اليوم 177: مَن يفتح هرمز؟
واشنطن تعلن تطهير الممرات الدولية من الألغام، وطهران تعرض ممرًا بحريًا مشتركًا مع عُمان وتربط تشغيله برفع الحصار والعقوبات.. وبين السيادتين تبقى السفن مترددة، والوسطاء يبحثون عن تسوية لا تمنح أي طرف صورة المنتصر
28 أغسطس 2026
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية يومها الـ177 من دون موجة عسكرية واسعة جديدة، لكنها انتقلت إلى مواجهة أكثر تعقيدًا حول مضيق هرمز: ليست حول القدرة على عبوره فقط، بل حول الجهة التي تملك حق تنظيم المرور فيه، وضمان السفن، وتحديد شروط عودة الملاحة الطبيعية.
وفي أبرز تطورات اليوم، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن الممرات الملاحية الدولية في المضيق أصبحت خالية من الألغام الإيرانية، وأن القوات الأمريكية ساعدت نحو 1500 سفينة تجارية تحمل قرابة 750 مليون برميل من النفط على العبور منذ بدء عمليات تأمين الملاحة.
لكن الأرقام اليومية لا تعكس عودة المضيق إلى طبيعته؛ إذ أظهرت بيانات «كبلر» عبور سبع سفن سلعية فقط يوم الخميس، مقابل 17 سفينة في اليوم السابق، ومتوسط بلغ 15 سفينة خلال الأيام العشرة الماضية. وهذا يعني أن واشنطن نجحت في فتح طريق مادي داخل المضيق، لكنها لم تنجح بعد في إعادة الثقة التجارية إليه.
مضيقان داخل مضيق
في المقابل، أعلنت إيران أنها تعد قائمة بشروطها لاستعادة الحركة الطبيعية، بعد محادثات أجراها رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في طهران.
وتتضمن المطالب الإيرانية، وفق تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي:
- إنهاء الحرب.
- رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.
- تخفيف أو إلغاء العقوبات الاقتصادية.
- دفع تعويضات لإيران.
- اعتماد ممر بحري مؤقت يمتد عبر المياه الإيرانية والعُمانية.
وأكد رضائي وجود تفاهم مع عُمان بشأن الممر، بينما تشير المعطيات إلى أن التفاصيل المتعلقة بالإدارة وتقاسم العوائد لا تزال قيد التفاوض، وأن الاتفاق لم يتحول بعد إلى ترتيب تنفيذي مكتمل.
وهكذا أصبح هرمز أمام مشروعين متعارضين:
ممر أمريكي يستند إلى القوة البحرية وحرية الملاحة الدولية، وممر إيراني–عُماني تريد طهران أن يستند إلى موافقتها وشروطها السياسية.
المشكلة أن كل طرف يستطيع تعطيل مشروع الآخر، لكن أيًا منهما لا يستطيع وحده إعادة الملاحة التجارية الكاملة.
فتحٌ لا يكفي
إزالة الألغام إنجاز عسكري مهم، لكنها لا تعني أن المضيق أصبح آمنًا بالمعنى التجاري.
فالألغام ليست الخطر الوحيد؛ إذ لا تزال إيران تملك صواريخ ساحلية وطائرات مسيّرة وزوارق سريعة وقدرة على اعتراض السفن أو تهديدها. كما أن شركات الشحن والتأمين لا تبني قراراتها على الإعلان العسكري وحده، بل على احتمال استمرار الاستقرار، وكلفة التأمين، ومسؤولية التعويض عند وقوع أي هجوم.
وهنا تظهر المفارقة الأوضح في اليوم 177:
الممرات مفتوحة عسكريًا، لكنها ليست مفتوحة تجاريًا.
فالولايات المتحدة تستطيع مرافقة السفن، وإيران تستطيع إبقاء المخاطر مرتفعة، لكن عودة عشرات الناقلات يوميًا تحتاج إلى ضمان سياسي يفوق قدرة القطع البحرية على توفيره.
الحصار مقابل المضيق
تربط إيران فتح هرمز برفع الحصار عن موانئها؛ لأن المعادلة الحالية تسمح للنفط الخليجي بالعبور تحت الحماية الأمريكية، بينما تمنع إيران من تصدير نفطها.
أما واشنطن، فترى أن رفع الحصار قبل الاتفاق سيعيد إلى طهران أهم مواردها المالية من دون الحصول على تنازل نووي أو عسكري أو بحري.
وبذلك تحولت المعادلة إلى حصارين متقابلين:
أمريكا تحاصر الموانئ الإيرانية، وإيران تحاصر الثقة في المضيق.
ولا تبدو طهران قادرة على كسر الحصار الأمريكي بالقوة، كما لا تبدو واشنطن قادرة على إجبار السوق العالمي على اعتبار هرمز آمنًا لمجرد إزالة الألغام.
قطر تعود للوساطة
يمثل دخول قطر بقوة على خط الوساطة محاولة لإعادة بناء قناة تفاوض بعدما ابتعدت واشنطن عن المحادثات المباشرة، وبعد تعثر تفاهم يونيو الذي رعته قطر وباكستان.
وتسعى الدوحة، على ما يبدو، إلى دفع إيران نحو تقديم شروط مكتوبة ومحددة بدل الاكتفاء بالتهديدات العامة. وهذه خطوة مهمة؛ لأن تحويل المطالب إلى ورقة رسمية يجعلها قابلة للتفاوض والتجزئة، وقد يسمح بالوصول إلى اتفاق مرحلي لا يحل الحرب كاملة، لكنه يوسّع حركة السفن.
وقد يكون المسار الأقرب هو اتفاق تقني عبر عُمان وقطر، تقبل به الولايات المتحدة من دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيه؛ بحيث يسمح بزيادة العبور مقابل وقف الهجمات، مع تأجيل القضايا الكبرى المتعلقة بالعقوبات والتعويضات والبرنامج النووي.
العقوبات تبدأ الاختبار
بالتزامن مع التحرك الدبلوماسي، بدأت واشنطن تنفيذ عملية «المنبوذ الاقتصادي»، التي تستهدف خمسة قطاعات تستخدمها إيران للحصول على الأموال والتقنيات: الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن.
ولا تكمن خطورة الحزمة في الكيانات الإيرانية وحدها، بل في تهديد الشركات والمصارف والدول التي تتعامل معها بالحرمان من النظام المالي الأمريكي.
لكن الولايات المتحدة لم تستخدم حتى الآن أقصى أدواتها الممكنة ضد الدول الكبرى المتعاملة مع طهران، ولا سيما الصين. وهذا يشير إلى أن واشنطن تريد منح الشركاء مهلة للانسحاب، وتحتفظ بالمرحلة الأشد من العقوبات ورقةً للضغط اللاحق.
كما أن نجاح الحملة لا يُقاس بعدد الأسماء المدرجة على قوائم العقوبات، بل بقدرتها على إقناع الصين ودول أخرى بأن كلفة التعامل مع إيران أصبحت أعلى من فائدته. وهنا يقع الاختبار الحقيقي: هل تستطيع واشنطن تحويل نفوذ الدولار إلى حصار عالمي، أم يبقى الحصار أمريكيًا واسعًا لكنه غير مكتمل؟
النفط يقرأ التهدئة
تراجع خام برنت إلى نحو 89.10 دولارًا للبرميل، متجهًا إلى خسارة أسبوعية تقارب 5.3%، رغم استمرار التوتر والعقوبات.
ولا يعني هذا أن السوق يعتقد أن الحرب انتهت، بل إنه يرى أن احتمال الانقطاع الشامل للإمدادات تراجع، مع تحسن الصادرات الخليجية وظهور فرصة لتوسيع المرور تدريجيًا.
لكن انخفاض السعر يحمل تحذيرًا آخر لإيران: كلما نجحت الدول الخليجية في زيادة صادراتها عبر الممرات المحمية أو الطرق البديلة، انخفضت قدرة طهران على استخدام هرمز ورقةً لرفع كلفة الحرب على العالم.
قراءة BETH
ما يجري ليس اتفاقًا لفتح المضيق، بل تفاوض على ملكية الفتح.
إيران تريد أن يثبت أي اتفاق أن هرمز لا يعمل من دون موافقتها، وأن تحصل في المقابل على تخفيف للحصار والعقوبات. والولايات المتحدة تريد إثبات أن الممر الدولي يمكن تشغيله بالقوة والحماية العسكرية، من دون منح طهران سلطة على التجارة العالمية.
أما عُمان فتبحث عن صيغة عملية تخفض خطر الصدام داخل مياه متجاورة، بينما تحاول قطر تحويل التفاهم البحري إلى مدخل لاستئناف التسوية السياسية الأشمل.
واللافت أن الطرفين بدآ، كل بطريقته، تهيئة مساحة للتفاوض:
- إيران انتقلت من الإغلاق المطلق إلى عرض ممر مشروط.
- واشنطن انتقلت من الضربات الواسعة إلى الضغط المالي والحصار البحري.
- الوسطاء انتقلوا من نقل الرسائل إلى محاولة صياغة ترتيبات قابلة للتنفيذ.
وهذا لا يعني اقتراب السلام، لكنه يعني أن الطرفين يبحثان عن نتائج أقل كلفة من العودة إلى الحرب الشاملة.
التوقعات
الأرجح: فتح جزئي
خلال الأيام المقبلة، يُرجح استمرار المفاوضات الإيرانية–العُمانية برعاية قطرية، مع زيادة محدودة في عدد السفن العابرة تحت ترتيبات أمنية غير معلنة.
وقد تتجنب واشنطن الاعتراف رسميًا بحق إيران في إدارة الممر، فيما تتجنب طهران مهاجمة السفن الملتزمة بمسار متفق عليه. وبذلك يحصل الطرفان على تهدئة عملية من دون تنازل سياسي معلن.
الأخطر: اختبار بالقوة
قد تحاول إيران اعتراض سفينة أو استهداف ناقلة ترى أنها خالفت تعليماتها، لإثبات أن إعلان إزالة الألغام لا يعني السيطرة الأمريكية الكاملة.
وسيضع ذلك واشنطن أمام خيار الرد المحدود أو استئناف الضربات. ولذلك تبقى سفينة واحدة، أو خطأ واحد في تحديد مسارها، قادرًا على تعطيل المسار الدبلوماسي كله.
الأبعد: الصفقة الشاملة
لا تزال فرص الاتفاق الكامل ضعيفة؛ لأن مطالب التعويض ورفع العقوبات والحصار تصطدم بمطالب واشنطن المتعلقة بالمخزون النووي والصواريخ وحرية الملاحة.
وقد يُفتح المضيق جزئيًا قبل إنهاء الحرب، لكن من غير المرجح أن تُرفع العقوبات الكبرى قبل اتفاق أوسع.
الخلاصة
في اليوم 177، لم يعد السؤال: هل تستطيع السفن عبور هرمز؟
بل أصبح: بإذن مَن تعبر؟
أعلنت الولايات المتحدة إزالة الألغام، لكن السفن لم تعد بأعدادها الطبيعية. وأعلنت إيران استعدادها لفتح ممر، لكنها ربطته بشروط تعلم أن واشنطن لن تقبلها كاملة.
وبين إعلان أمريكي بأن الطريق مفتوح، وإصرار إيراني على أن العبور يحتاج إلى موافقتها، يظل المضيق مفتوحًا على الخريطة، مغلقًا في حسابات المخاطر.
والتقدير الأرجح أن الأيام المقبلة لن تنتج سلامًا شاملًا، بل هدنة بحرية غير مكتوبة: تعبر فيها سفن أكثر، وتتراجع فيها الضربات، بينما تبقى الحرب الاقتصادية مفتوحة، ويبقى كل طرف محتفظًا بإصبعه على زر التصعيد.