النووي السعودي أمام الكونغرس

ترامب يحيل اتفاق التعاون النووي إلى المراجعة التشريعية بعد 18 عامًا من التفاهم الأول.. والمملكة تقترب من فتح المنافسة على مفاعلاتها الأولى
الرياض | بث
دخل اتفاق التعاون النووي المدني بين السعودية والولايات المتحدة مرحلة المراجعة التشريعية الأمريكية، بعد أن أحاله الرئيس دونالد ترامب إلى الكونغرس، الاثنين 24 أغسطس 2026، لتبدأ مدة مراجعة تبلغ 90 يوم انعقاد، تحدد في نهايتها ما إذا كانت الشركات الأمريكية ستتمكن من دخول المنافسة على بناء المفاعلات السعودية الأولى.
ويمثل انتقال الاتفاق إلى الكونغرس أهم خطوة إجرائية منذ توقيعه في يوليو الماضي؛ إذ ينقل التعاون النووي السعودي–الأمريكي من مرحلة المفاوضات والتفاهمات الحكومية إلى التحقق من توافقه مع متطلبات قانون الطاقة الذرية الأمريكي.
وبموجب الإجراءات المنظمة لاتفاقات التعاون النووي، يراجع الكونغرس الوثيقة والتقدير المتعلق بمنع الانتشار النووي والضمانات المصاحبة لها، قبل أن يصبح الاتفاق نافذًا إذا انتهت المدة من دون صدور قرار مشترك عن مجلسي النواب والشيوخ برفضه.
ولا تعني الإحالة اختيار شركة أمريكية لبناء المفاعلات أو بدء التنفيذ مباشرة، بل تستكمل الإطار القانوني الذي يسمح للشركات الأمريكية بالمنافسة، والحصول لاحقًا على التراخيص اللازمة لنقل المفاعلات والمكونات والمواد والخبرات النووية إلى المملكة.
اتفاق 123
وقّع وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي، ووزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، في 22 يوليو 2026، اتفاق التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، المعروف باسم «اتفاق 123»، إلى جانب اتفاق ثنائي مصاحب للضمانات النووية.
ويأخذ الاتفاق اسمه من المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954، التي تشترط وجود إطار قانوني معتمد قبل السماح بنقل المواد والمعدات والمكونات النووية ذات الأهمية من الولايات المتحدة إلى دولة أخرى.
ولا يمثل الاتفاق عقدًا لبناء محطة بعينها، بل مظلة قانونية تنشأ تحتها العقود التجارية والتقنية والتدريبية اللاحقة، بما يشمل بناء المفاعلات، وتوريد المعدات والوقود، وتأهيل الكفاءات، وتبادل الخبرات، وتعزيز معايير السلامة والأمن النووي.
ويمتد الاتفاق لمدة 30 عامًا من تاريخ دخوله حيز النفاذ، وليس من تاريخ توقيعه أو إحالته إلى الكونغرس، مع إمكان تمديده أو تجديده أو تعديله باتفاق الطرفين.
أما عقود بناء المفاعلات وتشغيلها وصيانتها وتوريد الوقود، فتُبرم لاحقًا بصورة مستقلة، وتكون لكل عقد مدته والتزاماته وشروطه الخاصة.
وقالت وزارة الطاقة الأمريكية عند التوقيع إن الاتفاقين يؤسسان لشراكة تمتد عقودًا وتبلغ قيمتها مليارات الدولارات، وتتيح للشركات الأمريكية وصولًا واسعًا إلى برنامج الطاقة النووية السعودي.
مسار بدأ عام 2008
تعود البداية الرسمية لمسار التعاون إلى مايو 2008، حين وقّعت الرياض وواشنطن مذكرة تفاهم بشأن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وانتقل المسار بعد ذلك إلى مناقشات إعداد اتفاق شامل يخضع للمادة 123، بالتزامن مع تطوير المملكة خططها لتنويع مصادر إنتاج الكهرباء وبناء قطاع نووي سلمي.
وفي عام 2017، بدأت السعودية إجراءات طلب عروض أولية لإنشاء أول مفاعلين للطاقة النووية، ثم استقبلت في العام التالي بعثة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراجعة البنية التحتية اللازمة للبرنامج.
وتدرجت المملكة خلال السنوات التالية في بناء المنظومة المؤسسية والتنظيمية، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتطوير الدراسات المتعلقة بالمواقع والتقنيات والتمويل والسلامة، قبل الانتقال إلى شراء المفاعلات وبناء منشآت يتطلب تشغيلها التزامًا يمتد عقودًا.
وفي نوفمبر 2024، طلبت شركة «دويحين للطاقة النووية»، بصفتها الجهة المحددة لامتلاك وتشغيل أول محطة نووية سعودية، من الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراجعة نظامها الإداري واستعداداتها المؤسسية.
وانتهت مراجعة الوكالة، في يونيو 2025، إلى أن الشركة طورت نظامًا إداريًا قادرًا على دعم أنشطتها الحالية والمستقبلية، في مؤشر على انتقال البرنامج تدريجيًا من الدراسات العامة إلى الاستعداد المؤسسي للمشروع الأول.
لماذا النووي؟
لا يرتبط دخول السعودية إلى الطاقة النووية بنقص موارد الطاقة، بل بإعادة توزيعها وتعظيم قيمتها.
فإنتاج الكهرباء من المفاعلات النووية يتيح للمملكة تقليل استخدام النفط والغاز في محطات التوليد، وتوجيه كميات أكبر منهما إلى التصدير أو الصناعات التحويلية الأعلى قيمة.
كما توفر المحطات النووية كهرباء مستقرة على مدار الساعة، بما يجعلها مكملة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، اللتين يتغير إنتاجهما وفق وقت النهار والظروف المناخية.
ويمكن للطاقة النووية أن تخدم، على المدى الطويل، قطاعات تحلية المياه، والهيدروجين، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ومراكز البيانات، والمدن والمشروعات الجديدة، بالتزامن مع ارتفاع الطلب المحلي على الكهرباء.
ولا يقتصر البرنامج على إنتاج الطاقة؛ إذ يقود إلى تأسيس سلسلة جديدة من الصناعات والخدمات تشمل الهندسة النووية، والإنشاءات المتخصصة، وأنظمة التحكم، والأمن السيبراني، وإدارة الوقود والنفايات، والتدريب والبحث العلمي.
داخل الكونغرس
تتركز مراجعة الكونغرس على الإطار القانوني والفني المنظم للتعاون، لا على حاجة المملكة إلى الطاقة النووية أو حقها في إنشاء برنامج سلمي.
ومن المتوقع أن تتناول المراجعة ضمان استخدام المواد والتقنيات المنقولة في الأغراض السلمية، وآليات المحاسبة والرقابة على المواد النووية، ومعايير الحماية المادية والأمن النووي، وترتيبات نقل المعدات والوقود والتقنيات.
كما يُنتظر أن تبحث العلاقة بين الاتفاق والضمانات المطبقة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأثره في سياسة الولايات المتحدة لمنع الانتشار النووي، والقدرة التنافسية للشركات الأمريكية داخل السوق السعودية.
ثلاث نتائج
يقود مسار المراجعة إلى ثلاثة احتمالات رئيسة.
الأول، وهو الأكثر ترجيحًا، أن تنتهي المدة من دون صدور قرار مشترك برفض الاتفاق، فيصبح نافذًا، وتبدأ بعد ذلك مراحل التراخيص والعروض والعقود.
والثاني أن يستخدم أعضاء الكونغرس المراجعة لطلب تفسيرات أو ضمانات إضافية من الإدارة الأمريكية، على أن تظهر آثار تلك المطالب في تراخيص التصدير أو ترتيبات التنفيذ، من دون تعطيل الاتفاق.
أما الاحتمال الثالث، فهو تحرك مجلسي النواب والشيوخ لإصدار قرار مشترك برفضه. ويتطلب ذلك توافقًا سياسيًا واسعًا، ثم تجاوز احتمال استخدام الرئيس حق النقض، ما يجعل إسقاط الاتفاق أكثر صعوبة من الاعتراض على بعض تفاصيله.
وبناءً على طبيعة المسار القانوني والمصالح الأمريكية المرتبطة بالمشروع، تبدو احتمالات مرور الاتفاق أعلى من احتمالات رفضه، مع توقع نقاشات موسعة حول الضمانات وآليات التنفيذ.
سباق المفاعلات
تتجاوز أهمية الاتفاق العلاقة بين الرياض وواشنطن؛ فالسعودية تمثل واحدة من أبرز أسواق الطاقة النووية الجديدة التي تتنافس عليها الدول المالكة للتقنية.
وتحتاج الولايات المتحدة إلى الاتفاق كي تتمكن شركاتها من المنافسة الفعلية؛ لأن غياب الإطار القانوني يمنع نقل المفاعلات والمكونات النووية الأمريكية إلى المملكة، مهما بلغت جاذبية العروض التجارية.
وتبرز شركة «وستينغهاوس» بوصفها المستفيد الأمريكي المحتمل من خلال مفاعلات AP1000، لكن الاتفاق لا يمنحها المشروع تلقائيًا، ولا يلزم المملكة باختيار التقنية الأمريكية.
فالمشروع السعودي جذب خلال مراحله المختلفة اهتمام شركات من كوريا الجنوبية والصين وروسيا وفرنسا، ما يمنح المملكة مساحة للمقارنة بين التقنية والتكلفة والتمويل، ونسب المحتوى المحلي، ونقل المعرفة، وضمانات الوقود والصيانة طويلة الأجل.
ومن هنا، لا يُقرأ الاتفاق باعتباره اعتمادًا سعوديًا على خيار واحد، بل باعتباره إزالة لعائق قانوني كان يحول دون دخول الخيار الأمريكي إلى المنافسة الكاملة.
ما بعد المراجعة
إذا اجتاز الاتفاق مراجعة الكونغرس، فلن تبدأ المحطة النووية في اليوم التالي؛ إذ تبقى مراحل فنية وتجارية وتنظيمية تشمل اختيار المورد، واعتماد التقنية والموقع، وترتيب التمويل، واستكمال التراخيص، وإبرام عقود البناء والتشغيل والوقود والصيانة.
كما أن إنشاء محطة نووية ليس مشروعًا قصير الأجل؛ فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تقدر أن تأسيس برنامج نووي جديد يحتاج عادة إلى فترة تحضيرية تتراوح بين 10 و15 عامًا، ويلزم الدولة بالتخطيط والإدارة لما يقارب قرنًا، من الإعداد والإنشاء والتشغيل إلى إيقاف المفاعلات وإدارة الوقود المستهلك.
ولهذا، لا تُقاس قيمة اتفاق 123 بتاريخ بدء إنتاج الكهرباء فقط، بل بقدرته على إدخال الصناعة والتقنية ورأس المال الأمريكي في البرنامج السعودي، وإقامة علاقة طويلة الأجل تشمل دورة المشروع النووي وما يرتبط بها من معرفة وخدمات وصيانة وتدريب.
اختبار المصالح
يمتلك الكونغرس حق مراجعة الاتفاق، لكن نتيجة المراجعة لا تتعلق بالسعودية وحدها.
فرفض الاتفاق أو تحميله قيودًا تعوق تنفيذه لن يوقف بالضرورة البرنامج النووي السعودي؛ بل قد يقلص حضور الشركات الأمريكية ويفتح مساحة أوسع أمام الموردين المنافسين.
أما مروره، فيمنح واشنطن حضورًا في قطاع حيوي يتصل بالطاقة والصناعة والتقنية والأمن الاقتصادي، ويُبقي شركاتها داخل المنافسة على عقود تمتد قيمتها وآثارها لعقود.
وتدرك الرياض أن بناء البرنامج النووي يحتاج إلى شريك تقني موثوق، لكنها تدرك كذلك أن الموردين الدوليين يحتاجون إلى السوق السعودية وما تتيحه من عقود واستثمارات وشراكات طويلة الأجل.
ولهذا تدخل المملكة المرحلة الجديدة من موقع المشتري الذي يملك البدائل، لا من موقع الطرف المنتظر لموافقة مورد وحيد.
القرار السعودي
ظاهريًا، أصبح الاتفاق النووي السعودي أمام الكونغرس؛ لكن ما تحدده المراجعة التشريعية هو مقدار مشاركة الولايات المتحدة في البرنامج، لا حق المملكة في بنائه.
فالطريق السعودي نحو الطاقة النووية بدأ قبل هذا الاتفاق بسنوات، وتقدّم عبر بناء المؤسسات والأنظمة، وتأهيل الكفاءات، وتعزيز التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وإذا اجتاز الاتفاق المراجعة، أصبحت الشركات الأمريكية مؤهلة لدخول المنافسة من بوابة قانونية مكتملة. وإذا تعثر، بقيت أمام المملكة خيارات دولية أخرى لتحقيق هدفها.
فالكونغرس لا يقرر مستقبل البرنامج النووي السعودي، بل يقرر موقع الولايات المتحدة فيه.