زيارة ولي العهد إلى فرنسا | تغطية بث

news image

زيارة رسمية تضع العلاقات السعودية الفرنسية أمام مرحلة تنفيذية جديدة، تتصدرها مباحثات ولي العهد والرئيس إيمانويل ماكرون، والاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية، وتوقيع اتفاقيات جديدة تربط القرار السياسي بالاستثمار وقادة الأعمال

باريس | 24 أغسطس 2026

متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الاثنين، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس، إيذانًا ببدء المحطة السياسية الأهم في الزيارة الرسمية لفرنسا.

وجرت مراسم استقبال ولي العهد بحضور حرس الشرف، قبل أن يتوجه والرئيس الفرنسي إلى عقد مباحثاتهما الثنائية، تمهيدًا للاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، ومراسم توقيع الاتفاقيات بين البلدين.

وكان ولي العهد قد بدأ برنامجه الرسمي اليوم بزيارة متحف الجيش في مجمع الإنفاليد التاريخي، حيث استقبله رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، وأُقيمت له مراسم رسمية تخللتها التحية العسكرية واستعراض حرس الشرف.

ويجمع برنامج ولي العهد في باريس مسارات سياسية واقتصادية واستراتيجية متزامنة؛ تتصدرها المباحثات مع الرئيس ماكرون، ومجلس الشراكة الاستراتيجية، وتوقيع عدد من الاتفاقيات، إلى جانب اجتماع الطاولة المستديرة السعودي الفرنسي للاستثمار بمشاركة مسؤولين وقادة أعمال من البلدين.

وتأتي الزيارة الرسمية تلبية لدعوة من الرئيس الفرنسي، في مرحلة تسعى فيها الرياض وباريس إلى نقل علاقاتهما من التفاهم السياسي والتعاون القطاعي إلى شراكة مؤسسية تمتلك آليات للمتابعة والتنفيذ، وتربط قرارات القيادتين ببرامج الحكومات ومشروعات الشركات والاستثمارات المتبادلة.

استقبال الإنفاليد

استهل ولي العهد برنامجه الرسمي اليوم بزيارة متحف الجيش في مجمع الإنفاليد، أحد أبرز المعالم العسكرية والتاريخية في فرنسا، حيث كان في استقباله رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو.

وأُقيمت لولي العهد مراسم استقبال رسمية في ساحة الشرف، تضمنت أداء التحية العسكرية واستعراض حرس الشرف، قبل انتقاله إلى قصر الإليزيه للقاء الرئيس إيمانويل ماكرون.

دلالة الإنفاليد

لم يكن استقبال ولي العهد في ساحة الشرف بالمجمع الوطني للإنفاليد مجرد إجراء بروتوكولي؛ فالموقع يمثل في العرف الفرنسي رمزًا للدولة وتاريخها العسكري، وتُقام فيه مراسم التكريم المخصصة لرؤساء الدول وكبار القادة.

ويعكس أداء التحية العسكرية واستعراض حرس الشرف، بحضور رئيس الوزراء الفرنسي، مرتبة الزيارة ومكانة المملكة لدى فرنسا؛ إذ يُوجَّه التكريم إلى الدولة التي يمثلها الضيف، لا إلى شخصه وحده.

كما حمل ترتيب البرنامج دلالة واضحة: بدأت الزيارة بالتكريم السيادي والعسكري في الإنفاليد، ثم انتقلت إلى المباحثات وصناعة القرار في قصر الإليزيه.

ولا تعني المراسم وحدها قيام تحالف عسكري، لكنها تمثل أعلى درجات الاحترام البروتوكولي والاستقبال الرسمي في فرنسا.

قمة الإليزيه

بدأت في قصر الإليزيه المباحثات بين ولي العهد والرئيس إيمانويل ماكرون، لبحث العلاقات السعودية الفرنسية وسبل توسيع التعاون بين البلدين، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.

وتكتسب المباحثات أهمية خاصة في ضوء التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، والتحديات المرتبطة بأمن المنطقة والطاقة والممرات البحرية، وما تفرضه من تنسيق مستمر بين الرياض وباريس.

ويشمل التعاون بين البلدين مجالات الدفاع والطاقة والنقل والطيران والصحة والتقنيات المتقدمة والصناعات والاستثمارات المتبادلة، إضافة إلى مشاركة الشركات الفرنسية في مشروعات رؤية السعودية 2030.

وتنظر فرنسا إلى المملكة بوصفها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة وشريكًا أساسيًا في استقرار المنطقة، فيما تنظر الرياض إلى باريس بوصفها شريكًا دوليًا يمتلك قدرات صناعية وتقنية ودفاعية، وحضورًا سياسيًا مؤثرًا داخل أوروبا ومجلس الأمن.

مجلس الشراكة

وتتمثل المحطة المؤسسية الأبرز في الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، برئاسة ولي العهد والرئيس الفرنسي.

وكان البلدان قد أعلنا إنشاء المجلس خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2024، بهدف توفير مظلة مؤسسية للعلاقات الثنائية، وتحديد الأولويات، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات والمشروعات المشتركة.

ويشير انعقاد الاجتماع الأول برئاسة القيادتين إلى انتقال المجلس من مرحلة التأسيس السياسي إلى العمل الفعلي، وبدء بناء مسار منتظم يجمع الملفات السياسية والاقتصادية والدفاعية والثقافية والتقنية ضمن إطار واحد.

ولا تكمن أهمية المجلس في إضافة قناة جديدة للاجتماعات، بل في قدرته على منع الاتفاقيات من البقاء تفاهمات منفصلة، وتحويلها إلى برنامج متكامل يخضع للمتابعة، وقياس الإنجاز، وتحديد المسؤوليات.

وبذلك تنتقل العلاقات بين المملكة وفرنسا من شراكة تتحرك مع الزيارات الرسمية، إلى شراكة تمتلك مؤسسة دائمة تعمل بين زيارة وأخرى.

اتفاقيات جديدة

يشهد قصر الإليزيه مراسم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين، في مجالات تشمل الصحة والنقل والطاقة والتقنيات المتقدمة والطيران والتعاون الصناعي والاستثمار.

وكانت الزيارة قد شهدت توقيع اتفاقية للتعاون في المجال الرياضي بين الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل، وزير الرياضة، ومارينا فيراري، وزيرة الرياضة والشباب والحياة المجتمعية الفرنسية، بالتزامن مع الحضور السعودي المتنامي في الصناعات الرياضية والترفيهية العالمية.

الاستثمار يجتمع

وتستضيف باريس اجتماع الطاولة المستديرة السعودي الفرنسي للاستثمار، الذي تنظمه وزارة الاستثمار، بمشاركة عدد من المسؤولين الحكوميين وقادة الأعمال والرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات السعودية والفرنسية.

ويتضمن الاجتماع حوارات استراتيجية حول الشراكات الصناعية، والنقل والخدمات اللوجستية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، إضافة إلى استعراض الفرص الاستثمارية والمشروعات القابلة للتنفيذ في البلدين.

ومن المقرر أن يشهد الاجتماع توقيع مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بما يوسع مشاركة القطاع الخاص في العلاقات الثنائية، وينقل الفرص المعروضة من نطاق التعريف والترويج إلى بناء شراكات ومشروعات فعلية.

وتمنح الطاولة المستديرة الزيارة بُعدًا اقتصاديًا مباشرًا؛ فالقرار السياسي الذي يصدر عن الإليزيه يحتاج إلى الشركات والتمويل والتقنية حتى يتحول إلى أثر اقتصادي قابل للقياس.

من الرياض إلى باريس

تمثل زيارة ولي العهد إلى فرنسا امتدادًا للنتائج التي أسفرت عنها زيارة الرئيس ماكرون للمملكة في ديسمبر 2024، لكنها لا تكتفي باستكمال ما بدأ في الرياض.

فالمشهد في باريس يجمع خمسة مستويات في يوم واحد: الاستقبال الرسمي، والمباحثات السياسية، ومجلس الشراكة، وتوقيع الاتفاقيات، واجتماع المستثمرين.

ويكشف هذا الترتيب أن البلدين لا يسعيان إلى إنتاج إعلان سياسي جديد فحسب، بل إلى بناء سلسلة تنفيذ تبدأ من قرار القيادتين، وتنتقل إلى المجلس والوزارات، ثم تصل إلى الشركات والمشروعات.

كما تعكس الزيارة اتساع الحضور السعودي في فرنسا؛ من السياسة والاستثمار والدفاع والطاقة، إلى الثقافة والرياضة والترفيه والتقنيات الحديثة، بالتزامن مع تطور موقع المملكة في الاقتصاد العالمي واستعدادها لاستضافة مناسبات دولية كبرى.

مرحلة التنفيذ

لا تُقاس أهمية زيارة ولي العهد بعدد مراسمها، بل بما تؤسسه لما بعدها.

فإذا وضع مجلس الشراكة أولويات واضحة وجداول للمتابعة، وتحولت الاتفاقيات إلى مشروعات محددة بقيم ومسؤوليات ومواعيد، فستكون زيارة باريس نقطة انتقال في العلاقات السعودية الفرنسية؛ من شراكة واسعة في عناوينها إلى شراكة منظمة في أدواتها ونتائجها.

لقد بدأ المسار في الرياض بإعلان المجلس، ويبدأ في باريس اختباره التنفيذي.

أما الحكم الكامل على حصيلة الزيارة، فينتظر ما سيصدر عن مباحثات القيادتين، والاجتماع الأول لمجلس الشراكة، والقائمة النهائية للاتفاقيات والمشروعات الاستثمارية.

 

اتفاقيات سعودية فرنسية تشمل الطاقة والصناعة والذكاء الاصطناعي وتمويل شبكة الكهرباء وطائرات إيرباص، ومشروعًا ترفيهيًا قرب باريس باستثمارات تبلغ 6 مليارات يورو

أُعلن، على هامش زيارة الدولة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى فرنسا، توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والحلول التمويلية في قطاعي الطاقة والصناعة، بما يعزز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين المملكة والجمهورية الفرنسية، ويدعم فرص الشراكة بين الشركات والمؤسسات في البلدين.

وجاء الإعلان ضمن أعمال الطاولة المستديرة السعودية الفرنسية، التي جمعت مسؤولين حكوميين وقادة أعمال ورؤساء تنفيذيين من البلدين، بهدف تحويل التفاهمات السياسية والاستراتيجية إلى مشروعات واستثمارات قابلة للتنفيذ.

3.7 مليارات دولار

شملت الاتفاقيات توقيع عقود شراء بين شركة أرامكو السعودية وكل من شركتي «SLB» و«Vallourec» الفرنسيتين، لتوريد مواد حفر آبار البترول والغاز والأنابيب الفولاذية المستخدمة في حقول البترول والغاز، بقيمة إجمالية بلغت نحو 3.7 مليارات دولار.

وتمنح الاتفاقيات الشركات الفرنسية حضورًا أكبر في سلاسل إمداد قطاع الطاقة السعودي، فيما تدعم احتياجات أرامكو من المعدات والمواد المرتبطة بأعمال الحفر والإنتاج وتطوير الحقول.

الذكاء الاصطناعي

وقّعت شركة أرامكو الرقمية مذكرة تفاهم مع شركة «Dassault Systèmes» الفرنسية، للتعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التوأم الافتراضي الرقمي والتقنيات المرتبطة بها.

وتشمل المذكرة دراسة التطبيقات المحتملة لهذه التقنيات في قطاع البترول والغاز، بما يتيح بناء نماذج رقمية للمنشآت والعمليات، ورفع كفاءة التشغيل والصيانة، وتحسين القدرة على التنبؤ بالأعطال وإدارة الأصول.

ويكشف الاتفاق اتساع الشراكة من شراء المعدات والخدمات إلى التعاون في التقنيات المتقدمة، وربط قطاع الطاقة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي الصناعي.

3 مليارات للكهرباء

وفي قطاع الكهرباء، وقّعت الشركة السعودية للطاقة اتفاقية تعاون وتمويل مع البنك الاستثماري الوطني الفرنسي «Bpifrance»، لدعم تطوير شبكة الكهرباء في المملكة وتحديثها.

وتستند الاتفاقية إلى مذكرة تفاهم موقعة في نوفمبر 2025 بشأن إنشاء تسهيل مالي تصل قيمته إلى 3 مليارات دولار، بهدف توفير إطار تمويلي يدعم برنامج مشتريات الشركة ومشروعات البنية التحتية للطاقة الكهربائية.

ولا تمثل القيمة بالضرورة تمويلًا مصروفًا بالكامل؛ بل سقفًا للتسهيل المالي يمكن استخدامه في تمويل المشتريات والمشروعات المؤهلة وفق الإجراءات والاتفاقيات التنفيذية.

ويكتسب هذا المسار أهمية مع توسع الطلب على الكهرباء في المملكة، ونمو المشروعات الصناعية والعمرانية ومراكز البيانات، والحاجة إلى تحديث شبكات النقل والتوزيع ورفع قدرتها التشغيلية.

تمويل طائرات إيرباص

وأبرم بنك التصدير والاستيراد السعودي مذكرة تفاهم ثلاثية مع مجموعة السعودية وبنك «Crédit Agricole CIB»، تستهدف ترتيب حلول تمويلية لاستحواذ المجموعة على طائرات جديدة من شركة إيرباص.

وسيوفر بنك التصدير والاستيراد السعودي، بصفته وكالة ائتمان للصادرات السعودية، التغطية التأمينية لمخاطر الائتمان المرتبطة بالصفقة، بما يقلل المخاطر التمويلية ويساعد على استقطاب التمويل المصرفي الدولي.

وتمثل المذكرة خطوة نوعية تجمع بين التمويل المصرفي الدولي وأدوات ائتمان الصادرات الوطنية، وتفتح قنوات جديدة أمام الشركات والمشروعات المرتبطة بالصادرات السعودية للوصول إلى مصادر التمويل الدولية.

كما تدعم خطط مجموعة السعودية لتنمية أسطولها وتحديثه، وزيادة قدراتها التشغيلية، وتوسيع شبكة وجهاتها في الأسواق الدولية، بالتزامن مع نمو حركة الطيران والسياحة في المملكة.

6 مليارات يورو

واتسعت الحصيلة الاستثمارية للزيارة بإعلان اتفاق سعودي فرنسي على تطوير مشروع ترفيهي ضخم بالقرب من منطقة سيرجي بونتواز، شمال غربي باريس، باستثمارات تبلغ نحو 6 مليارات يورو.

ويُتوقع أن يوفر المشروع قرابة 22 ألف فرصة عمل، وأن يضم ثلاث مدن ترفيهية، بينها مشروع مستوحى من عالم سلسلة «دراغون بول زد»، فيما يتولى تمويله كيان سعودي يعمل في قطاعي الترفيه والاستثمار.

ويمنح المشروع الاستثمارات السعودية في فرنسا مسارًا جديدًا؛ إذ ينقلها من القطاعات التقليدية إلى صناعة الترفيه والسياحة، ويعكس تحول المملكة إلى مستثمر دولي في الصناعات التي تمزج المحتوى بالتقنية والتجارب الجماهيرية.

ولا تزال بعض التفاصيل التنفيذية للمشروع، بما فيها الجدول الزمني للإنشاء والافتتاح والترتيبات النهائية للتطوير والتشغيل، في انتظار الإعلان الرسمي.

شراكة دفاعية

وشملت النتائج الأولية للزيارة توقيع مذكرة تفاهم للشراكة في المجال الدفاعي، بما يدعم توسيع التعاون بين البلدين في أحد أبرز الملفات الاستراتيجية في علاقاتهما.

ويضيف المسار الدفاعي بعدًا جديدًا إلى الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، الذي يستهدف جمع ملفات التعاون السياسي والاقتصادي والدفاعي والثقافي والتقني تحت مظلة مؤسسية واحدة، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات بين زيارة وأخرى.

توضح الاتفاقيات المعلنة أن حصيلة الزيارة لا تقوم على عدد مذكرات التفاهم فقط، بل على تنوع أدواتها؛ من عقود الشراء المباشر، والتسهيلات المالية، وتأمين ائتمان الصادرات، إلى نقل التقنية والاستثمار السعودي المباشر داخل فرنسا.

كما تجمع الاتفاقيات بين احتياجات الاقتصاد السعودي في الطاقة والطيران والبنية التحتية، ومصالح الشركات والمؤسسات المالية الفرنسية في الوصول إلى السوق السعودية والمشاركة في مشروعاتها الكبرى.

وعلى المستوى السياسي، تناولت مباحثات ولي العهد والرئيس إيمانويل ماكرون تطورات الشرق الأوسط، وأمن المنطقة والطاقة والممرات البحرية، والحرب في غزة، والمسار السياسي المؤدي إلى حل الدولتين.

أظهرت توافقًا على دعم تنفيذ الالتزامات المتعلقة بوقف الحرب في غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، واستكمال المسار المؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية، إلى جانب مواصلة التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية.

الرياض وباريس تعيدان رسم الشراكة

مجلس إستراتيجي وإعلان دفاعي و21 اتفاقية ومذكرة تفاهم، ومشروع سعودي في فرنسا بقيمة تصل إلى 6 مليارات يورو.. وموقف مشترك يطالب بإعادة الملاحة في هرمز إلى طبيعتها بلا رسوم أو قيود

صدر بيان مشترك في ختام زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى الجمهورية الفرنسية، كشف عن انتقال العلاقات بين الرياض وباريس إلى مرحلة أكثر اتساعًا وتنظيمًا، تجمع بين التنسيق السياسي والأمني والدفاعي، وتعزيز الاستثمارات والتعاون في الطاقة والتقنيات الناشئة والثقافة والرياضة.

وفيما يلي نص البيان:

قام صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بزيارة دولة للجمهورية الفرنسية في المدة 10-11 ربيع الأول 1448هـ، الموافق 23-24 أغسطس 2026م، التقى خلالها بفخامة رئيس الجمهورية الفرنسية السيد إيمانويل ماكرون، وعقدا جلسة مباحثات رسمية، أكد خلالها القائدان تطلعهما لتعزيز الشراكة الإستراتيجية القائمة بين البلدين، منوهين بالعمق التاريخي للعلاقات بين البلدين، ومرور مئة عام على إقامة العلاقات السياسية بينهما.

وجدّد الجانبان تأكيد تطلعهما المشترك إلى أن تسهم الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، التي جرى الإعلان عن تأسيسها خلال زيارة الدولة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية السيد إيمانويل ماكرون إلى المملكة العربية السعودية في المدة 2-4 ديسمبر 2024م، في تعزيز روابط الصداقة، وترسيخ الثقة والاحترام المتبادل بينهما، بما يخدم مصالحهما المشتركة، ويلبي متطلبات مواجهة التحديات الراهنة التي تواجه منطقة الشرق الأوسط والعالم.

وترأس القائدان الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي-الفرنسي، حيث أطلقا بهذه المناسبة مبادرات جديدة، دُوّنت تفاصيلها في محاضر أعمال المجلس، تهدف إلى توثيق أواصر التعاون بينهما في جميع المجالات.

وأعرب القائدان عن رؤيتهما المشتركة لإرساء دعائم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، القائمة على أساس صون سيادة الدول، واحترام أحكام القانون الدولي، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للنزاعات ومواجهة التهديدات الأمنية.

وتم تبادل وجهات النظر حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك على النحو التالي:

الأمن الإقليمي

شدّد الجانبان على أهمية التوصل إلى حل تفاوضي؛ لتجنب المزيد من التصعيد، وضمان استتباب الأمن الإقليمي. وجدّدا تأكيد التزامهما الراسخ بالحل الدبلوماسي الذي يكفل سلمية البرنامج النووي الإيراني، داعيين إيران إلى استئناف التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

مضيق هرمز

أدان الجانبان الهجمات التي تستهدف السفن في مضيق هرمز، والتهديدات التي تمس أمن الممرات المائية؛ مشددين على الأهمية البالغة لإعادة حركة الملاحة في المضيق إلى وضعها الطبيعي الذي كانت عليه قبل الثامن والعشرين من فبراير 2026م، من حيث حرية الملاحة، وانتظام حركة الشحن البحري، وعدم فرض أي رسوم مباشرة أو غير مباشرة، أو قيود على العبور، وفق القانون الدولي.

القضية الفلسطينية

رحب الجانبان بالإعلان عن الاتفاق القاضي بنزع سلاح حركة حماس، ودعوا إلى تنفيذ بنوده. وشددا على أهمية تهيئة الظروف الملائمة لإرساء وقف مستدام لإطلاق النار، بما يضمن تدفق المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في قطاع غزة بشكل عاجل وآمن ودون أي عوائق.

وأكدا الأهمية البالغة لصون وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفضهما القاطع لأي محاولات لتقويض حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967م.

ودعا الجانبان إلى وضع حد لسياسة الاستيطان الإسرائيلية، ووقف عنف المستوطنين الذي يهدد حل الدولتين. وجددا التزامهما التام بالتنفيذ الكامل لمضامين «إعلان نيويورك».

وأكدا دعمهما لجدول أعمال الإصلاح الخاص بالسلطة الفلسطينية، ورحبا بالإعلان عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في فلسطين.

الشأن اللبناني

اتفق الجانبان على تكثيف جهودهما للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في لبنان، وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه.

وأشاد الجانبان بالخطوات التي اتخذها فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية السيد جوزيف عون، والحكومة اللبنانية برئاسة دولة رئيس الوزراء السيد نواف سلام، لإعادة بناء مؤسسات الدولة وبسط سلطتها.

وجدّد الجانبان التزامهما بدعم القوات المسلحة اللبنانية والأجهزة الأمنية؛ بهدف تمكينها من أداء مسؤولياتها الوطنية بشكل كامل.

وشددا على أهمية التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، وضرورة إتمام نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة بشكل كامل. وأكدا ضرورة انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية.

الشأن اليمني

أكد الجانبان مجددًا دعمهما لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، وجهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل شامل للأزمة.

وأدانا استهداف الحوثيين للبنية التحتية المدنية والمنشآت الحيوية في المملكة، وهجماتهم على السفن التجارية. وأكدا عزمهما على الحفاظ على حرية الملاحة البحرية.

كما شددا على أن الأعمال الاستفزازية للحوثيين تفاقم المعاناة الإنسانية للشعب اليمني.

وأكد الجانب الفرنسي تضامنه ودعمه الكامل للمملكة العربية السعودية، وشدد على رفضه أي اعتداءات على أراضي المملكة.

الشأن السوداني

شدد الجانبان على أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الأزمة ووقف التدخلات الخارجية في السودان، بما يضمن أمنه واستقراره، ويحافظ على سيادته واستقلاله، ويصون سلامة أراضيه ومؤسساته.

الشأن السوري

شدد الجانبان على التزامهما بوحدة سوريا واستقرارها وتعافيها الاقتصادي، وسلطا الضوء على أهمية وجود إطار مؤسسي قوي يفضي إلى تكثيف الاستثمارات الاقتصادية، وإتاحة الفرصة لإعادة تموضع سوريا بوصفها جسرًا يربط بين أوروبا والخليج وآسيا من خلال بناء طرق بديلة.

ورحبا، بشكل خاص، بتأسيس «مجلس أعمال سعودي-سوري-فرنسي مشترك».

التعاون الدفاعي

وامتدادًا لتعاونهما الدفاعي التاريخي، اعتمد الجانبان إعلانًا لتعزيز التعاون الدفاعي بينهما، بما في ذلك مجالات التسليح والتدريب، وعبرا عن التزامهما بتعزيز التنسيق المشترك لتحقيق المصالح المشتركة، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين.

التجارة والطاقة

أشاد الجانبان بقوة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، مشيدين بنمو التجارة الثنائية التي بلغت نحو 11.8 مليار دولار في عام 2025م.

وفي مجال الطاقة، أكد الجانبان أهمية استقرار أسواق الطاقة العالمية، وأمن الإمدادات، وحماية الممرات البحرية، مشيدين بدور المملكة وجهودها في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد واستدامة مصادر الطاقة.

وأكدا ضرورة تعزيز التعاون الإستراتيجي في مجالات النفط والبتروكيماويات، والتوليد المستدام للكهرباء، بما في ذلك كفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، وتخزين الطاقة، والطاقة النووية السلمية، والهيدروجين النظيف، وتقنيات خفض الانبعاثات وإزالتها، بالإضافة إلى بناء القدرات في هذه المجالات.

واتفقا على أهمية التعاون في قضايا المناخ وحلول التقنيات ذات الصلة. وأشاد الجانبان بالعلاقات التجارية القائمة في هذه المجالات، والمشروعات المشتركة بين البلدين، وأكدا ضرورة تعزيزها.

الاستثمارات المتبادلة

اتفق الجانبان على تعزيز علاقاتهما الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة؛ حيث أصبحت فرنسا مستثمرًا رئيسًا في المملكة، لا سيما في قطاعات الطاقة وإدارة المياه والنقل والخدمات اللوجستية.

وشددا على أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات المالية ومؤسسات التأمين والتمويل في البلدين.

وفي هذا الصدد، رحب الجانبان بتوقيع شركة القدية للاستثمار مذكرة تفاهم لاستكشاف فرص تطوير وجهة عالمية كبرى متعددة الاستخدامات والمتنزهات في منطقة سيرجي بونتواز «Cergy-Pontoise»، ضمن إقليم إيل دو فرانس «Île-de-France»، تجمع ضمن وجهة متكاملة جديدة بين الترفيه والتجارب الترويحية والضيافة والثقافة والرياضة.

وتتضمن التصورات الأولية للمشروع ما يصل إلى ثلاثة مرافق ترفيهية رئيسة، إلى جانب الفنادق والتجارب الترويحية المتكاملة، بمبلغ يصل إلى نحو 6 مليارات يورو على مدى فترة المشروع.

واتفق الجانبان على إنشاء إطار مالي مخصص وفعّال لدعم المشروعات التي تنفذها الشركات الفرنسية في المملكة العربية السعودية.

التقنيات الناشئة

اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والتقنيات الناشئة، وبناء القدرات.

العلا حتى 2035

وتجسيدًا لمتانة هذه الشراكة، أكد الجانبان أهمية تعاونهما الاستثنائي في العلا، في إطار رؤية المملكة 2030، خاصة في مجالات الآثار والتراث والثقافة.

وفي هذا الصدد، قرر الجانبان تمديد الشراكة السعودية-الفرنسية بشأن العلا حتى عام 2035م، في إطار متطور يعكس متانة التعاون بين البلدين، والاستفادة من الفرص التي تتيحها العلا بوصفها وجهة ثقافية وتراثية بارزة في القرن الحادي والعشرين.

الثقافة والرياضة

رحب الجانبان بنجاح النسخة الثالثة من بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية التي أقيمت في باريس صيف هذا العام 2026م، وأكدا التزامهما بتعزيز التعاون والشراكة في مجالات الثقافة والشباب والرياضة، وتطوير برامج وأنشطة مشتركة في هذه المجالات بين البلدين.

إكسبو 2030 الرياض

وفي إطار معرض إكسبو 2030 الرياض الذي تنظمه المملكة العربية السعودية، رحب صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وفخامة رئيس الجمهورية الفرنسية بمشاركة فرنسا في هذا الحدث التاريخي للمملكة، واتفقا على أن يكون محطة بارزة في العلاقات السعودية-الفرنسية، من خلال إشراك الجهات المعنية من البلدين.

21 اتفاقية ومذكرة تفاهم

تم خلال الزيارة التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات الدفاع، والصحة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الناشئة، والترفيه.

ورحب الجانبان بنتائج اجتماع «الطاولة المستديرة السعودية-الفرنسية للاستثمار»، الذي اختُتم بحضور صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وفخامة رئيس الجمهورية الفرنسية السيد إيمانويل ماكرون، ومشاركة كبار الرؤساء التنفيذيين وممثلي القطاع الخاص من البلدين.

وجرت خلال الاجتماع مناقشة المشروعات المشتركة والآفاق المستقبلية للتعاون بين البلدين، وبحث فرص التعاون والاستثمار في عدد من القطاعات الحيوية، بما فيها الطاقة، والصناعة، والخدمات المالية، والنقل والخدمات اللوجستية، والصحة، والثقافة، والسياحة، والذكاء الاصطناعي.

ورحب الجانبان بالإعلان عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم في العديد من القطاعات، مما يعكس تنامي الشراكة الاقتصادية بين البلدين، ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون والاستثمار المشترك.

تعليق

لا يختتم البيان زيارة سياسية فحسب، بل يعلن انتقال العلاقات السعودية-الفرنسية من التعاون المتعدد إلى شراكة مؤسسية ذات أدوات تنفيذية؛ مجلس إستراتيجي يقوده ولي العهد والرئيس الفرنسي، وإعلان دفاعي، وإطار مالي، واستثمارات متبادلة، واتفاقيات تمتد من الطاقة والتسليح إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية.

وتبرز في البيان معادلة جديدة تقوم على تبادل المصالح في الاتجاهين؛ ففرنسا ليست مستثمرًا في المملكة فقط، بل تدخل القدية إلى فرنسا بمشروع قد تصل قيمته إلى 6 مليارات يورو. وهذا التحول يمنح الشراكة قدرًا أكبر من التوازن، ويقدم الاستثمار السعودي بوصفه قوة اقتصادية تتجاوز تمويل المشروعات إلى صناعة الوجهات ونقل الخبرة السعودية إلى الأسواق العالمية.

سياسيًا، جاءت فقرة مضيق هرمز الأكثر اتصالًا بالأزمة الراهنة؛ إذ لم يكتف الجانبان بالدعوة إلى حرية الملاحة، بل حددا بوضوح شكل العودة المطلوبة: حركة طبيعية كما كانت قبل 28 فبراير 2026، وانتظام الشحن، وعدم فرض رسوم مباشرة أو غير مباشرة، أو إخضاع العبور لأي قيود. وبذلك يرفض البيان عمليًا محاولات تحويل المضيق من ممر دولي إلى أداة تفاوض أو جباية أو نفوذ سياسي.

كما يعكس البيان اتساع الحضور السعودي في ملفات المنطقة؛ من فلسطين ولبنان واليمن والسودان وسوريا إلى أمن الطاقة والممرات البحرية. وفي المقابل، رسخت فرنسا التزامًا واضحًا بأمن المملكة، وأعلنت تضامنها الكامل معها ورفضها أي اعتداء على أراضيها.

وبين السياسة والدفاع والاقتصاد والثقافة، تبدو خلاصة الزيارة واضحة: الرياض وباريس لا توسعان قائمة مجالات التعاون فقط، بل تبنيان بنية دائمة للشراكة، قادرة على تحويل التفاهمات بين القيادتين إلى مشروعات ومواقف وقرارات قابلة للتنفيذ والقياس.