كيف تُدار القوة اليوم؟

news image

إعداد: إدارة الإعلام الإستراتيجي | بث B

إشراف : عبدالله العميره

 

حين يقول دونالد ترامب إن “الحصار أخطر من القصف”، ثم يلوّح بتدمير “الحضارة الفارسية”، فهو لا يقدّم خطابًا متناقضًا، بقدر ما يكشف مستويين للصراع:
استهداف الإرادة من الداخل… وصناعة الصورة في الخارج.

قراءة  بث

الحصار.. استهداف البقاء لا الجغرافيا

الأنظمة الأيديولوجية لا ترى الخطر في حجم الدمار، بل في تهديد استمراريتها.
القصف يمكن احتواؤه داخل خطاب “الصمود”،
أما الحصار فيضرب ما لا يمكن تبريره طويلًا:

الاقتصاد اليومي
شبكات الولاء
تماسك النخبة

ولهذا يصبح الحصار أخطر:
لأنه يضغط حيث لا تستطيع الأيديولوجيا الاحتماء.

 

“الحضارة الفارسية”.. خطاب صوري

الحديث عن “حضارة” لا يصف الواقع العسكري..
بل يبني صورة المواجهة.

ترامب لا يقدّم إيران كدولة فحسب،
بل كـ“قوة عميقة”،
في تبسيط يعيد تشكيل صورتها،
رغم أن عمقها الحضاري—بهذا المعنى—لا يختلف جذريًا عن دول في المنطقة مثل أفغانستان والعراق.

الغاية هنا ليست توصيف الواقع..
بل تضخيم حجم المواجهة،
ليُقدَّم أي انتصار بوصفه اختراقًا تاريخيًا، لا مجرد إنجاز تكتيكي.

ويرتبط هذا الخطاب بمحاولة إعادة رسم صورة القوة الأميركية،
بعد تجارب مثيرة للجدل في أفغانستان والعراق والصومال.

 

من القوة الصاخبة .. إلى القوة المؤثرة

الفارق اليوم ليس في امتلاك القوة،
بل في كيفية استخدامها.

القوة الصاخبة: سريعة، عالية الصوت، قصيرة الأثر
القوة المؤثرة: بطيئة، عميقة، تغيّر السلوك

الحصار ينتمي إلى النوع الثاني:
يرفع الكلفة،
يخلق ضغطًا داخليًا،
ويفتح باب التفاوض بشروط مختلفة.

ومن زاوية ربما غير مرئية:
يبدو أن فكّ الحصار—في حسابات النظام الإيراني، وتحديدًا الحرس الثوري الإيراني—أولوية خاصة ،  وتتقدّم على كلفة الضربات العسكرية.

فالممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تمسّ شرايين الاقتصاد وقدرة التمويل،
بينما يُعاد تأطير الضربات داخل خطاب تعبوي يمكن احتواؤه.

بهذا المعنى، يصبح الحصار مسألة بقاء..
لا مجرد أداة ضغط.

 

معركة الرواية

الصراع لا يدور في الميدان فقط..
بل في الوعي.

واشنطن تريد تثبيت صورة “حصار مُحكم”،
وطهران تسعى لإظهار “صمود مُدار”.

ومن ينجح في إدارة الرواية…
يقترب من حسم النتيجة.

 

العراق .. الفوضى أم سوء الحساب؟

يبقى نموذج العراق حاضرًا في كل قراءة للقوة الأميركية.

فالعالم—وخاصة في المنطقة—يتساءل:
كيف انتهى تدخل عسكري ضخم إلى واقع سمح بتعاظم نفوذ إيران؟

إسقاط النظام لم يكن العقدة..
بل ما بعده:

تفكيك مؤسسات الدولة
فراغ سياسي وأمني
صعود قوى مرتبطة بإيران

وهنا تبرز قراءتان:

إدارة الفوضى: إبقاء توازن هش يُدار من الخارج
سوء الحساب: قرارات متسارعة دون خطة لما بعد الحرب

وفي الحالتين، النتيجة واحدة:
الفراغ لا يبقى فارغًا؛ بل يُملأ بمن هو أسرع.

وبين الماضي والحاضر،
تبقى صورة الولايات المتحدة على المحك.

 

مفارقة الحاضر

القوى التي نشأت في تلك المرحلة،
باتت اليوم جزءًا من معادلة تتعامل معها واشنطن.

وهذا يطرح سؤالًا حاسمًا:
هل تغيّرت السياسة؟

هل انتقلت الولايات المتحدة من:
صناعة الفراغ..
إلى إدارة التوازن؟

وهل تحوّلت بعض القوى إلى معادلات يصعب ضبطها؟

السؤال الأعمق:
ماذا يفعل “فيكتور فرانكشتاين” حين يكبر ما صنعه؟
وهل يحافظ “أخيل” على قوته؛ أم تكشفه نقطة ضعفه؟

الأكيد أن القوة، حين تُدار منفردة وبمنطق الغرور،
تفقد توازنها…
حتى وإن بدا الخصم أقل شأنًا.

 

نحو سياسة مختلفة؟

المؤشرات تشير إلى مقاربة ثلاثية:

ضغط اقتصادي مستمر
جاهزية عسكرية رادعة
نافذة تفاوض مفتوحة

حسم بلا حرب شاملة..
وتغيير بلا انهيار كامل.

 

الخلاصة

الحصار اليوم ليس بديلًا عن الحرب…
بل تطوّر في أدواتها.

والحديث عن “الحضارة” ليس وصفًا…
بل بناء صورة قوة.

لكن يظل درس العراق حاضرًا:
القوة التي تُسقط؛ ولا تُدير…
قد تُنتج خصمًا أشد.

في النهاية،
لا تُقاس القوة بما تُحدثه من ضجيج…
بل بما تُحدثه من تغيير.

 

الصورة تقول :

القوة الحقيقية لا تُرى.. لكنها تتحكم
بمعنى :
القوة الحقيقية خفية .. ومع ذلك فهي تُسيطر

 

تعليق على شرح الصورة

“القوة الحقيقية خفية… ومع ذلك فهي تُسيطر”
هذه العبارة لا تعني بالضرورة وجود جهة أسطورية تدير العالم من وراء ستار، ولا تُثبت سرديات جاهزة من نوع “بروتوكولات” أو “حكومة العالم الخفية”.
لكنها تصف حقيقة أكثر واقعية:
أن جزءًا كبيرًا من القوة الحديثة لا يعمل أمام الكاميرا، بل عبر أدوات هادئة، متراكمة، ومؤثرة.

القوة اليوم لا تُمارس فقط بالصاروخ والدبابة،
بل بالعقوبات،
وسلاسل الإمداد،
والتحكم بالممرات الحيوية،
وإدارة الرواية،
وتوقيت القرار.

ولهذا، فالغموض لا يعني دائمًا مؤامرة،
كما أن الخفاء لا يعني الوهم.

ما شاع طويلًا في الكتب والروايات عن “من يقود العالم؟”
اختلط فيه الخيال بالواقع.
فالواقع يقول:
لا توجد يد واحدة تحرك كل شيء،
لكن توجد شبكات مصالح، ومراكز نفوذ، وأدوات ضغط، تعمل أحيانًا بصمت أكثر مما تعمل بضجيج.

هنا يصبح الوعي هو الفارق:
أن نقرأ ما وراء المشهد،
دون أن نسقط في التبسيط،
ولا في الهوس.

في سياق هذا التقرير،
الحصار مثال واضح على هذه القوة:
لا يُحدث مشهدًا صاخبًا…
لكنه يغيّر الحسابات.

ومعركة الرواية مثال آخر:
لا تُسقط جدارًا…
لكنها قد تعيد توجيه القرار.

الخلاصة
القوة الخفية ليست سرًا غيبيًا…
بل أسلوب إدارة حديث.
تظهر في النتائج أكثر من ظهورها في المشهد،
وتُقاس بما تغيّره… لا بما تعلنه.