عيون BETH في عواصم القرار
29 أغسطس 2026
بعد ستة أشهر من الحرب على إيران، تنتقل الصحافة الأمريكية من سؤال الانتصار إلى كلفة الاستنزاف، وتلاحق لندن طرق المال والنفط، وتقرأ موسكو العقوبات بوصفها صراعًا على السيادة، بينما تنظر بكين ونيودلهي وطوكيو إلى هرمز من زاوية الطاقة وموازين القوة. وفي الصحافة العالمية، تحضر السعودية اليوم عبر أربعة ملفات: البرنامج النووي، وإعادة ترتيب المشروعات الكبرى، والتعليم الدفاعي، وبناء طرق تتجاوز المضائق
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
لا تنظر صحف العالم اليوم إلى المشهد من نافذة واحدة.
ففي الوقت الذي بلغت فيه الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران شهرها السادس، لم تعد الأسئلة محصورة في الغارات والصواريخ، بل امتدت إلى مخزون السلاح الأمريكي، وقدرة الاقتصاد الإيراني على الاحتمال، ومستقبل الدولار في فرض العقوبات، والطرق البديلة للنفط، ومن يملك القدرة الفعلية على إدارة مضيق هرمز.
وفي المقابل، تقدمت إلى صدارة عدد من الصحف كارثة الفيضانات على حدود نيبال والتبت، والتصعيد الروسي في أوكرانيا، والصفقة النفطية الأمريكية مع فنزويلا، في مؤشر إلى أن الحرب الإيرانية لا تزال مؤثرة عالميًا، لكنها لم تعد تحتكر الأجندة الدولية كما فعلت في أشهرها الأولى.
واشنطن | الحرب تصل إلى المخازن
اختارت صحيفة وول ستريت جورنال النظر إلى حرب إيران من داخل مستودعات السلاح الأمريكي، لا من مضيق هرمز.
وكشفت أن إرسال كميات كبيرة من الذخائر إلى الشرق الأوسط أثار مخاوف المخططين العسكريين من تراجع قدرة الولايات المتحدة على مواجهة تهديدات محتملة من الصين وروسيا.
ووفق الصحيفة، هبط مخزون صواريخ «باتريوت PAC-3» وصواريخ «أتاكمز» في أوروبا إلى مستويات وصفها مسؤولون بأنها «تجاوزت الحد الحرج». وهذه العبارة لا تعني نفاد السلاح، لكنها تكشف أن الاستنزاف لم يعد تقديرًا سياسيًا، بل دخل حسابات توزيع القوة بين الجبهات
وتكتسب هذه القراءة أهميتها لأنها تعيد تفسير انتقال إدارة ترامب من الضربات إلى العقوبات: فالتحول قد لا يكون مجرد اختيار اقتصادي أكثر فاعلية، بل محاولة لتقليل استهلاك الذخائر قبل أن تؤثر حرب إيران في خطط الردع الأمريكية في أوروبا وشرق آسيا.
أما أسوشيتد برس فركزت على الداخل الإيراني بعد ستة أشهر من الحرب، ورأت أن السلطة أعادت تجميع نفسها حول القيادات الدينية والعسكرية الأكثر تشددًا، مع رفع مستوى الحذر من الاضطرابات الداخلية، في الوقت الذي يدفع فيه الرئيس مسعود بزشكيان نحو مخرج دبلوماسي يخفف الضغط الاقتصادي.
وبين تقرير الصحيفة وتقرير الوكالة تظهر فجوة واضحة في رواية واشنطن: ترامب يقول إن إيران تقترب من الانهيار، لكن الصحافة الأمريكية ترى أيضًا أن الحرب الطويلة تستنزف أدوات الولايات المتحدة، وأن النظام الإيراني—رغم خسائره—لا يزال قادرًا على التشدد وإدارة الداخل.
نيويورك | نفط فنزويلا يعالج هرمز
تصدرت الصفقة النفطية الأمريكية مع فنزويلا جانبًا مهمًا من الصحافة الاقتصادية، بعد إعلان ترامب اتفاقًا يمنح الولايات المتحدة سيطرة تشغيلية على احتياطيات تتجاوز 65 مليار برميل، ضمن امتياز طويل الأجل واستثمارات متوقعة تقارب 100 مليار دولار.
وقدمت فايننشال تايمز الصفقة بوصفها تحولًا ضخمًا في سوق الطاقة، لكنها أشارت إلى الأسئلة القانونية والسياسية المتعلقة بشرعية الاتفاق، وقدرة البنية التحتية الفنزويلية على تحويل الاحتياطيات إلى إنتاج فعلي خلال وقت قصير.
والتوقيت هنا أكثر أهمية من الأرقام؛ فالبيت الأبيض يبحث، بينما يتعطل هرمز وترتفع أسعار الوقود، عن نفط خارج الشرق الأوسط يستطيع تقديمه للرأي العام بوصفه ضمانة طويلة الأجل لأمن الطاقة الأمريكي.
لكن احتياطيات النفط ليست نفطًا جاهزًا في السوق. ولذلك قد تخدم الصفقة ترامب سياسيًا قبل أن تخفض الأسعار اقتصاديًا.
لندن | الحصار يدخل دبي
وضعت فايننشال تايمز دبي في قلب حملة العزل الأمريكي لإيران، وقرأت الإجراءات الجديدة باعتبارها تهديدًا لدور تاريخي أدته المدينة بوصفها مركزًا خارجيًا للتجارة والتمويل الإيرانيين.
وتتبعت الصحيفة أثر تشديد الرقابة في حركة السفن التقليدية والتجار والبنوك والتحويلات، مع اتجاه بعض الشبكات الإيرانية إلى البحث عن بدائل عبر عُمان وتركيا.
ولا تقدم الصحيفة إغلاق القنوات الإيرانية في دبي بوصفه أمرًا سهلًا؛ فالعلاقات التجارية والاجتماعية تراكمت عبر عقود، وبعض الأنشطة والرحلات والمؤسسات الإيرانية لا يزال قائمًا. لكنها ترى أن البيئة التي عملت فيها هذه الشبكات أصبحت أكثر ضيقًا وخطورة.
وهكذا تختلف عدسة لندن عن واشنطن:
واشنطن تعلن عقوبات على بنك أو شركة، بينما تراقب الصحافة البريطانية كيف تنتقل العقوبة إلى متجر مغلق، وسفينة تغير مسارها، وتاجر يبحث عن مدينة أخرى.
وفي الداخل البريطاني، برز ملف الهجرة مجددًا، مع احتجاجات على إسكان طالبي اللجوء في مواقع عسكرية، وتحذيرات من انتقال الخطاب الشعبوي من المنصات السياسية إلى أعمال العنف والعداء الاجتماعي.
باريس | الكارثة تتقدم
في الصحافة الفرنسية، لم يتصدر هرمز المشهد وحده؛ إذ دفعت الفيضانات الكارثية على حدود نيبال والتبت بالحرب إلى مساحة أقل حضورًا.
ووضعت لوموند ارتفاع حصيلة الكارثة إلى أكثر من 630 قتيلًا ونحو ثلاثة آلاف مفقود ضمن أبرز أخبارها، إلى جانب عمليات البحث عن عالقين داخل أنفاق ومناطق عزلتها الانهيارات الطينية. لوموند
كما تابعت الصحيفة الهجوم الروسي على مستودع ذخيرة قرب بوتشا، الذي أدى—وفق السلطات الأوكرانية—إلى مقتل 37 شخصًا وإلحاق أضرار بعشرات المباني، مع فتح تحقيق أوكراني في احتمال وجود إهمال بسبب تخزين الذخائر قرب المناطق السكنية.
والزاوية اللافتة أن الصحيفة لم تكتفِ بإدانة الضربة الروسية، بل أبرزت أيضًا سؤال المسؤولية الداخلية الأوكرانية؛ وهو انتقال من تغطية الحرب أخلاقيًا فقط إلى مساءلة كيفية إدارتها.
كما خصصت «لوموند» تحليلًا للآثار السياسية المتفاوتة لموجات الحر والحرائق في أوروبا، ملاحظة أن صيفًا حافلًا بالكوارث لم ينتج موقفًا سياسيًا أوروبيًا موحدًا تجاه المناخ.
وهكذا تقرأ باريس العالم اليوم من زاوية مزدوجة: حروب يصنعها البشر، وكوارث يفاقمها تأخر البشر في اتخاذ القرار.
موسكو | السيادة قبل العقوبات
ركزت وسائل الإعلام الروسية على الموقف الإيراني الرافض للعقوبات، ومنحت مساحة واسعة لدعوة طهران الدول إلى عدم المشاركة في ما سمته «الحرب الاقتصادية الأمريكية».
ونقلت وكالة تاس وصف إيران إعلان واشنطن السيطرة على هرمز بأنه «وهم»، إلى جانب تأكيدها أن العقوبات الأمريكية لا تملك شرعية دولية، وأن انضمام الدول إليها يعني قبول فرض دولة واحدة إرادتها على الدول الأخرى.
ولا تنفصل هذه التغطية عن الخطاب الروسي الأوسع؛ فموسكو تنظر إلى العقوبات على إيران بوصفها امتدادًا للنموذج الذي استُخدم ضدها، وتحاول تحويل الملف من خلاف أمريكي–إيراني إلى مواجهة بين الهيمنة المالية الأمريكية وحق الدول في استقلال قرارها الاقتصادي.
لكن تغطية «تاس» تعتمد بدرجة كبيرة على نقل الرواية الإيرانية والرسمية الروسية، أكثر من اختبار مدى قدرة الدول فعليًا على رفض العقوبات، عندما يكون ثمن ذلك خسارة الوصول إلى الدولار والأسواق الأمريكية.
والسؤال الذي لا يظهر بوضوح في الخطاب الروسي هو: هل تستطيع موسكو وبكين توفير نظام مالي بديل يحمي إيران، أم أن الاعتراض السياسي لا يزال أكبر من القدرة الاقتصادية؟
بكين | الناقة الحكيمة تنتظر
قدمت الصحافة الصينية والآسيوية الناطقة بالإنجليزية الحرب باعتبارها مأزقًا أمريكيًا طويلًا، لا انتصارًا مؤجلًا.
وركزت ساوث تشاينا مورنينغ بوست على التناقض بين وصف ترامب الحرب في بدايتها بأنها «رحلة قصيرة»، ودخولها الآن شهرها السادس، مع انتقال واشنطن إلى العقوبات بسبب تعثر الحسم العسكري وتراجع مخزون الذخائر. ساوث تشاينا مورنينغ بوست
كما أبرزت الصحيفة انخفاض التجارة الخارجية الإيرانية 35%، لكنها لفتت إلى أن الخزانة الأمريكية تجنبت حتى الآن معاقبة أكبر الشركاء التجاريين لإيران، وفي مقدمتهم الصين والهند؛ لأن استهداف بنوكهما وشركاتهما الكبرى قد يرتد على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
أما فايننشال تايمز فطرحت في إحدى قراءاتها سؤالًا لافتًا: هل أصبحت الصين «الناقة الحكيمة» الرابحة من الحرب الأمريكية–الإيرانية؟
والمقصود أن بكين لا تحتاج إلى الانتصار عسكريًا؛ يكفيها أن تنتظر بينما تستهلك واشنطن ذخائرها، وتنشغل في الشرق الأوسط، وتعيد الدول الآسيوية والخليجية التفكير في تنويع شراكاتها الدفاعية والاقتصادية.
لكن هذه المكاسب ليست مجانية؛ فالصين هي أكبر مشترٍ للطاقة الخليجية، وإطالة اضطراب هرمز تضر تجارتها وتعرضها لاختبار صعب بين دعم إيران وحماية مصالحها مع دول الخليج.
نيودلهي | الحرب تصل إلى الشركات
تنظر الصحافة الهندية إلى هرمز باعتباره طريقًا إلى محطات الوقود والمصانع الهندية، لا مجرد جبهة بين واشنطن وطهران.
وجمعت إنديان إكسبريس في تغطيتها اليوم بين التناقض الأمريكي–الإيراني حول السيطرة على المضيق، والصفقة الفنزويلية، والهجوم الروسي قرب كييف، وكارثة نيبال؛ بما يعكس اتساع الأجندة الهندية بين أمن الطاقة وأمن الجوار.
لكن البعد الأكثر اتصالًا بالهند هو وصول حملة العقوبات الأمريكية إلى أربع شركات هندية، اتهمتها واشنطن بالمشاركة في استيراد أو تسهيل تجارة منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.
وهذا يضع نيودلهي أمام معادلة دقيقة: فهي تحتاج إلى النفط وإلى استقلال قرارها الاستراتيجي، لكنها لا تريد تعريض شركاتها للنظام الأمريكي للعقوبات.
ولذلك لا تنظر الهند إلى فتح هرمز من زاوية مَن يرفع العلم فوقه، بل من زاوية انتظام الإمدادات، وتكلفة التأمين، وإمكان استمرار التجارة من دون الاصطدام بالدولار.
طوكيو | البحث عن طريق آخر
ركزت جابان تايمز على الكلفة الاقتصادية للحرب داخل إيران، وعلى غياب المرشد الإيراني الجديد عن الظهور العلني، بالتزامن مع ارتفاع التضخم وانكماش التجارة وتراجع قيمة العملة.
لكن العنوان الأبعد أثرًا على اليابان هو اتجاه طوكيو إلى دعم خطوط أنابيب ومسارات تصدير تتجاوز هرمز، بعدما أثبتت الحرب أن الاعتماد على ممر واحد يترك أمن الطاقة الياباني مكشوفًا أمام قرار عسكري لا تملك اليابان التحكم فيه.
كما تابعت الصحيفة تراجع إنتاج البنزين الروسي إلى نحو 70% من الطلب المحلي، نتيجة الضربات الأوكرانية، وهو ما يربط بين حربين في معادلة واحدة: كلما تضررت المصافي والمسارات في روسيا والخليج، ازدادت هشاشة أسواق الوقود في آسيا.
ومن هنا تبدو زاوية طوكيو أكثر هدوءًا وأبعد مدى: بدل المجادلة حول من يسيطر على المضيق، تسأل كيف يمكن تقليل الحاجة إليه أصلًا.
الشرق الأوسط | ممر قبل السلام
تركز التغطيات الإقليمية على التفاهم الإيراني–العُماني بشأن ممر ملاحي مؤقت، وعلى تحركات قطر وباكستان لإعادة واشنطن وطهران إلى التفاوض.
لكن الصحافة لا تتعامل مع الممر بوصفه فتحًا كاملًا للمضيق؛ فتنفيذه لا يزال مرتبطًا بشروط سياسية وأمنية، فيما يتمسك كل طرف بروايته عن السيطرة.
والقراءة الأوضح أن الوسطاء نجحوا في تقريب الخرائط الفنية، لكنهم لم ينجحوا بعد في تقريب المواقف السياسية.
فالطرفان يستطيعان الاتفاق على مكان مرور السفن، لكنهما لم يتفقا على معنى مرورها: هل تعبر بحماية أمريكية، أم بموافقة إيرانية، أم بإدارة مشتركة تمنح عُمان دور الضامن؟
صحافة الإقليم | الحرب والحياة
تكشف جولة مقتضبة في الصحافة العربية والإسرائيلية والتركية والإيرانية أن الحدث الواحد لا ينتج رواية واحدة؛ فكل صحافة تختار من الوقائع ما يقترب من مصالح دولتها ومخاوف جمهورها، فيما تحاول أخبار الثقافة والمجتمع والاقتصاد أن تجد لنفسها مكانًا بين عناوين الحرب.
الصحافة العربية | كلفة بلا منتصر
انشغلت الصحافة العربية بحصيلة ستة أشهر من الحرب، وسألت عمّا حققته واشنطن وطهران فعلًا، في مقابل ما دفعته المنطقة من أمنها واقتصادها واستقرار أسواق الطاقة.
وفيما ركزت بعض الصحف على الصراع حول السيطرة على مضيق هرمز، ذهبت أخرى إلى أن الحرب طالت أكثر مما خطط له أطرافها، من دون أن تنتج منتصرًا قادرًا على فرض نهاية سياسية لها.
وبرز في التغطيات العربية الاعتراف الإيراني بتأثير العقوبات في الاقتصاد، ومراجعة «بنك مصر» لإشعار العقوبات الأمريكية، إلى جانب استمرار الوساطات بحثًا عن مخرج يعيد حركة الملاحة.
الصحافة الإسرائيلية | ضربات بلا حسم
أقرت صحف إسرائيلية بأن الضربات ألحقت أضرارًا واسعة بالقوة العسكرية الإيرانية، لكنها لم تُسقط النظام، ولم تُشعل الانتفاضة الداخلية التي راهن عليها بعض المخططين.
ويظهر في القراءة الإسرائيلية قلق من تحول الحرب من مشروع لتغيير إيران إلى معركة استنزاف طويلة حول هرمز، بينما يتراجع الملف النووي إلى الصفوف الخلفية.
ولفتت «إسرائيل اليوم» إلى أن الاستراتيجية الأمريكية تواجه مأزقًا بعد ستة أشهر؛ فالنظام بقي، والضغط العسكري لم ينتج التسوية التي أرادتها واشنطن، فيما أصبح الرهان معقودًا على العقوبات الاقتصادية.
الصحافة التركية | الوساطة والمصلحة
قدمت الصحافة التركية أنقرة بوصفها طرفًا معنيًا بمنع اتساع الحرب، لا متفرجًا عليها؛ فتعطل هرمز والعقوبات العابرة للحدود يمنحان تركيا بعض الفرص التجارية، لكنهما يحملان إليها أيضًا تضخم الطاقة واضطراب الحدود واحتمالات موجات نزوح جديدة.
ولهذا غلب على التغطية التركية خطاب التسوية والوساطة، مع ترجيح أن يصبح الجمود المكلف نهايةً للحرب إذا عجز الوسطاء عن إنتاج اتفاق.
الصحافة الإيرانية | رواية الصمود
صورت الصحافة الإيرانية الأشهر الستة باعتبارها سلسلة من «الحسابات الأمريكية الخاطئة»، وقدمت بقاء النظام واستمرار قدرته على التحكم في حركة المضيق دليلًا على فشل أهداف الحرب.
لكن خلف خطاب الصمود تظهر أسئلة يصعب إخفاؤها: تضخم مرتفع، وتراجع في التجارة الخارجية، وعقوبات تلاحق الشركاء ومنافذ التمويل؛ أي إن الرواية السياسية تعلن الثبات، بينما تكشف الأرقام مقدار الكلفة.
وتصر طهران في خطابها الإعلامي على أن الدبلوماسية والدفاع مساران متلازمان، وأن العقوبات لن تدفعها إلى تقديم التنازلات التي لم تحققها الضربات العسكرية.
بعيدًا عن الحرب | سلاحف من الحجر
وسط العناوين العسكرية الثقيلة، توقفت الصحافة التركية عند اكتشاف نحو 25 مجسمًا حجريًا لسلاحف، يُعتقد أن عمرها يصل إلى 16,500 عام، في موقع أثري بولاية بيله جك شمال غربي تركيا.
وصُنعت القطع من الحجر الجيري، وغُطي بعضها بالطين، فيما بلغ طول أكبرها نحو 30 سنتيمترًا. ويمنح الاكتشاف الباحثين نافذة جديدة على الرموز الحيوانية والخيال الفني لدى المجتمعات البشرية المبكرة.
عين BETH
في الصحافة العربية تبدو الحرب مأزقًا إقليميًا، وفي الإسرائيلية نجاحًا عسكريًا لم يتحول إلى حسم، وفي التركية خطرًا يستدعي الوساطة، وفي الإيرانية معركة صمود ضد الحصار.
أما خبر السلاحف الحجرية، فيذكّر بأن الحياة لا تتوقف تمامًا حين تبدأ الحروب؛ ففي الزاوية التي تزدحم فيها الصحف بالصواريخ والمضائق والعقوبات، يواصل التاريخ إخراج حكاياته القديمة من تحت الأرض.
الحدث واحد، لكن كل صحيفة تنظر إليه من النافذة التي تطل على مصالح دولتها؛ ولذلك لا تكتمل الصورة بقراءة رواية واحدة، بل بمقارنة ما تقوله الروايات… وما تتعمد ألّا تقوله.
داخل العواصم | ما يشغل صحفها
بعيدًا عن الملفات الدولية، تكشف الصفحات الداخلية للصحف ما يشغل كل دولة داخل حدودها:
واشنطن: تصدر تحذير رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش من استمرار التضخم، مع إشارة واضحة إلى إمكان رفع أسعار الفائدة إذا لم تتراجع الضغوط السعرية. ويميل الخطاب التحليلي إلى مساءلة سياسات ترامب والإنفاق والحرب على إيران بوصفها عوامل تزيد كلفة المعيشة، مع التشديد على استقلال البنك المركزي.
لندن: تنشغل الصحافة بموازنة الخريف الصعبة، وسط ارتفاع الدين والتضخم وضيق خيارات الحكومة بين وعود عدم زيادة الضرائب، والإنفاق الدفاعي، ودعم الأسر. وفي ملف الهجرة، تحذر «الغارديان» من أن الاحتجاجات على إسكان طالبي اللجوء في منشآت عسكرية تتحول إلى بيئة يستثمر فيها اليمين المتطرف الخوف والمعلومات المضللة.
باريس: تركز الصحف على عودة سياسية صعبة لحكومة سيباستيان لوكورنو، التي تواجه إعداد الميزانية من دون أغلبية برلمانية مستقرة أو هامش مالي واسع. ويغلب على التحليلات التحذير من استمرار الشلل السياسي، وتحول كل قرار اقتصادي إلى اختبار جديد لبقاء الحكومة.
موسكو: تدفع الصحافة الرسمية بملفات قمة منظمة شنغهاي والعلاقات مع آسيا إلى الواجهة، وتربط الاستقرار الداخلي بمقاومة الضغوط الغربية. ويظل الاتجاه التحريري العام دفاعيًا؛ إذ تُقدم المشكلات الاقتصادية بوصفها نتيجة للحرب والعقوبات، لا خللًا في إدارة الداخل.
بكين: تتصدر عمليات الإنقاذ بعد الانهيارات الطينية في التبت، بالتوازي مع انخفاض عدد المواليد إلى 7.92 ملايين مولود خلال 2025، والتحذير الرسمي من الاندفاع غير المنظم في صناعة الروبوتات. ويجمع الاتجاه الافتتاحي بين إبراز قدرة الدولة على إدارة الكوارث، والدعوة إلى تطوير تقني منضبط لا تحكمه المنافسة الاستعراضية.
نيودلهي: تتقدم تداعيات فيضانات نيبال وأمن الطاقة والعقوبات التي طالت شركات هندية. وتدور القراءة الداخلية حول حماية استقلال القرار الاقتصادي، من دون تعريض الشركات الهندية للعقوبات الأمريكية أو زيادة كلفة النفط على المستهلك.
طوكيو: تركز الصحافة الاقتصادية على تعاون «هوندا» و«نيسان» في تطوير نظام موحد لبرمجيات السيارات، في محاولة لتعزيز القدرة التنافسية أمام التقدم الصيني. ويميل الخطاب التحليلي إلى أن الأمن الياباني لم يعد عسكريًا فقط؛ بل يشمل الطاقة والتقنية وسلاسل الإمداد.
والقاسم المشترك بين افتتاحيات الداخل هو أن الحروب الخارجية عادت إلى البيوت في صورة تضخم وضرائب ونقص طاقة وضغط على الميزانيات؛ فلم يعد ممكنًا فصل السياسة الدولية عن سعر الوقود والطعام والوظيفة.
النيجر | تمرد غامض
في تطور عاجل لا تزال تفاصيله غير مكتملة، نفذ جنود متمردون هجمات متزامنة على المطار والقاعدة الجوية ومحيط القصر الرئاسي في نيامي، وسيطروا مؤقتًا على التلفزيون الرسمي، فيما أعلنت السلطات تحرك القوات الأمنية لاستعادة السيطرة.
ولا يزال من المبكر تحديد ما إذا كانت الأحداث محاولة انقلاب جديدة، أم تمردًا عسكريًا محدودًا؛ لذلك يبقى المشهد تحت المراقبة، في انتظار اتضاح ميزان السيطرة وهوية قادة التحرك وموقف الجيش.
العالم | كارثة تكسر ترتيب الأخبار
تقدمت فيضانات نيبال–التبت على كثير من الملفات السياسية في الصحافة العالمية، مع ارتفاع عدد المفقودين إلى قرابة ثلاثة آلاف، وتقدير أولي بأن إعادة الإعمار قد تكلف بين أربعة وخمسة مليارات دولار، أي ما يقارب عُشر اقتصاد نيبال.
وتكشف هذه الكارثة هشاشة المنطقة أمام انهيار الأنهار الجليدية والفيضانات المفاجئة، كما تكشف الفارق بين سرعة وقوع الكارثة وبطء وصول فرق الإنقاذ إلى التضاريس المغلقة.
وللمرة الأولى منذ أيام، لم يكن السؤال العالمي الأبرز في بعض الصحف: من يفتح هرمز؟ بل: هل لا يزال هناك أحياء تحت الطين؟
السعودية في الصحافة العالمية
حضرت المملكة في الصحافة الدولية اليوم عبر أربعة ملفات مختلفة، لكنها تلتقي عند صورة دولة تعيد بناء قدراتها الاستراتيجية ومشروعاتها الكبرى في وقت شديد الاضطراب.
النووي يدخل الكونغرس
واصلت أسوشيتد برس ووسائل أمريكية متابعة إحالة اتفاق التعاون النووي المدني السعودي–الأمريكي إلى الكونغرس، موضحة أن المراجعة تمتد 90 يوم انعقاد، وأن الاتفاق يستطيع النفاذ إذا لم يصدر قرار مشترك برفضه.
وربطت بعض التغطيات الاتفاق بالتطبيع مع إسرائيل، استنادًا إلى تصريح منسوب إلى مسؤول في الإدارة الأمريكية. لكن «أسوشيتد برس» نفسها أوضحت أن مصادرها لم تؤكد ما إذا كان هذا الشرط واردًا في الوثيقة السرية المحالة إلى الكونغرس.
وهذه نقطة فاصلة بين مضمون الاتفاق المثبت والشرط السياسي المتداول إعلاميًا.
أما الدلالة الأهم، فهي أن الصحافة الأمريكية لم تعد تناقش ما إذا كانت السعودية تريد بناء برنامج نووي مدني، بل تناقش موقع الشركات الأمريكية والكونغرس داخل برنامج أصبح مساره السعودي قائمًا.
المربع الجديد | تغيير الإدارة لا المشروع
ركزت فايننشال تايمز على استبدال الرئيس التنفيذي البريطاني لمشروع «المربع الجديد»، مايكل دايك، بصباح بركات، أحد أصحاب الخبرة في صندوق الاستثمارات العامة، الذي تولى المهمة بالإنابة.
وقدمت الصحيفة التغيير ضمن مراجعة أوسع لمحفظة مشروعات الصندوق، وربطته بتأخر التنفيذ وارتفاع التكاليف، وباتجاه متزايد إلى إسناد القيادة لكفاءات محلية وتنفيذ المشروعات على مراحل أكثر انضباطًا.
لكن بعض الصياغات الغربية تميل سريعًا إلى تفسير تغيير الإدارة بوصفه تراجعًا عن المشروع، بينما لا يثبت القرار وحده إلغاء «المربع الجديد» أو التخلي عنه.
القراءة الأدق أن المملكة تنتقل من مرحلة الإعلان الواسع إلى مرحلة ترتيب الأولويات والقيادة والإنفاق والتنفيذ، مع اقتراب إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
تعليم دفاعي سعودي–بريطاني
نشرت الغارديان تقريرًا عن موافقة جامعة إكستر على شراكة مع جامعة الدفاع الوطني في الرياض، لتقديم برنامج ماجستير في الأمن والاستراتيجية لكبار الضباط والمسؤولين، ابتداءً من العام الأكاديمي 2026–2027.
وركزت الصحيفة على اعتراضات فرع نقابة الجامعات والكليات داخل إكستر، فيما أكدت الجامعة أن البرنامج خضع للمراجعات القانونية والأخلاقية، وأن التعليم العسكري المهني جزء من علاقة دفاعية ممتدة بين بريطانيا والسعودية.
وبعيدًا عن الجدل الداخلي البريطاني، تكشف الشراكة انتقال التعاون الدفاعي من شراء المعدات والتدريب الميداني إلى بناء المعرفة الاستراتيجية والتعليم القيادي داخل المملكة.
السعودية طريق يتجاوز هرمز
تناولت تقارير اقتصادية دولية تسارع دول الخليج إلى الاستثمار في خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات التي تتجاوز مضيق هرمز، وبرزت الموانئ السعودية على البحر الأحمر بوصفها أهم بديل جغرافي طويل الأجل لتصدير الطاقة واستقبال التجارة.
كما عادت مشاريع الربط الإقليمي—ومنها السكك الحديدية والطرق الممتدة شمالًا عبر الأردن وسوريا وتركيا—إلى النقاش بوصفها بنية استراتيجية، لا مجرد مشروعات نقل.
وهنا تظهر السعودية في الصحافة بوصفها الدولة الخليجية التي تمتلك أكبر قدرة جغرافية على التحول من الاعتماد على المضيق إلى ربط الخليج بالبحر الأحمر.
قراءة BETH | صورة المملكة
تقدم التغطيات الدولية أربع صور متزامنة للسعودية:
دولة تبني برنامجًا نوويًا مدنيًا وتحدد القوى الدولية الراغبة في المشاركة فيه.
ودولة تراجع إدارة مشروعاتها الكبرى بدل تركها أسيرة الاندفاع الأول.
ودولة تنقل تعاونها الدفاعي إلى التعليم وبناء القيادات.
ودولة تمنح الخليج منفذًا استراتيجيًا إلى البحر الأحمر في زمن أصبح فيه المضيق أداة حرب.
ولا تخلو التغطيات الغربية من زوايا نقدية أو قوالب سياسية معتادة، لكن التحول الأهم أن المملكة لم تعد تُغطى من ملف واحد. إنها تظهر اليوم في ملفات الطاقة النووية، والعمران، والدفاع، والتعليم، والنقل، وأمن التجارة العالمية.
الخلاصة
تكشف صحف 29 أغسطس أن العالم لم يعد يسأل فقط: من ينتصر في الحروب؟
بل يسأل:
من يملك ما يكفي من الذخيرة للاستمرار؟
ومن يستطيع الوصول إلى الدولار؟
ومن يجد طريقًا آخر للنفط؟
ومن يبني بدائل قبل أن يقع الإغلاق التالي؟
واشنطن تخشى أن تصل حرب إيران إلى قدرتها على ردع الصين وروسيا.
وبكين تنتظر مكاسب حرب لم تدفع تكلفتها العسكرية.
وموسكو تحاول تحويل العقوبات إلى معركة على النظام الدولي.
والهند واليابان تبحثان عن طاقة لا تتحكم فيها بوابة واحدة.
أما السعودية، فتظهر في قلب هذه التحولات لا بوصفها متلقية لنتائجها فقط، بل بوصفها دولة تبني البرنامج، والطريق، والميناء، والقيادة التي تحتاج إليها المرحلة المقبلة.