كرة القدم السعودية .. القوة الأضعف

news image

 

كتب: عبدالله العميره

كان الآباء والأجداد يقولون:
الغليبة شينة، ولو في لعب الكَعابة
وهو مثل شعبي عميق الدلالة؛ فالهزيمة، حتى في أبسط صورها، تترك أثرًا لا يُستهان به، لأنها تمس الشعور الداخلي بالكرامة والانتصار، لا مجرد النتيجة.

مساء أمس، خسر المنتخب السعودي لكرة القدم مباراة ودية في جدة أمام منتخب مصر بأربعة أهداف.
ولن أتناول الجانب الفني، بل الأثر.

هذا الطرح ليس انفعالًا بعد خسارة،
بل قراءة لتراكمات تحتاج وقفة،
وقد تكررت هذه الملاحظات كثيرًا خلال السنوات الماضية.
نعلم أن كرة القدم ليست كل شيء، وليست عنوانًا رئيسيًا للحضارة في أي بلد، لكنها تظل مهمة إذا تم التعامل معها ضمن إطار علمي مستمر.

كرة القدم اليوم ليست لعبة فقط، بل أحد أبرز أدوات القوة الناعمة، التي تعكس صورة الدول، وتؤثر في شعوبها قبل الآخرين.

ومن خلال متابعة دقيقة، بدا أن الشارع السعودي بعد المباراة انقسم إلى ثلاث حالات:

محبط
متجاوز للموقف ومحاول للتماسك
متذمر من استمرار الوضع دون تغيير

قد يبدو الأمر اعتياديًا لدى بعض الإدارات: فوز وخسارة.
لكن غير الاعتيادي هو تكرار الخسارة، وغياب المعالجة المقنعة.

 

بين القوة والصورة

الدول الكبرى لا يُشترط أن تتفوق كرويًا بقدر تفوقها الاقتصادي أو العسكري،
لكن الفارق الحقيقي يكمن هنا:

حين يكون الإنفاق عاليًا، والعائد المعنوي ضعيفًا،
تتحول كرة القدم من أداة قوة إلى نقطة تساؤل.

ولا أقصد العائد المالي، بل الأثر المعنوي:
السمعة، الثقة، والانطباع العام.

 

ماذا يريد الجمهور؟

السؤال الأهم:
ماذا يريد المواطن، خصوصًا فئة الشباب التي تمثل الشريحة الأكبر؟

الإجابة ليست معقدة:
يريد فريقًا يعكس طموحه، لا يخذله.
ويريد المتعة في هذا المتنفس المهم.

يريد أن يرى في المنتخب امتدادًا لما يعيشه من نجاحات وطنية في مجالات أخرى،
لا استثناءً يُضعف الصورة العامة.

 

لماذا يتأخر التصحيح؟

قد يكون التحدي في بطء التغيير، أو في استمرار نماذج إدارية لم تحقق الأثر المطلوب.
وهنا لا نتحدث عن أشخاص، بل عن منظومة تحتاج مراجعة جادة.

كرة القدم ليست ملفًا ترفيهيًا فقط،
بل مساحة شعورية تمس المجتمع بعمق،
وأحيانًا تفوق في تأثيرها كثيرًا من أدوات الترفيه الأخرى.

 

كرة القدم ومعادلة المعركة

في الحروب، لا يُقاس النصر بعدد الضربات فقط،
بل بإدارة المعركة، ووضوح الهدف، واستمرارية الأداء.

وكرة القدم لا تختلف كثيرًا:

خطة واضحة
إدارة منضبطة
انضباط داخل الميدان وخارجه

والأهم:
روح تمثل الوطن

كما أن الفرح في الانتصارات العسكرية أو التنموية يوحّد الشعور العام،
فإن الفوز في كرة القدم يحمل نفس الأثر،
وكذلك الخسارة.

 

ما الذي يمكن فعله؟

المطلوب ليس رد فعل مؤقت، بل إعادة ضبط الاتجاه:

إعادة تقييم شاملة لعمل المنتخبات
بناء فريق وطني برؤية طويلة المدى حتى 2034
تطوير المنظومة الإدارية بمعايير مهنية واضحة
تحقيق توازن في الدوري يعزز المنافسة ويمنح اللاعب المحلي فرصته
تعزيز الحوكمة والرقابة على الإنفاق
ترسيخ بيئة رياضية عادلة ونزيهة

الهدف ليس التغيير من أجل التغيير،
بل استعادة الثقة، وصناعة أثر مستدام.

المملكة أثبتت قدرتها على تحقيق إنجازات كبرى في مجالات متعددة،
ولا يوجد ما يمنع أن تكون كرة القدم امتدادًا لهذا النجاح.

يمكن أن تتحول من مصدر قلق إلى مصدر فخر دائم،
لكن البداية دائمًا تكون من هنا:
الاعتراف بالحاجة إلى التطوير، والعمل عليه بثقة.

 

هناك من يرى أن كرة القدم ليست مهمة،
وأنا أقول: من تعوّد جسده على الضرب، يفقد الإحساس تدريجيًا، فلا يعود يبالي.

وهذه الحالة لا تتوقف عند الألم،
بل تمتد إلى فقدان إحدى أهم أدوات التأثير في العالم:
القوة الناعمة في الرياضة.

القوة الناعمة لا تُقاس فقط باستضافة البطولات الكبرى،
مثل الفورمولا والملاكمة وغيرهما
فهذه فعاليات تُدار وفق منظومات دولية جاهزة،
تُشرف عليها اتحادات عالمية بخبراتها وأنظمتها.

أما الاختبار الحقيقي،
فهو أن تُدير أنت رياضتك،
وتبني منظومتها،
وتُطوّر أداءها.

هنا فقط يظهر الفرق:
إما دليل على قوة الإدارة،
أو مؤشر على ضعفها.

ومن هذا المنظور،
فإن المطالبة بتصحيح المسار في كرة القدم والرياضة عمومًا،
لم تعد خيارًا،
بل ضرورة لا تحتمل التأجيل.

 

بينما يشهد العالم مستوى حضاريًا متقدمًا في المملكة العربية السعودية، يصعب مقارنته بأي دولة عربية أخرى،
يمكن القول إن الفارق الزمني في مسار المستقبل لا يقل عن 100 عام،
في حين يمتد العمق الحضاري للمملكة إلى آلاف السنين، سابقًا محيطها أو متوازيًا معه.

ومن أراد أن يفهم هذه الحقيقة،
فعليه أن يقرأ التاريخ جيدًا،
وأن يرى الحاضر بعينه.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ،
بل هو نتاج عقول سعودية تخطط وتنجز،
ضمن نموذج فريد يقوم على:

أن يخطط أبناء الوطن من رجال ونساء،
مع الاستفادة من الكفاءات العربية والدولية،
في منظومة تحقق منفعة مشتركة،
وترتقي بالجميع، ليعود الأثر إيجابًا على أوطانهم أيضًا.

 

المفارقة

في مقابل هذا النموذج المتقدم،
تبدو الرياضة، وتحديدًا كرة القدم، حالة مختلفة تستحق التوقف.

وحين نبحث في الأسباب، تتضح بعض الإشكاليات:

إعادة تدوير الفرص
منح الفرص لقيادات أو عناصر لم تحقق الأثر المطلوب،
مع استمرار الاعتماد عليها دون تغيير ملموس،
وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير التقييم.

بيئة قابلة للاختراق
كرة القدم بطبيعتها بيئة مفتوحة،
وقد تتحول، في غياب الضبط الصارم، إلى مساحة تتداخل فيها المصالح،
وتضعف فيها المعايير المهنية،
مما يعيق تطور المشروع الرياضي.

فجوة بين العاطفة والتنظيم
كرة القدم ترتبط بجمهور عاطفي بطبيعته،
لكن حين لا يقابله تنظيم احترافي وانسجام فني،
تتسع الفجوة بين التوقعات والواقع.

 

الفرق الجوهري

لا يمكن التعامل مع كرة القدم
كما يتم التعامل مع منظومات ذات انضباط مؤسسي عالٍ،
مثل الوزارات السيادية أو الكيانات الاقتصادية الكبرى.

فالنجاح في تلك المؤسسات قائم على:

وضوح الأهداف
صرامة الحوكمة
دقة التنفيذ

وهي نفس العناصر التي تحتاجها كرة القدم، لكنها لم تكتمل بعد بالصورة المطلوبة.

 

الخاتمة

المملكة تقدم نموذجًا متقدمًا في الإدارة والتخطيط في معظم القطاعات،
وهذا ما يجعل التباين في كرة القدم أكثر وضوحًا.

ولهذا،
فإن تطوير هذا القطاع ليس ترفًا،
بل ضرورة حتى تكتمل الصورة.

لأن كرة القدم، في عصرنا،
ليست مجرد لعبة،
بل مرآة وطن.

قد تخذل كرة القدم أحيانًا،
لكن وطنًا يصنع قوته في مجالات حضارية متعددة، لا يعرف الخسارة.