الزوهري: بين الأسطورة والفسيولوجيا

news image

إعداد إدارة الإعلام الإستراتيجي بوكالة BETH

مقدمة

في الوعي الشعبي العربي، يظهر «الزوهري» بوصفه كائنًا مختلفًا: شخصًا يُنسب إليه حسّ خاص، أو طاقة مميّزة، أو قابلية استثنائية للتأثر بما حوله. تتنازع صورته روايتان: واحدة ترفعه إلى مرتبة «الاختيار الغامض»، وأخرى تضعه في خانة «الحساسية المرهقة».
لكن السؤال الأهم: هل «الزوهري» حقيقة فسيولوجية؟ أم أسطورة اجتماعية تبحث عن معنى للاختلاف الإنساني؟

 

ما هو «الزوهري»؟

«الزوهري» مصطلح شعبي غير علمي، لا وجود له في الطب أو علم النفس أو علم الأعصاب. نشأ من مزج الموروث الثقافي بالروحانيات، ومحاولة تفسير حالات إنسانية شائعة مثل الحساسية العالية، سرعة التأثر، أو الميل للتأمل والخيال.
ما يُنسب للزوهري غالبًا يمكن فهمه ضمن طيف طبيعي من الفروق الفردية في الاستجابة العصبية والانفعالية.

 

حقيقة أم خيال؟

لا توجد أدلة علمية تثبت وجود فئة بشرية بقدرات «طاقية» خاصة. الموجود هو فروق في المزاج والانتباه والحساسية الاجتماعية، تُضفى عليها سرديات رمزية تمنحها طابعًا استثنائيًا.
الأسطورة هنا نتاج حاجة إنسانية قديمة لإضفاء معنى على الاختلاف.

 

الزوهري والطاقة: أين يلتقي الخطاب الشعبي مع العلم؟

مفهوما «الطاقة الإيجابية» و«الطاقة السلبية» رائجان في الخطاب المعاصر. علميًا، ما نسمّيه «طاقة» يُترجم إلى حالات نفسية وأنماط تفاعل اجتماعي تؤثر في الأفراد والمجموعات عبر التواصل اليومي، لا عبر قوى خفية.
بعض الأشخاص يملكون ذكاءً عاطفيًا أعلى وقدرة أفضل على قراءة الإشارات غير اللفظية، فيُساء تفسير ذلك بوصفه «كشفًا طاقيًا».

 

هل تؤثر «الطاقة السلبية» لشخص واحد على إنتاج المجموعة؟

نعم، التأثير موجود، لكن تفسيره نفسي–سلوكي لا غيبي. المناخ العاطفي داخل أي مجموعة يتأثر بسلوك الأفراد وأنماط تفاعلهم، ما قد يرفع الأداء أو يطفئه.

العدوى الانفعالية: التفسير العلمي لما نسمّيه «طاقة سلبية»

تُظهر أبحاث علم النفس الاجتماعي أن المشاعر تنتقل بين الأفراد داخل المجموعات كما تنتقل العدوى؛ عبر نبرة الصوت، وتعابير الوجه، ولغة الجسد، وأنماط التفاعل اليومية. وجود شخص واحد متوتر أو سلبي قد يصنع مناخًا انفعاليًا ينعكس على مزاج الفريق ودافعيته وتركيزه، والعكس صحيح حين يكون الحضور إيجابيًا وداعمًا.

في بيئات العمل، ترتبط العدوى الانفعالية بـ:

تراجع الروح المعنوية عند انتشار التوتر والتشاؤم

انخفاض الإنتاجية وجودة القرار

ارتفاع احتمالات الاحتكاك وسوء الفهم

في المقابل، يساهم المناخ الإيجابي في:

تعزيز التعاون

تحسين الأداء

رفع القدرة على التكيّف تحت الضغط

الخلاصة: ما يُتداول شعبيًا بوصفه «طاقة سلبية» يمكن فهمه علميًا على أنه عدوى انفعالية تؤثر في الأفراد والجماعات عبر السلوك والتواصل، لا عبر قوى غيبية.

 

«الزوهري»… ثقافة عربية أم ظاهرة عالمية؟

مصطلح «الزوهري» محلي عربي/شعبي، لكن فكرة «الأشخاص ذوي الطاقة الخاصة» موجودة عالميًا بصيغ مختلفة (الهالات، الشاكرات، الذبذبات). الاختلاف في اللغة والسرد، لا في الدافع الإنساني للبحث عن معنى روحي للاختلاف النفسي.

 

نعمة أم عبء؟

حين يُحمَّل المفهوم قداسة زائفة، قد يتحوّل إلى عبء نفسي وتبرير للهشاشة أو أرضية للاستغلال. أمّا حين يُفهم بوصفه حساسية إنسانية طبيعية، فيمكن تحويله إلى وعي أعلى بالذات وقدرة أفضل على التعاطف والتواصل.

 

خاتمة: بطاقة إيجابية

لسنا بحاجة إلى أسطورة لنبرّر اختلافنا. الفروق النفسية والوجدانية جزء من الطبيعة البشرية. حين نفهم أنفسنا علميًا، ونُحسن إدارة مشاعرنا اجتماعيًا، تتحوّل «الطاقة» من مفهوم غائم إلى سلوك إيجابي ملموس يصنع أثرًا حقيقيًا في الفرد والمجموعة.
التميّز لا يأتي من الغموض… بل من الوعي والاتزان وتحويل الحساسية إلى قوة إنسانية راقية.