عيون BETH في عواصم القرار

news image

25 أغسطس 2026

من واشنطن التي تختبر تحويل الدولار إلى سلاح عالمي، إلى بكين التي ترفض الاختيار بين تجارتها والنظام المالي الأمريكي، وأوروبا التي تبحث عن المال والسلاح لأوكرانيا، وطهران التي تخفي طوابير الوقود خلف خطاب الصمود.. فيما تتصدر السعودية الصحافة العالمية بوصفها مستثمرًا يصنع الوظائف داخل فرنسا

متابعة وقراءة | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

تنقسم اهتمامات الصحافة العالمية، اليوم الثلاثاء، بين حربين تتحولان تدريجيًا من ساحات القتال إلى الاقتصاد والبنية التحتية.

ففي الشرق الأوسط، تحاول الولايات المتحدة نقل الحرب مع إيران من القصف إلى العزل المالي، لكنها أطلقت المرحلة الأولى من العقوبات من دون استهداف مباشر للمصارف الصينية الكبرى، بما يكشف أن تحويل الدولار إلى حصار عالمي يحتاج إلى حسابات تتجاوز طهران.

وفي أوروبا، انتقلت حرب أوكرانيا إلى مرحلة استهداف المصانع والمصافي والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية، فيما تبحث كييف عن المال والصواريخ، وتبحث الدول الأوروبية في إمكانية استخدام الأصول الروسية المجمدة من دون تفجير أزمة قانونية ومالية داخل الاتحاد.

أما في الصحافة الداخلية للعواصم، فتظهر آثار الحرب في صور مختلفة: الوقود والتضخم في إيران، وأمن الطاقة في الصين والهند واليابان، والتمويل في أوروبا، وكلفة الالتزام بأوكرانيا في بريطانيا، والحدود والإرهاب في نيودلهي، ومستقبل العلاقات التجارية مع إيران في أنقرة.

واشنطن | العقوبات تبدأ أقل مما وُعد

تصدرت حملة «المنبوذ الاقتصادي» ضد إيران الصحافة الأمريكية، لكن العنوان الذي أطلقته الإدارة باعتباره «يوم إنزال اقتصادي» اصطدم بقراءة أكثر حذرًا في الصحف.

ركزت «نيويورك تايمز» على الفارق بين اللغة الهائلة التي سبقت الإعلان وبين الإجراءات التي كُشف عنها. فقد استهدفت واشنطن أكثر من 60 فردًا وكيانًا وسفينة، ووسعت نطاق التهديد بالعقوبات الثانوية، لكنها لم تحدد مواعيد التنفيذ أو أسماء الدول والمصارف الكبرى التي ستعاقبها.

ونقلت الصحيفة أن وزير الخزانة سكوت بيسنت عاد ليصف الإعلان بأنه «طلقة تحذيرية» تسبق مرحلة من «الدبلوماسية الهادئة» مع الحكومات والمؤسسات في أنحاء العالم. وهذه العبارة تعني أن واشنطن لم تبدأ الحصار الكامل بعد؛ بل بدأت محاولة بناء الامتثال قبل العقاب.

أما «واشنطن بوست»، فربطت الانتقال إلى الاقتصاد بتراجع التأييد الشعبي للحرب واقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وارتفاع أسعار الطاقة، وتناقص مخزونات بعض الأسلحة. وبهذه القراءة، لا يصبح الضغط المالي مجرد أداة ضد إيران؛ بل مخرجًا سياسيًا تحتاج إليه الإدارة الأمريكية لتقليل كلفة حرب لم تستطع إنهاءها عسكريًا.

وجاء حكم الأسواق سريعًا؛ إذ تراجعت أسعار النفط بأكثر من 3% إلى أدنى مستوياتها في أسبوع، وهبط خام برنت إلى نحو 89.21 دولارًا للبرميل، بعدما قرأ المستثمرون غياب الدول المستهدفة ومواعيد التنفيذ بوصفه دليلًا على أن الإعلان أقل حدة من التوقعات، وأن انتقال واشنطن من العمليات العسكرية إلى الضغط الاقتصادي يقلل مؤقتًا مخاطر تعطل الإمدادات.

أقوى قراءة: الولايات المتحدة أعلنت قوة الدولار، لكنها لم تختبر بعد استعدادها لاستخدامها ضد الصين والهند وتركيا وروسيا. والاختبار ليس قدرة واشنطن على معاقبة شركة صغيرة، بل استعدادها لتحمل كلفة معاقبة اقتصاد كبير.

لندن | هل تستطيع واشنطن التنفيذ؟

ركزت الصحافة البريطانية على السؤال الذي تركته واشنطن بلا إجابة: هل تملك الإرادة السياسية لتنفيذ العقوبات على كبار شركاء إيران؟

رأت «فايننشال تايمز» أن الحزمة وسعت التهديد ليشمل الأصول الرقمية والتقنية والذهب والطيران والشحن، لكنها لم تفرض إجراءات فورية على الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران، ومنهم الصين وتركيا والعراق والإمارات.

ولفتت إلى أن تطبيق العقوبات القصوى على اقتصادات كبرى قد يؤدي إلى اضطراب في النظام المالي العالمي، وأن نجاح الحملة سيعتمد على ما إذا كانت واشنطن مستعدة للانتقال من الضغط اللفظي إلى إخراج مؤسسات فعلية من النظام الدولاري. 

وفي الشأن الداخلي والخارجي المتصل ببريطانيا، تصدر موقف رئيس الوزراء آندي برنهام خلال زيارته كييف، حيث أعلن استمرار دعم أوكرانيا، ومشاركة مخططات تقنية لإنتاج صواريخ بعيدة المدى، والتعاون مع فرنسا على إنشاء خطوط تجميع داخل أوكرانيا.

وأثارت التهديدات الروسية ضد لندن نقاشًا بشأن ما إذا كانت بريطانيا تنتقل من تسليح أوكرانيا إلى المشاركة التقنية المباشرة في بناء قدرتها الهجومية، وما قد يترتب على ذلك من رد روسي.

أقوى قراءة: بريطانيا تحاول إثبات أن تغيير القيادة لم يغير الالتزام بأوكرانيا، لكنها تنتقل في الوقت نفسه إلى مستوى أكثر حساسية: مساعدة كييف على تصنيع السلاح، لا مجرد تسليمه إليها.

باريس | الاستثمار يسبق الحرب

واصلت الصحافة الفرنسية وضع مشروع القدية في صدارة نتائج زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، متقدمًا حتى على مباحثات حرب إيران وأزمة مضيق هرمز.

وصفت «لوموند» مشروع المتنزهات الثلاثة في سيرجي بونتواز بأنه «هائل»، ونقلت وصف الرئيس إيمانويل ماكرون له بأنه أكبر مشروع ترفيهي في فرنسا منذ «ديزني لاند باريس»، باستثمار يصل إلى 6 مليارات يورو ونحو 22 ألف وظيفة.

ورأت التغطية الفرنسية أن المشروع يقدم دليلًا تحتاج إليه باريس لإثبات استمرار قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية، في وقت تراجعت فيه المشروعات الاستثمارية الجديدة في أوروبا.

وفي المقابل، لم تغب الانتقادات المرتبطة بحقوق الإنسان ومقتل جمال خاشقجي، لكنها جاءت في مرتبة تالية بعد الوظائف والاستثمار والعقود. وهذه المرة لم تستطع الزاوية السياسية القديمة أن تحتكر صورة الزيارة أو تحجب المصالح الفرنسية المباشرة.

أما داخليًا وأوروبيًا، فانشغلت باريس بتصاعد التهديد الروسي، وحذر ماكرون من أن موسكو قد تزيد الاستفزازات ضد دول حلف شمال الأطلسي لردعها عن دعم أوكرانيا، داعيًا إلى تسريع تسليم صواريخ الدفاع الجوي.

أقوى قراءة: الصحافة الفرنسية لم تعد تقدم السعودية بوصفها سوقًا للعقود الفرنسية فقط، بل مستثمرًا قادرًا على صنع الوظائف داخل فرنسا. وهذا التحول هو أكثر ما غيّر صورة الزيارة.

بروكسل | أوكرانيا تريد المال الآن

تركز اهتمام الصحافة الأوروبية على اجتماع قادة أوروبيين في كييف، بالتزامن مع ذكرى استقلال أوكرانيا، لكن المشهد الرمزي سرعان ما عاد إلى سؤال التمويل.

تقول كييف إن لديها فجوة تمويلية إضافية تبلغ 23.5 مليار يورو، رغم صرف المفوضية الأوروبية دفعة جديدة بقيمة 6.1 مليارات يورو من حزمة التمويل.

وأعاد ذلك فتح ملف نحو 200 مليار يورو من الأصول السيادية الروسية المجمدة في أوروبا، توجد النسبة الأكبر منها لدى مؤسسة «يوروكلير» في بلجيكا.

وتظهر بلجيكا بوصفها أكبر المتحفظين على مصادرة الأصول، بسبب المخاطر القانونية والمالية واحتمال تعرضها لمطالبات أو إجراءات انتقامية، بينما ترى دول أخرى أن تراجع الدعم الثنائي يجعل استخدام المال الروسي ضرورة لا خيارًا.

أقوى قراءة: لم يعد الخلاف الأوروبي يدور حول دعم أوكرانيا من عدمه، بل حول من يدفع، وكم يدفع، وهل يمكن نقل العبء من موازنات الدول الأوروبية إلى الأصول الروسية المجمدة. 

موسكو | الحرب تدخل المخازن

ركزت التغطيات المتعلقة بروسيا على اتساع نطاق الضربات الأوكرانية من المنشآت العسكرية والطاقة إلى شبكات الخدمات اللوجستية والاقتصاد المدني.

استهدفت طائرات مسيّرة منشآت تابعة لشركة «أوزون»، ثاني أكبر شركة للتجارة الإلكترونية في روسيا، في ست مناطق خلال ثلاثة أيام، ما أدى إلى حرائق واضطراب في العمليات وتراجع حاد في قيمة أسهم الشركة.

ويُظهر استهداف مراكز التخزين والتوزيع أن كييف تحاول نقل الحرب إلى الحياة الاقتصادية اليومية، ورفع كلفة ضعف الحماية لدى الشركات الخاصة، فيما تدرس الحكومة الروسية توسيع سلطتها للتدخل في إدارة المنشآت التي تعد حمايتها غير كافية.

وفي الداخل، تتراكم مشكلة أخرى: الضربات على المصافي وموانئ البحر الأسود أضعفت تكرير النفط وصادرات الحبوب، رغم وفرة المحصول الروسي. وأدى تعطل التصدير إلى امتلاء المخازن وانخفاض أسعار القمح محليًا، وتهديد قدرة المزارعين على تمويل الموسم المقبل.

أقوى قراءة: موسكو لم تعد تواجه حربًا على الجبهة فقط؛ بل حربًا على سلسلة الاقتصاد من المصفاة إلى الميناء، ومن المستودع الإلكتروني إلى صومعة القمح.

بكين | الدولار يقترب من النفط الصيني

رفضت الصحافة الرسمية الصينية العقوبات الأمريكية باعتبارها إجراءات أحادية غير مشروعة، وحذرت من أنها ستزيد التصعيد وتهدد الاستقرار المالي والاقتصادي العالمي.

وأكدت وزارة الخارجية أن تعاون الصين مع إيران يجري ضمن القانون الدولي، وأن بكين ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها.

لكن خلف الموقف السياسي الصلب تظهر معادلة اقتصادية أكثر تعقيدًا. فالصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وقد تراجعت وارداتها منه، وفق تقديرات نشرتها الصحافة البريطانية، من نحو 1.57 مليون برميل يوميًا في فبراير إلى قرابة 534 ألف برميل في أغسطس.

واستطاعت المصافي المستقلة مواصلة جانب من الاستيراد عبر تغيير منشأ الشحنات واستخدام اليوان والشبكات غير المباشرة، لكن التهديد الأمريكي للمصارف الكبرى يرفع مستوى المخاطرة من تجارة النفط إلى النظام المالي الصيني نفسه.

وفي الاهتمام الآسيوي الداخلي، تابعت بكين الجولة الـ25 من محادثات الحدود مع الهند، بعد وصول مستشار الأمن القومي الهندي أجيت دوفال للقاء وزير الخارجية وانغ يي. وتريد الصين منع العقوبات الأمريكية وحرب إيران من تعطيل مسار التهدئة مع نيودلهي.

أقوى قراءة: بكين تستطيع مقاومة العقوبات سياسيًا وشراء النفط بطرق بديلة، لكن السؤال هو ما إذا كانت ستخاطر بمصارفها الكبرى من أجل الحفاظ على تجارتها مع إيران. 

طوكيو | حربان في خريطة واحدة

اهتمت الصحافة اليابانية بتأكيد رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي استمرار العقوبات على روسيا ودعم أوكرانيا، وربطها بين أمن أوروبا وأمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وترى طوكيو أن التعاون العسكري المتزايد بين روسيا والصين وكوريا الشمالية يجعل حرب أوكرانيا جزءًا من البيئة الأمنية اليابانية، لا نزاعًا أوروبيًا بعيدًا.

لكن حرب إيران تضغط على اليابان من زاوية أكثر مباشرة؛ فمعظم احتياجاتها النفطية تأتي من الشرق الأوسط وتعبر هرمز، ما يفسر تكثيف اتصالاتها مع عُمان، ومطالبتها بعودة الملاحة الحرة والآمنة من دون رسوم إضافية.

وفي الشأن الداخلي، برز الاهتمام باستخدام الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار في الزراعة الداخلية لمواجهة النقص الحاد في المزارعين، ضمن خطة لجذب استثمارات عامة وخاصة بقيمة 4.6 تريليونات ين حتى عام 2040.

أقوى قراءة: اليابان تقرأ أمنها في خريطة واحدة تمتد من أوكرانيا إلى هرمز؛ روسيا والصين وكوريا الشمالية تهدد التوازن العسكري، وحرب إيران تهدد الوقود والاقتصاد اليومي.

نيودلهي | الحدود والنفط والإرهاب

تصدر وصول مستشار الأمن القومي الهندي أجيت دوفال إلى بكين اهتمام الصحافة الهندية، مع انعقاد الجولة الـ25 من المباحثات الخاصة بالحدود الصينية-الهندية.

وتحاول الدولتان البناء على إشارات التهدئة الأخيرة، مع إبقاء الاستقرار الحدودي منفصلًا قدر الإمكان عن تنافسهما الإستراتيجي الأوسع.

وفي الوقت نفسه، بدأت الصحافة الاقتصادية حساب أثر العقوبات الأمريكية على التجارة الهندية مع إيران، التي تراجعت صادرات الهند إليها من 3.5 مليارات دولار في 2019 إلى نحو 1.2 مليار دولار في السنة المالية 2026.

ورغم انخفاض حجم التجارة، فإن نيودلهي لا تنظر إلى إيران من خلال الأرقام التجارية وحدها؛ بل من خلال أمن الطاقة والممرات المؤدية إلى آسيا الوسطى ومشروع ميناء تشابهار، إضافة إلى خشيتها من أن تتحول العقوبات الثانوية إلى أداة أمريكية لتحديد علاقاتها الإقليمية.

أما داخليًا، فركزت الصحافة على إطلاق أول عقيدة هندية متكاملة لمكافحة الإرهاب والتطرف تحت اسم «براهار»، مع إدخال الذكاء الاصطناعي في تحليل المعلومات الأمنية، وتسريع محاكمة المتهمين في القضايا العابرة للحدود.

أقوى قراءة: الهند تفاوض الصين على الحدود، وتراقب واشنطن في العقوبات، وتحاول حماية ممراتها مع إيران؛ أي إنها تدير ثلاثة ضغوط متزامنة من دون الرغبة في الانحياز الكامل إلى أي طرف.

إسلام آباد | الوسيط يريد مقابلًا

احتفت الصحافة الباكستانية بإعلان تحقيق «تقدم مهم» في المحادثات التي أجراها المشير عاصم منير والوفد المرافق له مع القيادة الإيرانية.

وركزت التغطية على ثلاثة أهداف: إعادة فتح مضيق هرمز، ومنع اتساع التصعيد، وتسريع إنهاء الحرب. لكن الصحف لم تستطع تحديد ما الذي وافقت عليه إيران، أو ما إذا كان التقدم يعني اقتراب جولة تفاوضية جديدة مع واشنطن.

ويستمد التحرك الباكستاني أهميته من أن منير تحدث مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل زيارته طهران، ما يضع إسلام آباد في موقع ناقل الرسائل بين الطرفين. 

وفي الخلفية الاقتصادية، تسعى باكستان إلى الاستفادة من دورها الدبلوماسي لتحسين علاقتها المالية بواشنطن، مع حديث عن طلب خط مبادلة يصل إلى 10 مليارات دولار، وتقليل اعتمادها الحصري على التمويل الصيني.

أقوى قراءة: باكستان لا تقدم الوساطة بوصفها خدمة مجانية؛ فهي تريد تحويل موقعها السياسي بين واشنطن وطهران إلى مكاسب مالية ودبلوماسية، وإلى عودة أقوى للأسواق الدولية.

طهران | الصمود أمام محطات الوقود

قدمت وسائل الإعلام الإيرانية العقوبات الجديدة باعتبارها تكرارًا لسياسة فشلت طوال عقود، وركزت على تصريحات وزير الاقتصاد علي مدني زاده بشأن وجود خطة تمتد عامين، وانتقال إيران من الدفاع الاقتصادي إلى الرد الهجومي.

كما أبرزت زيارة المشير عاصم منير بوصفها دليلًا على أن أبواب الوساطة لم تُغلق، وأن إيران ما زالت قادرة على التفاوض من موقع يحتفظ بورقة هرمز.

لكن الصورة الداخلية التي نقلتها الصحافة الاقتصادية الدولية مختلفة؛ إذ بدأت طوابير السيارات تمتد أمام محطات الوقود في طهران ومدن أخرى، مع عجز يومي يقدّر بنحو 15 مليون لتر من إجمالي طلب يبلغ 135 مليون لتر.

وتواجه الحكومة معضلة دعم البنزين؛ فالأسعار المنخفضة تستنزف المالية العامة، لكن رفعها يحمل خطر انفجار اجتماعي يعيد إلى الذاكرة احتجاجات عام 2019، خصوصًا مع تضخم عام يقترب من 90% وارتفاع أكبر في أسعار الغذاء.

أقوى قراءة: خطاب طهران يقول إن العقوبات لن تنجح، لكن الاختبار الحقيقي لا يجري في البيانات؛ بل عند محطات الوقود، وفي قدرة المواطن الإيراني على تحمّل الأسعار والنقص.

أنقرة | التجارة بين نظامين

انشغلت الصحافة التركية بالسؤال المباشر: ماذا تعني العقوبات الأمريكية الجديدة لتركيا، وهي واحدة من أكبر الشركاء التجاريين لإيران؟

ولم تدخل العقوبات الأشد حيز التنفيذ فورًا، لكن واشنطن منحت الدول مهلة لإنهاء تعاملاتها، مع تهديد المؤسسات التي تستمر في التجارة بإبعادها عن النظام المالي القائم على الدولار.

وبالنسبة إلى تركيا، لا تتعلق المسألة بالاختيار بين إيران والولايات المتحدة فقط؛ بل بالطاقة والتجارة الحدودية والتحويلات والمصارف، في وقت يواجه فيه الاقتصاد التركي أصلًا ضغوط التضخم وأسعار الطاقة.

ورأت التغطية الاقتصادية أن الأسواق العالمية تواجه ثلاثة ضغوط متزامنة: انتقال حرب إيران إلى العقوبات، واحتمال عودة الحروب الجمركية، والشكوك المحيطة بالتدخل الأمريكي في سوق السندات.

أقوى قراءة: أنقرة تستطيع سياسيًا رفض الإملاءات، لكنها اقتصاديًا لا تستطيع تجاهل الدولار أو التخلي بسهولة عن تجارتها وحدودها الطويلة مع إيران. 

تل أبيب | نزع السلاح لا ينهي الخلاف

اهتمت الصحافة الإسرائيلية باستمرار الخلاف بين حكومة بنيامين نتنياهو والخطة المدعومة أمريكيًا بشأن غزة.

فنتنياهو يقبل مبدأ نزع سلاح حماس، لكنه يرفض انسحاب الجيش الإسرائيلي بالتوازي مع عملية نزع السلاح، ويتمسك بعدم الانسحاب قبل تسليم جميع الأسلحة والتحقق الكامل من ذلك.

كما يرفض إقامة دولة فلسطينية، وهو ما يضعه في تعارض واضح مع الموقف السعودي-الفرنسي الذي جمع بين نزع سلاح حماس وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 ووقف الاستيطان.

وتظهر هنا عقدة المرحلة المقبلة: الاتفاق على نزع السلاح لا يعني الاتفاق على ما يأتي بعده. فالسعودية وفرنسا تريان أن النتيجة يجب أن تكون سلطة فلسطينية موحدة ودولة مستقلة، بينما تريد الحكومة الإسرائيلية الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية ورفض المسار السياسي.

أقوى قراءة: الخلاف الحقيقي لم يعد حول سلاح حماس وحده؛ بل حول ما إذا كان نزعه سيفتح طريق الدولة الفلسطينية أم يكرس السيطرة الإسرائيلية على غزة.

القاهرة والعواصم العربية | السودان يعود إلى مجلس الأمن

إلى جانب غزة وحرب إيران، عاد السودان بقوة إلى الاهتمام الدولي والعربي، بعد دفع الولايات المتحدة نحو توسيع عقوبات الأمم المتحدة وحظر السلاح ليشملا السودان كله.

وتقول التقديرات المقدمة إلى مجلس الأمن إن الحرب قتلت أكثر من 59 ألف شخص، وشردت نحو 13 مليونًا، ودفعت مناطق إلى المجاعة، فيما يستمر الدعم الخارجي العسكري والمالي والسياسي لطرفي الصراع.

ويضع المقترح الأمريكي العواصم العربية أمام اختبار صعب؛ إذ يدعو إلى وقف جميع أشكال الدعم الخارجي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، لكنه لا يقدم حتى الآن طريقًا سياسيًا واضحًا يضمن التفاوض أو يحمي مؤسسات الدولة من الانهيار. 

وفي القاهرة، يبقى الاهتمام منصبًا على منع تقسيم السودان، وحماية مؤسساته، ووقف التدخلات الخارجية، بالتوازي مع استمرار الاتصالات لخفض التصعيد في حرب إيران وتنفيذ التفاهمات السابقة بدل الانتقال إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة.

أقوى قراءة: العقوبات قد ترفع كلفة الحرب، لكنها لا تصنع وحدها طاولة تفاوض؛ والخوف العربي هو أن يعاقَب الطرفان بينما يستمر تفكك الدولة.

السعودية في الصحافة العالمية

تصدرت زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، ومشروع القدية قرب باريس، حضور المملكة في الصحافة العالمية اليوم.

وسائل إعلام أمريكية و أوروبية وآسيوية  ركزت على خمسة أبعاد:

الزيارة في الصحافة الفرنسية

منحت الصحافة الفرنسية زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مساحة واسعة، لكن اللافت لم يكن حجم التغطية وحده، بل التحول في اللغة المستخدمة لوصف المملكة وموقعها في الحسابات الفرنسية.

فقد اختارت وسائل إعلام فرنسية عبارة واضحة لتفسير الزيارة: «فرنسا لم تعد تستطيع تجاهل السعودية»، وقدمت ولي العهد بوصفه شريكًا أصبح حضوره ضروريًا لباريس في ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والاستثمار والدفاع والتقنية، وليس ضيفًا تحكم استقباله الاعتبارات البروتوكولية وحدها.

ورأت «لوموند» أن مشروع القدية «الهائل» طغى إعلاميًا حتى على مباحثات الحرب الإيرانية وأزمة مضيق هرمز، وركزت على استثمار الـ6 مليارات يورو والوظائف الـ22 ألفًا، لكنها وضعت المشروع أيضًا داخل صورة أوسع: السعودية أصبحت بوابة للشركات الفرنسية إلى مشروعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية في الخليج والمنطقة.

أما مجلة «لوبوان»، فقد جعلت لقاء ماكرون وولي العهد «صورة اليوم»، وقالت إنهما أقرّا مستقبل موقع «ميرابوليس» القديم، الذي سيعود إلى الحياة من خلال ثلاثة متنزهات تقودها القدية، بعدما ظل مغلقًا منذ عام 1991. ولم تتعامل المجلة مع المشروع بوصفه مرفقًا ترفيهيًا فقط، بل بوصفه إعادة تشكيل لمنطقة فرنسية كاملة من خلال الاستثمار والوظائف والسياحة. 

وركزت «لو نوفيل أوبس» على أن ماكرون نفسه اختار تسليط الضوء على الاستثمار السعودي، ووصفت المشروع بأنه «فرصة تاريخية» لمنطقة سيرجي بونتواز، في ظل الحاجة الفرنسية إلى الوظائف والاستثمارات وتطوير شبكات النقل والخدمات المحيطة بالموقع. لكنها أشارت أيضًا إلى أن المشروع لا يزال في مرحلة الاتفاق الأولي، وأن الجدول الزمني والتصميمات النهائية لم تُعلن بعد.

وذهبت قنوات ومواقع فرنسية أخرى إلى التفاصيل التي تهم القارئ المحلي: شكل المتنزهات، وموقعها، وفرص العمل، والنقل، والفنادق، والموضوعات المحتملة للمرافق الثلاثة. وبذلك انتقلت تغطية الزيارة سريعًا من السياسة الخارجية إلى الحياة اليومية الفرنسية: ماذا سيُبنى؟ وكم وظيفة سيوفر؟ وكيف سيغير المنطقة؟ 

وفي الجانب السياسي، استمرت بعض الصحف والنقابات في استعادة ملف مقتل جمال خاشقجي، واستخدمت تعبير الانتقال «من المنبوذ إلى الشريك الإستراتيجي». لكن هذا الخطاب لم يعد يقود التغطية كما كان في زيارات سابقة؛ إذ سبقه هذه المرة الحديث عن المصالح الفرنسية، والوظائف، وأمن الطاقة، ودور المملكة في أزمات إيران وهرمز وفلسطين ولبنان وسوريا.

والتحول الأهم أن الصحافة الفرنسية لم تعد تسأل فقط: لماذا تستقبل باريس ولي العهد؟ بل أصبحت تسأل: ماذا ستكسب فرنسا من الشراكة مع السعودية؟

وهذا التغيير في السؤال يكشف أن الزيارة لم تثبت عودة ولي العهد إلى الحضور الدولي؛ فهذا أصبح واقعًا سابقًا لها، بل أثبتت انتقال المملكة في الوعي الفرنسي من دولة مهمة يمكن التعاون معها إلى شريك لا تستطيع فرنسا الاستغناء عنه في الاقتصاد والأمن والسياسة الإقليمية.

السعودية مستثمر داخل أوروبا

قدمت الصحافة مشروع القدية بقيمة تصل إلى 6 مليارات يورو بوصفه واحدًا من أكبر المشروعات الترفيهية الأوروبية، وليس مجرد امتداد لمشروع سعودي محلي.

وتوقفت التغطيات عند الرقم الأكثر تأثيرًا في الرأي العام الفرنسي: 22 ألف وظيفة متوقعة، أي أكثر من عدد الوظائف المرتبطة بديزني لاند باريس وفق المقارنات التي نشرتها الصحافة.

وهنا تغيرت الصورة التقليدية؛ فالسعودية لم تعد السوق التي تستقبل العقود الأوروبية فقط، بل أصبحت مصدرًا للاستثمار والوظائف داخل أوروبا. 

أرامكو تدعم الاتجاه المقابل

بالتوازي مع الاستثمار السعودي في فرنسا، اهتمت الصحافة باتفاقات أرامكو التي تجاوزت قيمتها 3.7 مليارات دولار مع شركات فرنسية، وتشمل معدات الحفر والأنابيب والتعاون في الذكاء الاصطناعي الصناعي.

وبذلك ظهرت العلاقة الاقتصادية في اتجاهين: القدية تستثمر داخل فرنسا، والشركات الفرنسية تدخل سلاسل الإمداد والمشروعات السعودية. 

السعودية بوابة الطاقة الآمنة

في تغطية أزمة النفط العالمية، برزت المملكة بوصفها الدولة التي تمتلك بنية تحتية قادرة على نقل جانب من صادرات الخليج بعيدًا عن هرمز، عبر خط الأنابيب شرق-غرب وموانئ البحر الأحمر.

ويزداد هذا الدور أهمية مع تقديرات تفيد بأن قرابة نصف إمدادات النفط العالمية تأتي اليوم من مناطق حرب أو نزاع، وأن الاضطرابات خفضت قدرات التكرير العالمية ورفعت أسعار الوقود والتضخم. 

من استضافة الحدث إلى تصديره

ربطت الصحافة بين إقامة كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس، واستثمار القدية، والحضور المشترك لولي العهد وماكرون في ختام البطولة.

وقُرئ ذلك بوصفه انتقالًا في القوة السعودية الناعمة: المملكة لا تستضيف الأحداث فقط، بل تنقل أحداثها واستثماراتها وخبرتها إلى عواصم أخرى.

الصورة الأوسع

حاولت بعض التغطيات إعادة ملف حقوق الإنسان إلى الواجهة، لكن مركز الثقل الإعلامي بقي عند الاستثمار والوظائف والعقود ومجلس الشراكة الإستراتيجية.

والأهم أن الرئيس الفرنسي نفسه تصدر الدفاع عن المشروع، وشكر السعودية والقدية على ثقتهما بفرنسا ومواهبها ومستقبلها.

وهذه هي الخلاصة التي رسمتها الصحافة العالمية اليوم: السعودية لم تذهب إلى باريس لتشتري فقط، بل ذهبت لتستثمر؛ ولم تظهر بوصفها دولة نفطية فقط، بل شريكًا في الترفيه والتقنية والنقل والذكاء الاصطناعي وصناعة الوظائف الأوروبية.