تحويل البوصلة الإعلامية
كتب: عبدالله العميره
ما حدث اليوم ليس جديدًا.
من الشرق الأوسط إلى حفلة العشاء في واشنطن، ومن الحرب إلى حادث إطلاق النار، بدا المشهد وكأن الإعلام العالمي انتقل فجأة من جبهة كبرى إلى جبهة طارئة، تاركًا الحدث الأكبر في الخلفية.
لا يهم هنا إن كان ما جرى في واشنطن حدثًا حقيقيًا أو مشهدًا مرتبًا أو حادثًا عابرًا. الأهم أن المتلقي وجد نفسه أمام تغطية مكثفة ومكررة، تُعاد فيها الصورة ذاتها، والرواية ذاتها، والتحليلات ذاتها، لساعات طويلة، حتى تحوّل الاهتمام الطبيعي إلى ملل.
المتلقي اليوم لم يعد كما كان.
هو يفهم. يقارن. يسأل. ويبحث عن الجديد.
لم يعد يقبل أن يُدفع دفعًا إلى متابعة “لتٍّ وعجن” إعلامي، يعيد اللقطة عشرات المرات، ويستنزف الحدث بدل أن يقرأه. فالتكرار لا يصنع وعيًا، بل يقتل الشغف، ويحوّل الفضول إلى نفور.
هنا يبرز السؤال الأهم:
وماذا يجري في الشرق الأوسط؟
وماذا يجري في ساحة الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟
وماذا يحدث في بؤر أخرى من العالم؟
بل ماذا يحدث في العالم من تجمعات ونشاطات ومبادرات مفيدة للبشر؟
المشكلة ليست في تغطية حدث واشنطن. فهذا واجب مهني إذا كان الحدث مهمًا.
المشكلة في تحويله إلى مركز الكون الإعلامي، وكأن العالم توقف عنده.
الإعلام المهني لا يهجر الحدث الأكبر من أجل حدث أعلى صوتًا.
بل يوازن، يربط، يقارن، ويعود إلى الدائرة الأصلية بذكاء.
ما ظهر في التغطية كان أقرب إلى ما يمكن تسميته:
تحويل البوصلة الإعلامية
إعادة توجيه التغطية
تشتيت الانتباه الإعلامي
إزاحة الأولويات الإعلامية
صناعة جبهة بديلة
إعادة ترتيب الأجندة الإعلامية
هذه ليست مجرد أوصاف لغوية، بل مؤشرات على خلل أعمق في صناعة الإعلام.
حين يعجز الإعلام عن إنتاج تنوع ذكي، يلجأ إلى التكرار.
وحين يفتقر إلى العمق، يطيل الوقوف عند السطح.
وحين لا يملك زاوية جديدة، يضخم الزاوية الوحيدة المتاحة.
الإبداع الإعلامي لا يعني تجاهل الحدث الطارئ، بل يعني وضعه في حجمه الصحيح.
أن تُغطّي الحادث، نعم.
لكن أن تُغرق العالم فيه، لا.
الفارق بين الإعلام العادي والإعلام العميق أن الأول يركض خلف الضوء، أما الثاني فيسأل: من حرّك الضوء؟ ولماذا اتجه هنا؟ وماذا تُرك في الظل؟
ما حدث اليوم يكشف أن الأزمة ليست في كثرة الأخبار، بل في فقر المعالجة.
ليست في غياب الأحداث، بل في عجز بعض المنصات عن قراءة ما وراءها.
الإعلام الحقيقي لا يكرر الصورة.
الإعلام الحقيقي يفتح الزوايا.
ولا يصنع التأثير من الصراخ، بل من القدرة على ترتيب الأهمية، وكشف العلاقة بين الحدث الصغير والحدث الأكبر.
تحويل البوصلة الإعلامية ليس مجرد انتقال من خبر إلى خبر.
إنه انتقال مقصود أو غير مقصود في وعي الجمهور، من السؤال المهم إلى السؤال الأسهل.
وهنا تبدأ مسؤولية الإعلام الجاد:
أن يعيد البوصلة إلى مكانها،
لا أن يتركها تدور مع كل ضجيج.
يبدو أن من يتصدرون إدارة القنوات اليوم أقرب إلى سكرتارية تنفيذية… لا إلى صُنّاع قرار أو مبتكري محتوى متجدد يُصاغ بذكاء ومهنية عالية.
__________
BETH (بث B) – All rights reserved