اليوم 174: الوساطة تحت العقوبات

news image

باكستان تعلن «تقدمًا مهمًا» نحو إنهاء الحرب وفتح هرمز، فيما تهدد إيران بالرد على الحصار الاقتصادي، وواشنطن تبدأ بـ60 هدفًا لكنها تؤجل استخدام سلاح العزل عن الدولار

 

25 أغسطس 2026

متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

ظهر أول تطور دبلوماسي بعد إعلان العقوبات الأمريكية الموسعة من طهران، حيث أعلنت باكستان تحقيق «تقدم مهم» في المحادثات التي أجراها قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير مع القيادة الإيرانية، بهدف منع مزيد من التصعيد، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتسريع إنهاء الحرب.

وقال وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي رافق منير في زيارته، إن المحادثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان كانت «إيجابية ومثمرة»، وإن الرئيس عرض موقف حكومته ومخاوفها بصراحة.

وأفاد بيان للجيش الباكستاني بأن منير التقى، إلى جانب الرئيس الإيراني، رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ووزير الداخلية إسكندر مؤمني، ومحسن رضائي ممثل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي.

وركزت اللقاءات على ثلاثة ملفات: منع اتساع التصعيد، وإعادة فتح مضيق هرمز، والتوصل سريعًا إلى تسوية تفاوضية تنهي الحرب. غير أن الجانب الباكستاني لم يكشف طبيعة التقدم الذي تحقق، أو التنازلات التي أبدت إيران استعدادها لتقديمها، كما لم يصدر تعليق أمريكي مباشر على نتائج الزيارة. وقبل وصوله إلى طهران، أجرى منير اتصالًا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يعزز موقعه بوصفه ناقلًا للرسائل بين الطرفين. 

إيران تهدد بالرد

في المقابل، هددت إيران بالرد على العقوبات الاقتصادية الأمريكية الموسعة التي قالت واشنطن إنها ستقطع شريان الحياة الاقتصادي عن الجمهورية الإسلامية، وأعربت طهران عن ثقتها في أن شركاءها التجاريين الرئيسيين سيقاومون حملة الضغط الأمريكية.

وقال وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده إن الحكومة كانت تنتظر هذه الإجراءات، وإنها أعدت خطة تمتد عامين للتعامل معها، متحدثًا عن الانتقال من الدفاع الاقتصادي إلى ما وصفه بالتحرك الهجومي.

وترافق ذلك مع تهديد عسكري أطلقه مسؤولون إيرانيون باستهداف المصالح الأمريكية إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية لهجمات جديدة، في محاولة لربط الضغط المالي باحتمال التصعيد العسكري.

ستون هدفًا

كشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن المرحلة الأولى من الإجراءات، التي استهدفت نحو 60 فردًا وكيانًا وسفينة مرتبطة بعائدات النفط الإيراني، وشراء الأسلحة، والعمليات الإلكترونية، وشبكات الشحن والتمويل.

وشملت الإجراءات شركات وأصولًا في الصين وهونغ كونغ وسنغافورة والإمارات وأوروبا، من بينها شركات مرتبطة بشبكة تجارة النفط والشحن التي يديرها رجل الأعمال الإيراني محمد حسين شمخاني.

لكن بيسنت لم يذهب إلى أقصى ما سبق أن لوّح به؛ فلم يعلن حتى الآن استبعاد دول أو مصارف صينية كبرى من النظام المالي القائم على الدولار، ولم يحدد الدول التي ستخضع للعقوبات الثانوية أو موعد دخولها حيز التنفيذ.

وقال إن الدول التي تواصل التجارة مع إيران تخاطر بإبعاد مؤسساتها عن النظام المالي الدولاري، لكنه أشار إلى منحها مهلة للامتثال للتوجيهات الجديدة.

ويمثل ذلك فارقًا بين العقوبات التي بدأت بالفعل، وشملت الأفراد والشركات والسفن الستين، وبين الحصار المالي الأوسع الذي ما زال في صورة تهديد للدول والمؤسسات المتعاملة مع إيران.

وبذلك، لم يكن إعلان الاثنين «الضربة الاقتصادية الكاملة» التي سبقه الترويج لها، بل بداية متدرجة لحملة تحاول واشنطن من خلالها دفع شركاء إيران إلى الانسحاب، قبل الانتقال إلى معاقبتهم.

تفاصيل في بث: واشنطن تطلق «المنبوذ الاقتصادي»

الصين خارج الضربة الأولى

أوضح بيسنت أنه تجنب، في المرحلة الأولى، استهداف المصارف الصينية الكبرى؛ تفاديًا لاضطراب واسع في النظام المالي العالمي، رغم أن الصين تمثل المشتري الأكبر للنفط الإيراني.

وهنا تظهر أول حدود الحملة الأمريكية: فالولايات المتحدة تستطيع معاقبة السفن والشركات والوسطاء، لكنها إذا أرادت وقف التجارة الإيرانية فعليًا، ستحتاج إلى مواجهة اقتصادية مباشرة مع الصين وغيرها من الاقتصادات التي ترفض العقوبات الأحادية.

وقد جددت بكين رفضها الإجراءات الأمريكية، وأكدت أنها ستحمي مصالحها المشروعة، فيما راهنت طهران على أن الصين وشركاءها التجاريين لن يقبلوا الخضوع الكامل للطلب الأمريكي.

ضغط في اتجاهين

بينما تضغط واشنطن على الاقتصاد الإيراني، تحاول طهران نقل الضغط إلى حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.

وكانت إيران قد أدرجت 45 ناقلة على قائمة مخالفة لقواعد العبور التي فرضتها في المضيق، وهددت بتغريمها أو احتجازها أو مصادرة حمولاتها، مع توسيع العقوبات لتشمل السفن التي تتعاون معها في نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى.

وتشمل القائمة ناقلات نفط وغاز عملاقة، بعضها مرتبط بشركات خليجية وآسيوية، ما يعني أن طهران بدأت تحويل التهديد العام إلى قوائم وأهداف بحرية محددة.

ماذا يعني «التقدم»؟

يأتي الحديث الباكستاني عن تقدم في المفاوضات وسط حركتين متعاكستين: واشنطن تبدأ خنق إيران اقتصاديًا، وطهران توسع قدرتها على تهديد السفن وتجارة النفط.

ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لنتائج زيارة المشير عاصم منير لن يكون في وصف المحادثات بأنها إيجابية، بل في ظهور خطوات قابلة للقياس:

  • قبول إيران زيادة حركة السفن في مضيق هرمز.
  • تجميد تنفيذ التهديدات ضد الناقلات المدرجة في قوائمها.
  • تحديد موعد لجولة تفاوض أمريكية-إيرانية.
  • الاتفاق على صيغة مرحلية تعيد العمل بتفاهم يونيو.
  • توقف واشنطن مؤقتًا عن نقل العقوبات من الشركات إلى الدول والمصارف الكبرى.

الخلاصة

دخلت الحرب في يومها الـ174 مرحلة تجمع الوساطة والتهديد في اللحظة نفسها.

فباكستان تتحدث عن تقدم مهم، لكن طهران لم تعلن فتح المضيق، وواشنطن أعلنت عقوبات جديدة، لكنها لم تستخدم بعد أقسى أسلحتها ضد الدول والمصارف التي تتعامل مع إيران.

وهذا يعني أن الطرفين أبقيا مساحة صغيرة للحركة: الولايات المتحدة احتفظت بالعزل عن الدولار للمرحلة التالية، وإيران هددت بالرد لكنها واصلت استقبال الوسطاء.

لقد بدأ الضغط الاقتصادي بالفعل، لكن «يوم الإنزال» لم يكتمل. وبدأت الوساطة تتحرك، لكن طريق السلام لم يُفتح بعد.