اليوم 176: إيران تُسعّر هرمز

news image

الحرس الثوري يضيف تقاسم العائدات ومنع السفن الحربية إلى تفاهم الممر المؤقت مع عُمان، ومسقط لا تؤكد هذه التفاصيل.. وقطر تدخل على خط الوساطة في محاولة لنقل التفاوض من الملاحة إلى وقف الحرب

 

27 أغسطس 2026

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

انتقلت المواجهة حول مضيق هرمز من البحث عن ممر مؤقت لعبور السفن إلى صراع أوسع على الجهة التي تملك حق إدارته، وتحديد السفن المسموح لها بالمرور، والاستفادة من العائدات المحتملة لتنظيم الملاحة فيه.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني أن المفاوضات مع سلطنة عُمان أفضت إلى تفاهمات تتعلق بحصة كل دولة من مياه المضيق، وتقاسم العائدات الناتجة منه، مؤكدًا أن السفن الحربية لن يسمح لها باستخدام الممر المقترح، وأن فتح هرمز بصورة كاملة سيبقى مشروطًا باستجابة الولايات المتحدة للمطالب الإيرانية.

لكن ما أعلنه الحرس الثوري يتجاوز ما ورد في البيان المشترك الصادر عقب مباحثات وزيري الخارجية الإيراني عباس عراقجي والعُماني بدر البوسعيدي في طهران.

فالبيان المشترك تحدث عن العمل على إنشاء ممر ملاحي مؤقت، والتعاون في إزالة الألغام، واستمرار المفاوضات الفنية بشأن ممر دائم وإدارة المضيق مستقبلًا، من دون إعلان اتفاق نهائي على تقاسم العائدات أو فرض رسوم على السفن.

وهنا يظهر الفارق بين ما اتفقت عليه طهران ومسقط، وما تريد إيران إظهاره بوصفه اتفاقًا تحقق بالفعل.

سبعة أميال

قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن الممر المقترح يبلغ عرضه سبعة أميال بحرية، أي نحو 11.3 كيلومتر، وإن السفن الداخلة إلى الخليج ستعبر من المياه الإقليمية الإيرانية، بينما يمر جزء من مسار الخروج عبر المياه الإيرانية أيضًا.

وأكد أن التفاهم لا يعني فتح مضيق هرمز، وإنما إنشاء مسار مؤقت لعبور السفن التجارية، على أن تستمر المفاوضات بشأن الترتيبات الدائمة.

أما وزير الخارجية العُماني، فأعرب عن أمله في الإعلان قريبًا عن الممر المؤقت والترتيبات العملية لاستعادة الملاحة الآمنة، مشيرًا إلى أن البحث في الإدارة المستقبلية للمضيق والحل الدائم سيأتي لاحقًا.

ويكشف اختلاف العبارتين أن مسقط تتحدث بحذر عن ممر آمن واستعادة الملاحة، بينما تدفع طهران باتجاه السيادة والإدارة والعائدات.

ولا تزال إحداثيات المسار، وموعد تشغيله، وآليات حماية السفن، والجهة المسؤولة عن التفتيش، والدول التي قد تُمنع سفنها من العبور، غير معلنة حتى الآن. 

رواية الحرس

أضاف المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي عناصر لم يتضمنها البيان المشترك، بقوله إن البلدين توصلا إلى تفاهمات بشأن حصتيهما من مياه المضيق وعائداته.

كما أعلن أن الممر سيخصص للسفن التجارية، ولن يسمح للسفن الحربية بالعبور، وأن المضيق لن يُفتح كاملًا ما لم توقف الولايات المتحدة حصار الموانئ الإيرانية، وترفع العقوبات، وتعود إلى التزامات وقف إطلاق النار المؤقت.

واتهم محبي واشنطن بمحاولة عرقلة المفاوضات مع عُمان، معتبرًا أن التدخل الأمريكي تسبب في تأخير الاتفاق.

لكن مصدرًا إيرانيًا آخر أكد أن الاتفاق لم يُستكمل، وأن المباحثات لا تزال جارية حول تفاصيله؛ ما يعني أن الحرس الثوري أعلن نتائج أوسع من المرحلة التي بلغتها المفاوضات رسميًا.

وهذا التباين داخل الرواية الإيرانية نفسها يفرض التمييز بين ثلاثة مستويات:

  • ممر مؤقت وإزالة للألغام ناقشه الجانبان رسميًا.
  • إدارة دائمة للمضيق لا تزال موضوعًا لمفاوضات لاحقة.
  • تقاسم للعائدات ومنع للسفن الحربية أعلنه الحرس الثوري منفردًا، ولم تؤكده عُمان.

قطر في طهران

يصل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إلى طهران، اليوم الخميس، لمواصلة جهود الوساطة وإعادة تحريك الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة.

وتتحرك قطر في مساحة أوسع من المفاوضات العُمانية؛ فمسقط تبحث الترتيبات الفنية والأمنية للمضيق، بينما تحاول الدوحة الانتقال من فتح الممر إلى خفض التصعيد، وإعادة المفاوضات، وإحياء المسار الذي أنتج وقف إطلاق النار المؤقت في يونيو قبل انهياره.

ويشير تزامن المسارين إلى توزيع إقليمي للأدوار: عُمان لهرمز، وقطر للحرب.

لكن نجاح الوساطة القطرية يتوقف على إمكان التوصل إلى صيغة تجمع بين مطلب واشنطن بحرية الملاحة، وتمسك إيران بإنهاء الحصار والعقوبات، من دون أن يظهر أي من الطرفين وكأنه تراجع تحت ضغط الآخر. 

حركة محدودة

ارتفع عدد سفن السلع المرصودة أثناء عبورها المضيق، الأربعاء، إلى عشر سفن، مقابل ثمانٍ الثلاثاء، لكنه بقي دون متوسط الأيام العشرة الماضية البالغ نحو 15 سفينة.

ولا تعني هذه الزيادة عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي؛ إذ تراجعت تدفقات النفط عبر المضيق من نحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى قرابة خمسة ملايين برميل، ما يعني أن الممر لا يزال يعمل عند ربع مستواه السابق تقريبًا.

كما أصاب مقذوف مجهول ناقلة قرب الساحل العُماني، وتسبب في اندلاع حريق أُخمد لاحقًا، بما يؤكد أن الاتفاق السياسي، حتى إذا اكتمل، سيحتاج إلى ضمانات أمنية وآلية واضحة لإزالة الألغام ومنع استهداف السفن.

ولا تشمل الأرقام المتاحة السفن التي قد تعبر بعد إطفاء أجهزة التعريف، ولذلك تعكس الحركة المرصودة، لا العدد الكامل بالضرورة. 

السوق يسبق الاتفاق

هبط خام برنت إلى نحو 86 دولارًا للبرميل، مواصلًا خسائره مع تزايد الآمال في أن يقود التفاهم الإيراني–العُماني والوساطة القطرية إلى زيادة تدفقات النفط.

لكن تراجع الأسعار يعكس توقعات السوق أكثر مما يعكس تغيرًا مكتملًا في الميدان؛ فالممر لم يدخل التشغيل المنظم بعد، والتفاهم النهائي لم يُعلن، والقيود الأمريكية على الموانئ الإيرانية لا تزال قائمة.

وبذلك بدأت الأسواق تسعير احتمال عودة السفن قبل أن تحصل السفن نفسها على ضمانات العودة.

كما أن إيران تستفيد من هذا الأثر المسبق؛ فمجرد إعلان تقدم في المفاوضات يخفض الضغط العالمي المطالب بتحرك عسكري لفتح المضيق، ويمنح طهران وقتًا إضافيًا من دون أن تتنازل فعليًا عن ورقتها البحرية. 

من الإغلاق إلى الإدارة

كانت المعركة في بدايتها تدور حول قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، ثم انتقلت إلى قدرتها على اختيار السفن التي تعبر وتلك التي تُمنع.

أما الطرح الجديد، فيذهب خطوة أبعد؛ إذ تحاول طهران تحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى نظام إدارة دائم أو شبه دائم، يمنحها دورًا في تحديد المسارات، وتصنيف السفن، والتحكم في المرور، وربما تحصيل عائدات منه.

وبهذا لا تعرض إيران إعادة المضيق إلى ما كان عليه قبل الحرب، بل تعرض فتحه وفق قواعد جديدة كتبتها الحرب.

ومن شأن إشراك عُمان أن يمنح الترتيب غطاءً إقليميًا، ويخفف ظهوره بوصفه سيطرة إيرانية منفردة، لكنه يضع مسقط أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فهي وسيط موثوق لدى الطرفين، وحريصة على أمن الملاحة، ولا تريد أن يتحول الممر المؤقت إلى اعتراف دولي بحق إيران في فرض رسوم أو منع سفن دول بعينها.

ولهذا قد يكون صمت عُمان عن حديث العائدات مقصودًا؛ فهي تؤيد فتح ممر آمن، لكنها لم تعلن قبولها بالرواية السياسية التي أضافها الحرس الثوري إلى التفاهم الفني.

العقوبات والمضيق

جاء الإعلان بعد توسيع الولايات المتحدة عقوباتها على إيران، وتهديدها الدول والشركات التي تواصل التعامل معها بالعزلة والعقوبات الثانوية.

وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن تجفيف موارد إيران وعزلها عن الأسواق، ترد طهران بمحاولة تحويل موقعها الجغرافي إلى مورد سياسي ومالي، وفرض معادلة تجعل المرور في أهم ممر للطاقة مرتبطًا بشروطها.

وهنا تتحول المواجهة إلى حصارين متقابلين:

واشنطن تحاصر الموانئ والاقتصاد الإيراني، وطهران تقيد المضيق الذي تعتمد عليه صادرات دول الخليج وإمدادات الاقتصاد العالمي.

وبين الحصارين، تعرض إيران المقايضة: ارفعوا الضغط عنا، نرفع الضغط عن الملاحة.

مراوغة تحت النار

لا تبدو التحركات الإيرانية منفصلة عن أسلوب المماطلة الذي أدارت به طهران مراحل سابقة من الأزمة؛ فهي لا ترفض فتح المضيق نهائيًا، ولا تفتحه، بل تقدم في كل مرحلة صيغة مؤقتة تحتاج إلى تفاوض جديد، ثم تضيف إليها شروطًا لم تكن مطروحة من قبل.

بدأ الحديث بممر آمن للسفن، ثم انتقل إلى توزيع مسارات الدخول والخروج، وتقاسم الإدارة والعائدات، ومنع السفن الحربية، وربط الفتح الكامل بوقف النار وإنهاء الحصار ورفع العقوبات. وهكذا يتحول كل تقدم معلن إلى بداية جولة أخرى، لا إلى نهاية للأزمة.

وتمنح هذه المراوغة إيران ثلاث فوائد في وقت واحد: شراء الوقت لمواجهة العقوبات، والمحافظة على ورقة هرمز، وإظهار نفسها أمام الوسطاء والأسواق بوصفها الطرف الذي يقدم الحلول، بينما تحمل واشنطن مسؤولية تعطيلها إذا رفضت الشروط.

وفي السلوك الإيراني قدر من السخرية السياسية من الولايات المتحدة؛ فقد بدأت واشنطن الحرب بهدف إضعاف طهران وضمان حرية الملاحة، ثم انتهت بعد ستة أشهر إلى انتظار موافقة إيران على فتح ممر دولي، ومناقشة ترتيبات تمنحها عائدات منه، بينما تعلن طهران أن السفن الحربية الأمريكية نفسها لن يُسمح لها بالعبور.

ولا يعني ذلك أن إيران خرجت منتصرة؛ فقد تكبدت خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة، وتواجه حصارًا أشد واتساعًا في عزلتها. لكنها تحاول صناعة مشهد يقول إن القوة الأمريكية استطاعت تدمير الأهداف، ولم تستطع انتزاع القرار؛ وإن الدولة التي أُريد إخضاعها أصبحت تفاوض على ثمن إعادة ما كان مفتوحًا قبل الحرب.

وقد لا تكون طهران راغبة أصلًا في الوصول سريعًا إلى اتفاق نهائي؛ فالمضيق المقيد يمنحها نفوذًا لا يوفره المضيق المفتوح، والمفاوضات المستمرة تؤجل المواجهة العسكرية، وتضغط على أسواق الطاقة، وتفتح بينها وبين الوسطاء قنوات تساعدها على مقاومة العزلة الأمريكية.

وفي المقابل، تثير طريقة تعامل واشنطن مع هذه التحركات تناقضات لافتة:

  • يهدد ترامب عُمان إذا أعاقت خطته، لكنه لا يتدخل لمنع مفاوضاتها مع إيران من التقدم.
  • يؤكد أن المضيق مفتوح وأن الألغام أُزيلت، بينما تستمر المفاوضات أصلًا على فتح ممر مؤقت وتنفيذ مشروع مشترك لإزالتها.
  • يعلن أنه «غير مستعجل» لاستئناف المفاوضات، بالتزامن مع انتقال إدارته إلى تشديد الخناق الاقتصادي على طهران.
  • ويرفع الحرس الثوري مطالبه من ممر مؤقت إلى إدارة وعائدات ومنع للسفن الحربية الأمريكية، فيما تكتفي واشنطن، حتى الآن، بالضغط الاقتصادي من دون رد عسكري مباشر.

ولا تقدم هذه التناقضات تفسيرًا واحدًا مؤكدًا للسلوك الأمريكي، لكنها تجعل انتظار الخطوة التالية أكثر أهمية من الاكتفاء بقراءة التصريحات المعلنة.

ولهذا ينبغي ألا يُقرأ التفاهم الإيراني–العُماني باعتباره اقترابًا مؤكدًا من فتح هرمز؛ فقد يكون جولة أخرى في سياسة إيرانية أكثر دهاءً: التفاوض على الحل، من دون التخلي عن الأزمة التي منحتها القدرة على فرضه.

ماذا بعد؟

تواجه التطورات أربعة مسارات:

الأول: تشغيل الممر المؤقت

قد يبدأ عبور عدد محدود من السفن التجارية بعد الاتفاق على الإحداثيات والترتيبات الأمنية وإزالة الألغام، من دون اعتبار ذلك فتحًا كاملًا للمضيق. وسيمنح هذا المسار الأسواق بعض الطمأنينة، لكنه يُبقي القرار النهائي بيد إيران.

الثاني: تفاهم ملاحي بلا سلام

قد يعمل الممر بينما تبقى الحرب والعقوبات والحصار والبرنامج النووي خارج الحل. وفي هذه الحالة يصبح الاتفاق مجرد هدنة بحرية قابلة للانهيار عند أول خلاف.

الثالث: صفقة أوسع

قد تنجح قطر في ربط تشغيل الممر بوقف مؤقت لإطلاق النار وتخفيف بعض إجراءات الحصار، تمهيدًا لاستئناف المفاوضات السياسية. وهذا هو المسار الأكثر فائدة للاقتصاد العالمي، لكنه يتطلب تنازلات لا تزال واشنطن وطهران ترفضان إعلان الاستعداد لها.

الرابع: انهيار التفاهم

إذا أصرت إيران على العائدات ومنع السفن الحربية، وتمسكت واشنطن بحرية الملاحة الكاملة ورفض أي سيادة إيرانية على الممر، فقد تتعطل المفاوضات، وتعود المواجهة إلى البحر، سواء باستهداف السفن أو محاولة فرض العبور بالقوة.

الخلاصة

لم يعد السؤال في اليوم 176: هل تستطيع إيران إغلاق هرمز؟

لقد أثبتت أنها تستطيع تعطيل الجزء الأكبر من حركته، ورفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي.

السؤال الجديد هو: هل تستطيع تحويل التعطيل إلى حق في الإدارة، والسيطرة إلى عائد، وفتح المضيق إلى ثمن تدفعه واشنطن؟

حتى الآن، لم توقّع عُمان على الرواية التي أعلنها الحرس الثوري، ولم يُفتح المضيق، ولم تتراجع الولايات المتحدة عن حصارها.

ما تحقق فعلًا هو ممر قيد التفاوض، وسوق تتفاءل، ووسيط قطري يتحرك، وإيران تبيع كل خطوة صغيرة بوصفها تحولًا كبيرًا.

وهذه هي المراوغة الأوضح: أن توحي طهران للعالم بأن الحل يقترب، بينما تحتفظ في يدها بكل الأسباب التي تمنعه من الوصول.