هل أظهرت الحرب قوة وأهمية دول الخليج؟

news image

كتب: عبدالله العميره
رؤية بث | B

الأزمة لم تُنشئ أهميةً لدولٍ بلا أهمية، ولم تُظهر قوتها مصادفة..
بل كشفت ما كان قائمًا بالفعل.

الخليج هو مفصل طاقة عالمي: استقرار الإمدادات أو اضطرابها ينعكس فورًا على العالم.
يمتلك مرونة لوجستية (مسارات بديلة، بنية تحتية، موانئ) تُخفّف أثر الصدمات.
وخلال العقد الأخير، تحوّل من مصدر موارد إلى مركز قرار اقتصادي.

في أوقات الأزمات، لا يبحث العالم عن منتِج فقط..
بل عن جهة قادرة على الاستمرار تحت الضغط، وإدارة الأزمات باقتدار.

وهنا برزت دول الخليج—بدرجات متفاوتة—كعامل استقرار.

السعودية.. وأمن العالم

السعودية اليوم تمارس دورًا محوريًا.

لماذا محوري؟

ثقل اقتصادي وطاقة على مستوى عالمي.
قدرة على التنسيق الدبلوماسي مع أطراف متباينة.
سجل متزايد في الوساطات وإدارة الأزمات.
استثمار مستمر في البنية الأمنية والجاهزية داخليًا وإقليميًا.
وقدرات عسكرية رادعة تُحسب في موازين القوة المتقدمة.

صحيح أن:

الأمن العالمي لا يُصنع من دولة واحدة..
بل من شبكة توازنات.

لكن السعودية تقود في ملفاتٍ مهمة وحساسة،
وتتكامل مع شركاء دوليين فاعلين في التأثير وصناعة القرار.

ما الذي تغيّر فعليًا؟

ثلاثة تحولات لافتة:

1) من “مُنتِج طاقة” إلى “مدير استقرار”
لم يعد الدور توريدًا فقط، بل إدارة إيقاع السوق في ظروف معقدة.

2) من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي
تنويع الاقتصاد، الاستثمار في اللوجستيات، وتوسيع الشراكات.

3) من الاعتماد إلى الاعتمادية
العالم يعتمد على استقرار الخليج،
والخليج—خصوصًا السعودية—أصبح شريكًا يُعتمد عليه في التهدئة والوساطة وطمأنة الأسواق.

هل انتهى زمن التحديات والابتزاز؟

تراجع .. لكنه لم ينتهِ.

تنويع الشراكات والتكامل (شرقًا وغربًا) يقلل الاحتكار.
بناء القدرات الدفاعية والاقتصادية يرفع كلفة من يحاول الابتزاز.
وجود بدائل (لوجستية وتجارية) يمنح هامش قرار أوسع.

ستظل محاولات الضغط جزءًا من السياسة التقليدية لدى بعض الدول،
لا سيما تلك المتأثرة بالفكر الاستعماري،
رغم انكماش هذا الفكر وتآكله مع تشابك المصالح.

ومع اتساع هذا التشابك، تفرض سياسة التكامل نفسها،
فتتغير أدوات الابتزاز، وتتقلص حدّتها،
ولم يعد تأثيرها كما كان.

القوة اليوم لا تُقاس بالقدرة على الضغط فقط..
بل بالقدرة على الشراكة.

والرابح هو من يتعامل مع السعودية بمنطق التكامل،
لا بمنطق الابتزاز.

كما ينبغي أخذ تحوّل موازين القوة في الاعتبار:
من كان قويًا بالأمس لم يعد كذلك..
والعكس صحيح.

نحو تكامل عالمي

في عالم مضطرب، لا يمكن بناء الاستقرار بشكل منفرد.
التكامل بين الدول—اقتصاديًا وأمنيًا وتقنيًا—لم يعد خيارًا.. بل ضرورة.

الدول القادرة على إدارة الأزمات،
هي نفسها القادرة على بناء شبكات تعاون تحمي النظام العالمي من الانهيار.

وهنا يتشكل نموذج جديد:

ليس صراع مراكز قوى فقط..
بل توازن عبر الشراكات.

توازن يهدف إلى:
حياة أفضل،
واستقرار ممتد،
ومواجهة جماعية لأي طرف يخلّ بهذا النظام.

الأزمة لم تصنع الدور..
بل أظهرت من يستطيع أن يديره.

السعودية اليوم أحد أهم أعمدة الاستقرار تأثيرًا.

وبين الإنتاج؛ والإدارة..
يتحدد الوزن الحقيقي للدول.

ومع اتساع العقل وتشابك المصالح،
يتجه العالم نحو تحوّلٍ أعمق:
من إدارة التدمير.. إلى إدارة التعمير.

التاريخ مليء بالحكماء والسفهاء..
الحكماء يكتبون تاريخ الحياة،
والسفهاء يدفعون نحو التدمير والموت،
بعقلية لا ترى في العالم سوى صراعٍ دائم،
كأنهم قادة عصابات؛ لا دول تسعى لحياةٍ أفضل لشعوبها وللإنسانية.

مرّت على التاريخ مراحل تصدّر فيها السفهاء،
لكن النهاية غالبًا ما تميل لمن يبني ويُعمر،
ويحفظ أمن الإنسان وسلامة الأرض.

ناموس الحياة—أو الناموس الكوني—هو انتظام الكون وفق سننٍ حكيمة،
بميزانٍ عادل على الأرض.
وعندما يحدث خلل، ويعتاد الإنسان العبث حتى يراه مقبولًا،
تبدأ حركة التصحيح؛ لإعادة التوازن وتحقيق العدل.

وهكذا، من يخلّ بميزان الكون،
يواجهه من هو أقدر على إعادة ضبطه.

وعودًا على ذي بدء:
السعودية ليست وحدها من يحمل ميزان العدل،
بل هي دالّة عليه، ومُعينة على ترسيخه—
بالعمل الدبلوماسي حينًا، وبالقوة حين تدعو الحاجة.
وليس ذلك في هذه الأزمة فحسب،
بل في كل أزمة تفرض نفسها.

وتخبرنا صفحات التاريخ:
لا يقوم شرٌ في مواجهة الخير..
إلا ويقابله من يعيد التوازن.
وتبقى الأحداث عبرة.

الأرض لمن يُحييها،
ولمن يريد العيش بسلام..
لا لمن يعبث بها.