى واسعة يصعب التحكم بنتائجها.
خصوصًا بعد تجارب:
العراق،
وأفغانستان،
وحروب طويلة انتهت بكلفة أكبر من نتائجها.
وفي المقابل،
تدرك إيران هذه الحساسية جيدًا،
وتحاول تحويل “الوقت” نفسه إلى أداة استنزاف وضغط.
وهكذا يبدو المشهد وكأنه صراع على:
من يفرض إيقاعه الزمني على الآخر؟
واشنطن تملك القوة،
وطهران تحاول إدارة الوقت.
وفي الحروب الحديثة…
قد يتحول الوقت أحيانًا إلى سلاح لا يقل أهمية عن الصواريخ.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
من يكسب في النهاية…
القوة التي تملك الحسم،
أم الوقت الذي يؤجل الحسم؟