اليوم 173: العقوبات تقترب وإيران تشتري الوقت

news image

واشنطن تستعد لإعلان أوسع حصار مالي على طهران، وإيران تواجهه بأربعة مسارات متزامنة: تهديد الدول، وتقنين العبور في هرمز، واستدعاء الوسطاء، وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا

 

24 أغسطس 2026

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

تنتظر إيران والعالم، مساء اليوم الاثنين، إعلان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تفاصيل ما وصفته واشنطن بأقسى حزمة عقوبات تفرض على طهران.

ويُنتظر أن يعقد بيسنت مؤتمره عند الثانية بعد الظهر بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، التاسعة مساء بتوقيت الرياض؛ ولهذا لم تدخل الحرب الاقتصادية الأمريكية مرحلتها الجديدة فعليًا بعد، وما هو متاح حتى الآن إعلان عن هجوم اقتصادي لم تُكشف أدواته وقوائمه وآليات تنفيذه.

لكن إيران لم تنتظر التفاصيل.

فخلال الساعات السابقة للإعلان، وزعت طهران ردها على أربعة مسارات تبدو متناقضة ظاهريًا، لكنها تخدم هدفًا واحدًا: تأخير الحصار، ورفع كلفته، ومنع تشكل جبهة دولية موحدة حوله.

تهدد الدول التي قد تنضم إلى العقوبات.

وتضع قواعد إيرانية لعبور مضيق هرمز.

وتستقبل قائد الجيش الباكستاني وسيطًا.

وفي الوقت نفسه، تتحدث عن الحوار والعودة إلى تفاهم يونيو.

ليست هذه مواقف متفرقة، بل إدارة إيرانية للوقت في الساعات التي تسبق أخطر اختبار اقتصادي لها منذ اندلاع الحرب.

العقوبات لم تبدأ بعد

ما أعلنته واشنطن حتى الآن هو النية والحجم السياسي المتوقع، لا القائمة التنفيذية الكاملة.

وتشير تصريحات بيسنت إلى أن الحزمة لن تكتفي باستهداف مؤسسات داخل إيران، بل ستلاحق ما بقي لطهران من روابط خارجية: مشتري النفط، وشركات الشحن والتأمين، والمصارف الوسيطة، وشبكات التحويل، والدول التي تمنح التجارة الإيرانية منافذ للبقاء.

وهذا فرق أساسي.

فالعقوبات القديمة كانت تحاصر إيران، لكنها تركت مساحات للالتفاف عبر الصين وشبكات التجارة الإقليمية والأسطول غير المعلن والعملات الرقمية والتحويلات غير المباشرة.

أما الحزمة المنتظرة فتريد، وفق خطاب واشنطن، نقل العقوبة من الطرف الإيراني إلى كل من يساعده.

لكن قوة الحزمة لن تُقاس بعدد الأسماء والشركات المدرجة فيها، بل بالإجابة عن ثلاثة أسئلة:

هل تستطيع الولايات المتحدة إجبار الصين على تقليص مشترياتها من النفط الإيراني؟

هل تقبل الدول الأخرى تطبيق العقوبات الأمريكية على تجارتها ومصارفها؟

وهل تمتلك واشنطن قدرة طويلة على مراقبة الناقلات والتحويلات ومسارات الالتفاف؟

لهذا فإن الإعلان المنتظر ليس نهاية الاقتصاد الإيراني، بل بداية اختبار لقدرة الولايات المتحدة على تحويل نفوذ الدولار إلى تحالف دولي ضد طهران.

والصين بدأت منذ الآن مقاومة هذا المسار؛ إذ أعلنت أنها ستتخذ ما يلزم لحماية مصالحها، ورفضت استخدام العقوبات والضغط وسيلة لحل الأزمة.

وهذا يكشف أول حدود الحزمة قبل صدورها: واشنطن تستطيع إعلان العقوبات منفردة، لكنها لا تستطيع ضمان الحصار الكامل منفردة.

إيران تهدد الجيران

صعّدت طهران خطابها قبل الإعلان، وقال محسن رضائي، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن دعم العقوبات الأمريكية الجديدة قد يُعد «عملًا حربيًا».

لا يستهدف هذا التحذير واشنطن وحدها؛ فالدول المقصودة هي التي قد تمنع التعاملات الإيرانية، أو تغلق منافذها المالية والتجارية، أو تساعد الولايات المتحدة على تنفيذ الحصار.

وهنا تحاول إيران نقل السؤال أمام دول المنطقة من:

هل تنضمون إلى العقوبات؟

إلى:

هل أنتم مستعدون لتحمل الرد الإيراني إذا انضممتم إليها؟

إنها محاولة لرفع كلفة التعاون مع واشنطن قبل أن تطلبه رسميًا، وتوسيع دائرة الخوف من أن تتحول الإجراءات المالية إلى أهداف عسكرية أو أمنية.

لكن التهديد يكشف مأزقًا إيرانيًا أيضًا.

فالدولة التي تريد تخفيف عزلتها لا تستطيع بسهولة تهديد جيرانها لأنها تخشى مشاركتهم في عزلها، ثم تتوقع منهم أن يدافعوا عن حقها في التجارة.

وكلما وسعت طهران دائرة التهديد، منحت واشنطن حجة إضافية لبناء جبهة اقتصادية ضدها. أسوشيتد برس

هرمز يتحول إلى ترخيص

في المسار الثاني، لم تعلن إيران فتح مضيق هرمز، بل أعلنت قواعد لمعاقبة السفن التي لا تلتزم بنظامها الجديد، تشمل الغرامة والاحتجاز والمصادرة، وإدراج السفن والمتعاملين معها ضمن قوائم المخالفين.

وما يبدو إجراءً ملاحيًا هو في حقيقته محاولة لصناعة واقع سياسي جديد.

فإيران تريد الانتقال من إغلاق المضيق بالقوة إلى إدارة العبور بالإذن، ومن استهداف السفن إلى إخضاعها لنظام ترخيص وعقوبة تضعه طهران منفردة.

وهذا أكثر خطورة من الإغلاق المؤقت.

الإغلاق حالة حرب يمكن العمل على إنهائها، أما نظام التصاريح والرسوم والقوائم فيحاول تحويل نتيجة الحرب إلى سلطة دائمة.

وتوضح بيانات شركة Kpler أن تفاهم الستين يومًا لم يعد المضيق إلى طبيعته؛ فقد سمح بتصريف نحو 374 مليون برميل من الشحنات المتراكمة، ورفع حركة الخام إلى متوسط 6.1 ملايين برميل يوميًا، لكنها بقيت عند نحو 40% فقط من متوسط عام 2025 البالغ قرابة 15 مليون برميل يوميًا.

أي إن التفاهم أخرج النفط العالق، لكنه لم يُعد حرية الملاحة.

وهذه قراءة مختلفة عن عدّ السفن يومًا بعد يوم: المشكلة ليست في عدد من عبروا، بل في أن العبور نفسه أصبح استثناءً يحتاج إلى تفاهم، بدل أن يكون قاعدة دولية مستقرة.

منير لا يبدأ من الصفر

يصل المشير عاصم منير إلى طهران في ثالث زيارة مرتبطة بالوساطة منذ اندلاع الحرب.

ولا تبدأ مهمته الجديدة من فراغ؛ فقد حملت باكستان تفاهم يونيو، وحددت له نافذة الستين يومًا التي انتهت في 17 أغسطس من دون اتفاق نهائي أو تمديد.

ولهذا لا يبحث منير اليوم عن صياغة اتفاق جديد فقط، بل يحاول منع انهيار ما بقي من الاتفاق السابق.

وتأتي زيارته قبل ساعات من إعلان العقوبات، ما يمنحها معنى أكبر من التشاور المعتاد: إما أن يحمل إلى طهران فرصة أخيرة لتخفيف الحزمة أو تأجيل بعض آثارها، وإما أن يعود منها بتصور عن الرد الإيراني الذي سيليها.

لكن قدرة باكستان على الوساطة تواجه عقدة واضحة.

واشنطن تريد التزامًا إيرانيًا قبل تخفيف الضغط.

وإيران تريد تخفيف الضغط قبل تقديم التزام جديد.

وكل طرف يستخدم الوسيط لنقل شروطه، لا لتعديلها.

لذلك قد ينجح منير في منع ضربة قريبة أو تمديد قناة الاتصال، لكنه لن يستطيع وحده حل خلاف يتوسع كل يوم من الملف النووي إلى المضيق، ومن الحصار البحري إلى العقوبات الدولية. 

عُمان تمهّد الطريق

أما التحرك العُماني، فليس زيارة مفاجئة تبدأ غدًا.

في 21 أغسطس، التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو السفير العُماني في واشنطن، وفي اليوم نفسه أجرى وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي اتصالًا بنظيره الإيراني عباس عراقجي، تناول تهيئة الظروف لاستئناف الحوار والتفاوض.

وبذلك كانت مسقط تتحرك بين الطرفين قبل الإعلان عن زيارة البوسعيدي إلى طهران.

وهذه التفاصيل تغير قراءة الزيارة.

فوزير الخارجية العُماني لا يتجه إلى إيران لمناقشة خطوط الملاحة فقط؛ بل يحمل حصيلة اتصالين متوازيين مع واشنطن وطهران، ويحاول العثور على مساحة بين العقوبات الأمريكية والشروط الإيرانية.

ويتمسك الموقف العُماني المعلن بحرية وسلامة الملاحة وفق القانون الدولي، وهي نقطة تختلف جوهريًا عن محاولة إيران إخضاع العبور لقواعدها المنفردة.

لذلك لا تقتصر مهمة مسقط على رسم ممر بين المياه الإيرانية والعُمانية، بل تمتد إلى حماية مبدأ أن الطريق الدولي لا يتحول إلى بوابة إذن إيرانية.

خطابان إيرانيان

في الوقت الذي وصف فيه مسؤولون إيرانيون العقوبات بأنها عمل حربي، دافع الرئيس مسعود بزشكيان عن تفاهم يونيو، وعدّه الطريق الأفضل للخروج من الحرب.

كما وصف وزير الخارجية عباس عراقجي التهديدات الأمريكية بأنها يائسة، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن إمكان الحوار إذا قام على الاحترام.

ليست طهران هنا بين الحرب والسلام فقط، بل بين حاجتين متعارضتين:

تحتاج إلى خطاب متشدد يمنع ظهورها كطرف خضع للعقوبات.

وتحتاج إلى خطاب دبلوماسي يبقي الوسطاء والدول المترددة بعيدًا من الجبهة الأمريكية.

لذلك يتقدم رضائي بالتهديد، ويتحدث بزشكيان عن التفاهم، ويهاجم عراقجي العقوبات ثم يترك باب الحوار مفتوحًا.

إنها ليست فوضى كاملة في الخطاب، بل توزيع للأدوار: رسالة ردع للخارج، ورسالة صمود للداخل، ونافذة صغيرة للوسطاء.

لماذا تشتري إيران الوقت؟

كل يوم يمر قبل التطبيق الكامل للعقوبات يمنح إيران فرصة لتحريك الأموال، وتغيير ملكية السفن، وإعادة ترتيب الشركات الوسيطة، وتوجيه الشحنات، وبناء طرق جديدة للالتفاف.

وكل يوم يبقى فيه هرمز مضطربًا يمنحها ورقة تخشى واشنطن والعالم فقدان السيطرة عليها.

لهذا لا تحتاج إيران في هذه المرحلة إلى اتفاق كامل، بقدر حاجتها إلى منع الولايات المتحدة من تحقيق ثلاثة أمور متزامنة:

إغلاق منافذها المالية.

استعادة الملاحة من دون ثمن سياسي.

وتجميع الصين ودول المنطقة وشركات الطاقة داخل جبهة واحدة ضدها.

ومن هنا نفهم تعدد المواقف الإيرانية.

التهديد يمنع الدول من الاقتراب من الحصار.

الوساطة تؤجل التصعيد.

قواعد هرمز تثبت سلطة جديدة.

والحديث عن الحوار يمنع تحميل طهران وحدها مسؤولية فشل السلام.

السعودية أمام اختبار مختلف

لا تقف المملكة أمام خيار ثنائي بين العقوبات الأمريكية والموقف الإيراني.

مصلحة السعودية تقوم على منع إيران من تهديد دول المنطقة أو تحويل هرمز إلى بوابة سياسية، وفي الوقت نفسه منع الحرب الاقتصادية من الارتداد على أسواق الطاقة والتجارة والمواطنين في المنطقة.

والتهديد الإيراني باعتبار دعم العقوبات عملًا حربيًا لا يمكن التعامل معه بوصفه سجالًا إعلاميًا؛ لأنه يوسع مفهوم العدو لدى طهران من الولايات المتحدة إلى كل دولة تنفذ قرارًا ماليًا ضدها.

كما أن محاولة فرض رسوم وتصاريح وقوائم على السفن تمس مبدأ حرية الملاحة، لا مصالح دولة بعينها.

وهنا تظهر أهمية المسار السعودي: حماية الممرات، وتنويع طرق التصدير، ودعم الحل السياسي، مع رفض أن تدفع دول الخليج ثمن أزمة صنعتها إيران مع الولايات المتحدة.

ماذا ننتظر الليلة؟

ليست قيمة إعلان بيسنت في وصف العقوبات بأنها الأقسى، بل في تفاصيلها:

هل تستهدف الصين مباشرة أم تترك لها مخرجًا؟

هل تشمل المصارف وشركات التأمين والموانئ غير الإيرانية؟

هل تمنح فترات سماح أم تبدأ فورًا؟

هل تفرض عقوبات تلقائية على مشتري النفط أم تترك القرار لواشنطن؟

وهل تتضمن استثناءات للطاقة والغذاء والدواء؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد إن كان الإعلان الأمريكي حصارًا قابلًا للتنفيذ، أم حزمة ضخمة على الورق تصطدم برفض الصين ومخاوف الحلفاء وحاجة العالم إلى الطاقة.

ولهذا سيكون لتفاصيل العقوبات، بعد صدورها، تقرير مستقل موسع يقيس أدواتها، وقدرتها على التنفيذ، والدول المتضررة، والرد الإيراني المحتمل.

الخلاصة

في اليوم 173، لا تنتظر إيران العقوبات ساكنة.

إنها ترفع التهديد أمام الدول، وتضع يدها على بوابة هرمز، وتستقبل وسيطًا باكستانيًا، وتستعد لاستقبال وزير الخارجية العُماني، وتعلن في الوقت نفسه تمسكها بالحوار.

هذا ليس ردًا إيرانيًا واحدًا، بل محاولة لتشتيت الهجوم الأمريكي على أكثر من جبهة قبل أن يبدأ.

واشنطن تريد أن تجعل كل علاقة اقتصادية مع إيران عبئًا.

وطهران تريد أن تجعل كل مشاركة في الحصار مخاطرة، وكل عبور لهرمز امتيازًا، وكل تأخير في العقوبات مكسبًا.

العقوبات تصل الليلة، لكن إيران بدأت منذ الآن معركتها الأهم: منع العالم من تنفيذها معها.