الحرائق والفيضانات تحاصر العالم

news image

حين يختلّ الميزان

من انهيار جليدي حوّل أنهار الهيمالايا إلى سيول قاتلة، وأمطار أغرقت اليابان، إلى حرائق أوروبا وكاليفورنيا وانهيار مكب للنفايات فوق مساكن الفقراء في غينيا.. تتزامن الكوارث وتكشف أن المناخ أصبح أشد تطرفًا، لكن ضعف التخطيط والبنية التحتية وثقافة الاستعداد يحدد مَن ينجو ومَن يدفع الثمن

 

الرياض | تقرير خاص

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
 

لا تبدو خريطة العالم، في الأيام الأخيرة، كأنها تسجل حوادث طبيعية متفرقة، بل كأنها تعرض مشاهد متزامنة من حرب لا جيوش فيها.

في الهيمالايا، انهار الجليد والصخر والطين دفعة واحدة، فتحولت الأنهار بين التبت ونيبال إلى قوة جارفة، وظهرت بحيرات مؤقتة خلف سدود صنعتها الأنقاض، لتصبح الكارثة الأولى مولّدةً لخطر ثانٍ.

وفي اليابان، هطلت خلال يوم واحد كميات استثنائية من الأمطار، وفاضت الأنهار، وانقطعت الطرق، وارتفعت التحذيرات إلى أقصى مستوياتها.

وفي أوروبا، تجاوزت المساحات التي التهمتها الحرائق منذ بداية العام 634 ألف هكتار، فيما تكافح كاليفورنيا حريقين على ساحل «بيغ سور»، أحدهما امتد داخل تضاريس وعرة يتعذر وصول مركبات الإطفاء إلى أجزاء منها.

أما في كوناكري، عاصمة غينيا، فلم ينهَر جبل طبيعي، بل انهار جبل من النفايات بعد أمطار غزيرة، فدفن مساكن وخيامًا أقامها فقراء عند أطراف المكب، وقتل العشرات.

تختلف البلدان والظواهر، لكن السؤال واحد:

هل أصبحت الكوارث أكبر من قدرة الدول، أم أنها تكشف أن الإنسان وصل إلى زمن المناخ المتطرف ببنية تحتية قديمة، ومدن سيئة التخطيط، وثقافة لا تستعد للخطر إلا بعد وقوعه؟

الجليد يتحول إلى طوفان

تقدم الكارثة الممتدة بين نيبال والتبت الصورة الأكثر قسوة لما يمكن أن يحدث عندما تتحول عناصر الطبيعة من حالات مستقرة إلى سلسلة من الأخطار المتلاحقة.

بدأت المأساة بانهيار جليدي ضخم في مرتفعات الهيمالايا، اندفعت معه كتل من الجليد والصخور والطين والحطام إلى مجاري الأنهار، فاجتاحت السيول القرى والطرق والجسور والمنشآت القريبة من الحدود بين نيبال والصين.

وبحلول 28 أغسطس، تجاوز عدد الضحايا المؤكدين 540 شخصًا، فيما بقي نحو 1500 في عداد المفقودين، وسط عمليات بحث وإنقاذ معقدة تشمل سكانًا وسياحًا وعمالًا علق بعضهم داخل منشآت وأنفاق للطاقة الكهرومائية.

لكن الخطر لم يتوقف مع مرور الموجة الأولى.

فقد تراكمت الصخور والجليد والطين داخل بعض المجاري، وشكلت سدودًا طبيعية احتجزت خلفها ملايين الأمتار المكعبة من المياه. وعندما بدأت إحدى البحيرات المتكونة حديثًا بالفيضان، توقفت عمليات الإنقاذ مؤقتًا، وأُبعدت المروحيات، وطُلب من السكان والفرق الميدانية الصعود إلى مناطق أعلى.

وهنا ظهرت الطبيعة المتسلسلة للكوارث الجديدة:

انهيار جليدي يولّد سيلًا، والسيل يحمل الصخور، والصخور تسد النهر، والسد المؤقت يصنع بحيرة، والبحيرة المهددة بالانفجار تستعد لإطلاق سيل آخر.

لا يعود السؤال، في مثل هذه الحالة، عن القدرة على منع انهيار الجبل؛ فهذا يتجاوز طاقة البشر غالبًا. لكنه ينتقل إلى ما كان ممكنًا قبل الانهيار: مراقبة حركة الجليد، وتحديد القرى والمنشآت الواقعة في مسارات التدفق، وربط الإنذار بين دولتين تشتركان في الجبل والنهر والخطر.

فالحدود السياسية تستطيع تنظيم حركة البشر، لكنها لا توقف المياه عند نقطة الجوازات.

اليابان تحت الماء

في اليابان، التي تعد من أكثر دول العالم خبرة في مواجهة الزلازل والأعاصير والأمطار، كشفت الفيضانات الأخيرة أن التقدم التقني لا يلغي حدود القدرة البشرية.

سجلت مدينة هيمي في محافظة توياما نحو 361.5 ملليمترًا من الأمطار خلال 24 ساعة؛ وهي كمية تقارب نصف ما تتلقاه مدن أوروبية كبرى خلال عام كامل.

وفاض نحو 20 نهرًا في محافظتي توياما وإيشيكاوا، واجتاحت المياه طرقًا ومساكن، واحتُجز أشخاص داخل سيارات ومبانٍ، بينما أطلقت وكالة الأرصاد اليابانية أعلى درجات التحذير من الأمطار والانهيارات.

اليابان ليست دولة تفتقر إلى أجهزة الرصد أو قوانين البناء أو خبرة الإخلاء. ومع ذلك، فإن وصول الأمطار إلى مستويات استثنائية خلال وقت قصير ضغط على الأنهار والمصارف والطرق، وأظهر أن البنية المصممة وفق السجلات التاريخية قد لا تكفي لمواجهة ظواهر تتجاوز تلك السجلات.

وهذه إحدى أهم حقائق المرحلة:

كثير من منشآت العالم بُني لمناخ الأمس، بينما الأخطار تأتيه من مناخ الغد.

فالجسر قد يكون سليمًا وفق مستوى النهر الذي عُرف قبل خمسين عامًا، والمصرف قد يكون جيدًا وفق كمية المطر التي كانت متوقعة، والسد قد يكون قويًا وفق دورة مائية بدت مستقرة.

لكن تغيّر شدة الهطول وتواتره لا يجعل المنشأة القديمة فاسدة بالضرورة؛ بل يجعل الافتراضات التي بُنيت عليها منتهية الصلاحية.

أوروبا تشتعل

على الجانب الآخر من العالم، تبدو النار الوجه المقابل للماء.

وتشير بيانات نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي إلى أن الحرائق أتت، حتى 27 أغسطس، على أكثر من 634 ألف هكتار داخل الاتحاد الأوروبي منذ بداية 2026، مقابل متوسط يقارب 313 ألف هكتار خلال الأعوام العشرين الماضية.

ورغم أن المساحة لا تزال أقل من كارثة 2025، أسوأ مواسم الحرائق المسجلة في الاتحاد، فإنها تظل أكثر من ضعفي المتوسط طويل الأجل.

وقد تركزت حرائق واسعة في جنوب غربي أوروبا، ولا سيما في إسبانيا وفرنسا، بالتزامن مع موجات حر وجفاف وانخفاض شديد في تدفقات بعض الأنهار.

ولا يبدأ كل حريق بسبب تغير المناخ؛ فقد يكون الاشتعال نتيجة صاعقة، أو خطأ بشري، أو إهمال، أو فعل متعمد. لكن الحرارة والجفاف وانخفاض رطوبة النباتات تحدد إن كانت الشرارة ستنطفئ، أم ستتحول إلى جبهة نار يصعب تطويقها.

فالتغير المناخي لا يشعل كل حريق بيده، لكنه يجهز المكان للاشتعال، ويطيل الموسم، ويسرع الانتشار، ويقلل الساعات الآمنة المتاحة لفرق الإطفاء.

كما أن هجر القرى والأراضي الزراعية في بعض المناطق الأوروبية سمح بتراكم النباتات الجافة والمواد القابلة للاحتراق، فيما اقترب البناء السكني من الغابات، فتحولت حرائق كانت تُعد بيئية إلى أخطار مباشرة على المدن والسكان.

وهكذا لا تتحدد الخسائر بحرارة الجو وحدها، بل بطريقة إدارة الغابة، ومسافة الأمان حول المساكن، وسرعة اكتشاف النار، وتعدد طرق الإخلاء، وقدرة المدن المتجاورة على العمل تحت قيادة مشتركة.

كاليفورنيا المحاصرة

وعلى ساحل كاليفورنيا، يختبر حريقا «بلاسكت» و«تمبر» حدود السيطرة داخل واحدة من أكثر الولايات امتلاكًا للخبرة والمعدات.

امتد حريق «بلاسكت» سريعًا قرب ساحل «بيغ سور»، ودفع السلطات إلى إصدار أوامر إخلاء وإغلاق أجزاء من الطريق السريع رقم 1، فيما كان حريق «تمبر»، المشتعل منذ الثامن من أغسطس، قد التهم قرابة 20 ألف فدان، ولم تتجاوز نسبة احتوائه نحو 21 في المئة.

لا تكمن المشكلة في حجم النار وحده، بل في تضاريس شديدة الانحدار، وأودية لا تصل إليها مركبات الإطفاء، ومساكن متباعدة، وطريق ساحلي قد يصبح إغلاقه عائقًا أمام الإخلاء ووصول المساعدة في الوقت نفسه.

وزاد احتمال البرق الجاف والرياح المتقلبة، المرتبط برطوبة مرتفعة لا تصل أمطارها أحيانًا إلى سطح الأرض، من خطر اشتعال بؤر جديدة وانتشار الحرائق في اتجاهات يصعب توقعها.

وتكشف كاليفورنيا أن الدولة الغنية قد تمتلك الأقمار الصناعية والطائرات والفرق المتخصصة، لكنها لا تستطيع وضع سيارة إطفاء خلف كل منزل أو منع الرياح من تغيير مسار النار.

لكنها تكشف أيضًا أن القدرات الكبيرة لا تعفي من أسئلة التخطيط: لماذا يستمر البناء عند مناطق التماس بين الغابات والمساكن؟ وهل تكفي طرق الإخلاء؟ ومن يتحمل كلفة حماية الممتلكات المعزولة؟ وهل ينبغي السماح بإعادة البناء بالطريقة نفسها بعد كل حريق؟

جبل صنعه الإنسان

في كوناكري، بدا المشهد مختلفًا وأكثر دلالة.

فبعد أمطار غزيرة، انهار جزء من مكب ضخم للنفايات فوق مساكن وخيام أقيمت بمحاذاته، ما أدى إلى مقتل 30 شخصًا على الأقل.

المطر هنا هو العامل المباشر، لكنه ليس القصة كاملة.

فالكارثة نتجت من تراكم النفايات من دون إدارة آمنة، والسماح بالسكن في منطقة معلومة الخطر، والفقر الذي دفع أسرًا إلى العيش عند سفح جبل من المخلفات، وضعف التخطيط والخدمات والرقابة.

لم يكن ذلك انهيارًا طبيعيًا خالصًا، بل التقاءً بين المطر والإهمال والفقر.

وهذا النوع من الكوارث يكشف تفاوتًا أخلاقيًا قبل أن يكشف خللًا هندسيًا؛ فالأغنياء يستطيعون الابتعاد عن مناطق الخطر، وشراء التأمين، ومغادرة المدينة عند صدور التحذير، والبدء من جديد بعد الخسارة.

أما الفقراء، فقد يقيمون داخل مجرى السيل، أو فوق منحدر غير مستقر، أو بجوار مكب للنفايات، لا لأنهم يجهلون الخطر بالضرورة، بل لأنهم لا يملكون مكانًا آخر.

الخطر قد يكون واحدًا، لكن القدرة على النجاة ليست متساوية.

الكارثة ليست طبيعية

يعتمد مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث معادلة واضحة:

الخطر + التعرّض + الهشاشة = كارثة.

فالزلزال أو المطر أو العاصفة أو الجفاف ظواهر طبيعية، لكنها لا تتحول إلى كارثة إنسانية إلا عندما تضرب مجتمعًا مكشوفًا وغير محمي.

يمكن أن تهطل الكمية نفسها من المطر فوق أرض رطبة وغابات سليمة، فتتوزع المياه وتمتصها التربة. ويمكن أن تهطل فوق مدينة غطى الإسفلت مساحاتها، وأُغلقت مجاريها الطبيعية، وامتلأت مصارفها بالمخلفات، فتتحول الشوارع خلال دقائق إلى أنهار.

ويمكن أن تشتعل النار في غابة تُدار فيها الأحمال النباتية، وتوجد حول مساكنها مسافات آمنة وطرق متعددة، فتُحاصر. وقد تبدأ الشرارة نفسها في منطقة تراكم فيها الوقود الجاف وتداخلت الأشجار مع المنازل، فتتحول إلى كارثة.

ولهذا لا توجد إجابة بسيطة عن سؤال المسؤولية.

ليست كل كارثة دليلًا على فشل الدولة، وليست قوة الحدث عذرًا يمحو كل تقصير.

أكبر من الدول؟

نعم، قد تبلغ الظواهر مستوى يتجاوز قدرة أي دولة منفردة.

عندما ينهار جبل جليدي بملايين الأطنان، أو تهطل أمطار أشهر خلال ساعات، أو تشتعل حرائق واسعة ومتزامنة تحت رياح قوية، فلن يكون منع الخسائر كلها ممكنًا.

حتى الدول المتقدمة تحتاج، في بعض الكوارث، إلى مساعدات خارجية، وطائرات وفرق من دول أخرى، وقد تضطر إلى ترتيب الأولويات وترك مناطق تحترق لحماية المدن الأكثر تعرضًا.

لكن الاستعداد لا يُقاس بمنع الحدث، بل بما يفعله قبل وقوعه وبعده:

  • هل كانت خرائط المخاطر حديثة ومتاحة؟
  • هل مُنع البناء في مجاري السيول والمنحدرات الهشة؟
  • هل جرى تحديث الجسور والمصارف والسدود؟
  • هل وصلت التحذيرات في الوقت المناسب؟
  • هل عرف السكان معناها وكيف يستجيبون لها؟
  • هل كانت هناك طرق بديلة للإخلاء؟
  • هل بقيت المستشفيات والاتصالات والكهرباء قادرة على العمل؟
  • وهل تعلمت الدولة من الكارثة السابقة، أم أعادت بناء الخطر نفسه؟

الحدث الاستثنائي قد يهزم أقوى منظومات الحماية، لكن الفارق بين الدولة المستعدة والدولة المتأخرة يظهر في عدد من ينجون، وسرعة الوصول إليهم، ومدة تعطل الحياة، وقدرة المجتمع على النهوض بعد الصدمة.

الاستعداد ثقافة

لا تصنع طائرات الإطفاء والسدود وحدها مجتمعًا قادرًا على مواجهة الكوارث.

قد تمتلك الدولة أحدث أنظمة الرصد، لكن الإنذار الذي لا يصل إلى الناس، أو يصل ولا يُفهم، أو يُفهم ولا يُصدّق، ليس إنذارًا مكتملًا.

وتبدأ ثقافة الاستعداد من أسئلة بسيطة:

هل تعرف الأسرة أقرب طريق للخروج؟ هل تملك خطة للاتصال إذا تعطلت الشبكات؟ هل تتدرب المدارس والمستشفيات والمؤسسات على الإخلاء؟ هل يفهم المواطن الفرق بين التحذير والاستعداد والأمر الفوري بالمغادرة؟

وفي المقابل، هل تتجنب وسائل الإعلام التهويل الذي يرهق الناس ويضعف ثقتهم بالتحذيرات؟ وهل تقدم السلطات المعلومة بوضوح، أم تخفي حجم الخطر خشية إثارة الذعر؟

فالمجتمع الذي يتلقى عشرات التحذيرات المبالغ فيها قد يتجاهل التحذير الحقيقي، والمواطن الذي لا يثق بالمؤسسة قد يخسر الوقت الذي كان يمكن أن ينقذ حياته.

النجاة ليست غريزة فقط؛ إنها معرفة وتدريب وثقة وسلوك.

الكوارث المتعاقبة

الخطر الأكبر أن الحرائق والفيضانات والانهيارات لم تعد حوادث منفصلة.

فالحرارة تطيل الجفاف، والجفاف يحول النباتات إلى وقود، والحريق يزيل الغطاء الذي يمسك بالتربة، ثم يأتي المطر فتندفع المياه فوق الأرض المحترقة، حاملة الرماد والصخور في سيول طينية.

وقد يدمر الفيضان الطرق التي تحتاج إليها فرق الإنقاذ، ويقطع الكهرباء عن محطات ضخ المياه، ويعطل الاتصالات، ويغمر المنشآت الصناعية، فتتحول الكارثة الطبيعية إلى أزمة صحية أو تكنولوجية أو اقتصادية.

وهكذا تتبادل النار والماء والأرض الأدوار في سلسلة واحدة، ويصبح انهيار منشأة صغيرة سببًا في تعطيل مدينة كاملة.

لذلك لم يعد كافيًا أن تمتلك الدولة خطة للحرائق وأخرى للفيضانات وثالثة للانهيارات. المطلوب تخطيط يدرس كيف تنتج كارثةٌ أخرى، وكيف تبقى الخدمات الأساسية عاملة عندما تتعطل عدة منظومات معًا.

حدود الإنسان

لا يصح أن نزعم أن حريقًا أو فيضانًا بعينه عقوبة إلهية؛ فهذا حكم على الغيب لا يملكه البشر، وقد يحوّل الضحية المستحقة للرحمة والنجدة إلى متهم بما أصابها.

لكن من حقنا أن نسائل الحضارة الإنسانية عن علاقتها بالأرض التي استُخلفت فيها.

لقد فهم الإنسان التقدم، في مراحل كثيرة، على أنه قدرة على إخضاع الطبيعة: يقطع الغابة، ويجفف الأراضي الرطبة، ويغيّر مجرى النهر، ويحفر الجبل، ويبني فوق الساحل وفي مجرى السيل، ثم يطلب من التقنية أن تحميه من نتائج كل ذلك.

وتصرّف كما لو أن ما في الأرض ملك لجيله وحده، لا أمانة يحملها ويسلّمها إلى الأجيال من بعده.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

وقال تعالى:

﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

وتفتح الآيتان بابًا واسعًا للتأمل في معنى الأمانة وحدود الإنسان؛ ذلك المخلوق الذي مُنح القدرة، لكنه لم يُمنح ملكًا مطلقًا، وكُلّف بعمارة الأرض، لا بالطغيان عليها أو إفسادها.

فالاستخلاف ليس تفويضًا بالإفساد، وعمارة الأرض لا تعني استنزافها، والتقدم الذي يهدم شروط الحياة لا يصبح فضيلة لمجرد أنه يرفع الإنتاج ويزيد الأرباح.

لقد تجاوز البشر حدودهم حين ظنوا أن امتلاك القدرة يعني امتلاك الحق، وأن كل ما يستطيعون تغييره يجوز لهم تغييره بلا حساب؛ وغاب عنهم أن قوة الإنسان، مهما اتسعت، لا تساوي شيئًا أمام قوة الخالق، ولا تعفيه من مسؤولية الأمانة التي حملها.

قراءة BETH

لا تقول خريطة الكوارث إن الطبيعة أعلنت الحرب على الإنسان، بل تقول إن العلاقة بينهما اختلّت.

أصبح المناخ أشد تطرفًا في كثير من المناطق، لكن التغير المناخي ليس العامل الوحيد؛ فإلى جانبه تقف قرارات استخدام الأرض، وإزالة الغابات، ورداءة البناء، وتآكل البنية التحتية، والتوسع العشوائي، والفقر، وضعف الإنذار، وتأخر الصيانة.

وفي بعض الحالات، يكون الحدث أكبر من طاقة الدولة فعلًا، مهما بلغت إمكاناتها. لكن الكارثة تكشف، في حالات أخرى، أن الخطر كان معروفًا، وأن التحذير وصل، وأن الإصلاح تأخر؛ لأن الوقاية لا تجذب الاهتمام مثلما تجذبه مشاهد الإنقاذ بعد وقوع المأساة.

تنفق الحكومات كثيرًا على إخماد النار بعد اشتعالها، وأقل على إدارة الغابات قبلها. وتعيد بناء الطرق بعدما تجرفها المياه، لكنها تتردد في منع البناء داخل مسارات السيول. وتشتري أجهزة رصد متقدمة، من دون أن تبني الثقافة التي تجعل المجتمع يفهم ما ترصده ويستجيب له.

والفارق حاسم:

الإنقاذ يبدأ بعد الكارثة، أما الحماية فتبدأ قبلها بسنوات.

الخلاصة

ما يجري في العالم ليس حادثة واحدة، ولا مؤامرة، ولا نتيجة لعامل منفرد.

إنه التقاء مناخ متغير بمدن مزدحمة، وبنى تحتية صُممت لظروف مضت، وفقر يدفع الناس إلى مناطق الخطر، وثقافة تؤجل الاستعداد حتى تسمع صفارات الإنذار.

ولا تستطيع الدول منع انهيار كل جبل، أو إيقاف كل عاصفة، أو إطفاء كل شرارة. لكنها تستطيع ألّا تسمح بالبناء في مجرى سيل، وألّا تترك جسرًا يشيخ بلا صيانة، وألّا تدع مدينة تختنق بمصارف مسدودة، وألّا تترك الفقراء يعيشون تحت جبل من النفايات.

وقد لا يكون الإنسان قادرًا على التحكم في الطبيعة، لكنه مسؤول عن مقدار ما يضيفه إلى خطرها، وعن حماية من وضعهم الفقر والضعف في طريقها، وعن أداء مسؤولياته قبل الكارثة، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها بعد وقوعها.

هذه ليست حربًا بين الإنسان والطبيعة؛ لأن الإنسان لا يستطيع الانتصار على الأرض التي يعيش منها وعليها.

إنها مواجهة بين عقل يواصل الطغيان في الميزان، وعقل يدرك، قبل فوات الأوان، أن حماية الإنسان تبدأ باحترام حدود الأرض، وبأداء الأمانة التي حملها.