هذرلوجيا ترامب
كتب: عبدالله العميره
بداية…
ما معنى "هذرلوجيا"؟
بحسب التعريفات:
"هذرلوجيا" هي كلمة مبتكرة، منحوتة من "هذر" (كلام لا فائدة منه) و"لوجيا" (علم/دراسة)، لتشير إلى "علم الهذر" أو الكلام غير المنظم. ويمكن توصيفها بأنها نمط من الخطاب القائم على التكرار، والتضارب، والإفراط في الإنتاج دون قيمة مضافة حقيقية.
لكن؛ هل نحن أمام مجرد "هذر"؟
أم أمام ظاهرة تستحق قراءة أعمق؟
المثال الأوضح
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقدم نموذجًا صارخًا لهذا النمط.
تصريحات متدفقة، متكررة، في كل اتجاه…
كثافة عالية، مقابل فائدة منخفضة.
المتلقي لا يتلقى معلومة..
بل يتعرض لـ"قصف لفظي".
وهنا نخرج من التوصيف اللغوي إلى البعد السيكولوجي.
الزاوية النفسية: لماذا يحدث هذا؟
في علم النفس الإعلامي، هناك مفهوم يُعرف بـ"إغراق الإدراك"
حين يتعرض الإنسان لكم هائل من الرسائل المتكررة والمتناقضة، يفقد القدرة على التحليل، وينتقل إلى أحد خيارين:
إما التسليم… أو الرفض الكامل.
ترامب — بوعي أو بدونه — يستخدم هذا النمط.
ليس لإقناعك.. بل لإرهاقك.
وهنا يظهر مفهوم آخر:
"تطبيع الفوضى"
حين يصبح التناقض متكررًا، يبدأ العقل في قبوله كأمر طبيعي، ويتوقف عن مساءلته.
المقارنة مع الخطاب الإيراني
هناك من يشبّه هذا النمط بخطاب بعض المسؤولين الإيرانيين.
والتشابه هنا ليس في الشكل فقط.. بل في النتيجة.
كلا الخطابين يواجه أزمة ثقة.
لكن الاختلاف جوهري:
ترامب يمارس "الثرثرة السياسية"
بينما الخطاب الإيراني غالبًا ما يتكئ على بنية أيديولوجية قائمة على الغموض، والمراوغة، وثقافة "التقية" كما تُقدَّم إعلاميًا
النتيجة؟
المتلقي لم يعد يصدق أيًا منهما.
أو بمعنى أدق: ملّ من تكرار ترامب… ومن تناقض الخطاب الإيراني.
وهنا يبرز سؤال دقيق:
هل يفهم الطرفان بعضهما جيدًا؟
وهل يتعمد ترامب التكرار كأداة تبسيط مفرط؛ أمام خطابٍ يقوم على المراوغة؟
المتلقي لم يعد ساذجًا
الجمهور اليوم ليس كما كان.
هو يدرك أن:
القوة الأمريكية حقيقية؛ لكنها ليست مطلقة
وإيران ليست "نمرًا" كما تُسوّق لنفسها؛ بل كيان قادر على الإزعاج أكثر من الحسم
وهنا تتشكل صورة ذهنية لدى المتلقي عن إيران تحديدًا:
“فأر من ورق”؛ قد يؤذي، لكنه لا يحسم.
وهنا أستحضر ما يطرحه بعض المحللين عن تعدد “الفخاخ” التي ينصبها ترامب.
برأيي، قد لا يحتاج الأمر إلى هذا القدر من التعقيد.
في مثل هذه الحالات، يُقرأ السلوك الإيراني غالبًا على أنه يستجيب لمنطق القوة الواضحة أكثر من استجابته للخطاب المطوّل أو الرسائل الملتبسة.
أما الإطالة في التصريحات والثرثرة، فقد تُفسَّر على نحو معاكس؛ فتزيد من منسوب العناد، وتمنح انطباعًا مبالغًا فيه بالقدرة على الردع.
وبطبيعة الحال، تبقى هناك اعتبارات سياسية وترتيبات أوسع تحكم الموقف الأميركي، وتفرض إيقاعًا مختلفًا في إدارة الصراع.
لكن حين تظهر القوة المدروسة بوضوح، فإنها تميل إلى فرض الهيبة… دون الحاجة إلى ضجيج مفرط.
المعادلة النفسية الأهم
حين يفقد الخطاب مصداقيته، يفقد تأثيره.. مهما كان مصدره.
وهنا ندخل في مفهوم ثالث:
"تآكل الهيبة الإدراكية"
الهيبة لا تسقط بضربة واحدة..
بل تتآكل مع كل تصريح غير دقيق، أو مبالغ فيه، أو متناقض.
المشكلة ليست في كثرة الكلام..
بل في غياب المعنى.
ليس كل من يتحدث كثيرًا مؤثرًا،
وليس كل من يهدد قويًا.
أحيانًا..
الصمت المدروس،
أقوى من ألف تصريح.
ليس الذكاء أن تملأ المشهد بالكلام..
بل أن تقول ما يكفي.. ليصمت الباقي.
إشارة
يقول المثل: خير الكلام ما قلّ ودلّ.
وفي السياسة، كثرة الكلام لا تُنتج بالضرورة وضوحًا… بل كثيرًا ما تُوقع في الأخطاء.
وأكبر تلك الأخطاء، أن تتحول وفرة التصريحات إلى غطاءٍ لندرة الفعل.
ومن العبارات الدارجة بين المجتمعات:
“التكرار يعلّم الحمار”.. وهي صيغة ساخرة من المثل المعروف "التكرار يعلّم الشطّار"،
في إشارة إلى أن الإعادة المفرطة قد تفقد معناها، وتتحول من أداة تعليم إلى عبءٍ على الإدراك.
إلا إذا كان هذا التكرار مقصودًا ؟
وهنا يظل السؤال مفتوحًا.
استدراك
قد يقول قائل: هذا ما تريده الصحافة .. فالإعلام يحب الثرثرة.
وهذا غير دقيق.
الإعلام الحقيقي لا يثرثر.. بل يختار.
يحترم عقل المتلقي، ويقدم له المعلومة وفق فنون صحفية واضحة:
خبر.. تقرير… مقال..صورة...الخ
عمل احترافي تحليلي ، لاتقليدي إنطباعي..
وفي زمن السرعة، تبرز قيمة المعلومة المختصرة المدعومة بتحليل مركز.
أما الإطالة، فلا تعني الثرثرة.
فالتحليل العميق قد يكون ممتدً ؛ لكنه متماسك، متكامل، وغير مكرر.
الفرق واضح:
ثرثرة تُربك..
وأخرى تُفسّر.