اليوم 170 | الحرب تغيّر سلاحها

news image

واشنطن تنتقل من استهداف القوة العسكرية الإيرانية إلى خنق اقتصادها، لكن تراجع الملاحة في هرمز يكشف أن السيطرة على المضيق لم تُحسم بعد

اليوم 170 | 21 أغسطس 2026

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
 

عرض سريع للأخبار

واشنطن تعلن مرحلة الضغط الاقتصادي

إنزال اقتصادي لا عسكري

وصف ترامب حملته المرتقبة بأنها «يوم إنزال اقتصادي»؛ والمقصود ليس عملية برية، بل هجوم مالي وتجاري منسق يستهدف صادرات النفط، والتحويلات المصرفية، وشبكات التهريب، وأي دولة أو شركة أو مؤسسة تمنح إيران منفذًا اقتصاديًا. وقد يؤدي نجاحه إلى تسريع الاختناق الداخلي ودفع طهران نحو الاتفاق، لكنه قد يرفع أسعار الطاقة ويفتح مواجهة اقتصادية مع الصين والدول التي ترفض الامتثال للعقوبات الأميركية. 

وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الحرب دخلت «مرحلة جديدة»، أصبح فيها الضغط الاقتصادي الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق أهداف الولايات المتحدة، بعد ما وصفه بالقضاء على القدرة العسكرية الإيرانية.

وأوضح أن واشنطن تريد وضع طهران أمام خيارين: الاختناق الاقتصادي، أو العودة إلى علاقات طبيعية مع المجتمع الدولي عبر إبرام اتفاق.

وتتوافق تصريحات فانس مع إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت استعداد واشنطن لفرض ما وصفها بـ«أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، على أن تُكشف تفاصيلها الاثنين المقبل. وتشمل الخطة تشديد العقوبات الثانوية على الدول والشركات التي تواصل التجارة مع طهران، مع تركيز واضح على الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني.

لا مفاوضات قريبة

أكد الرئيس دونالد ترامب عدم وجود مفاوضات جارية أو مجدولة مع إيران، بعد تعثر محاولات التوصل إلى تفاهم بشأن مضيق هرمز ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

وبذلك انتقلت المواجهة من مرحلة كانت تنتظر عرضًا إيرانيًا أو عودة إلى التفاوض، إلى مرحلة تريد فيها واشنطن تغيير حسابات طهران قبل السماح بفتح مسار سياسي جديد.

هرمز لم يعد طبيعيًا

قال فانس إن الولايات المتحدة كسرت سيطرة إيران على المضيق، وتمكنت من تأمين مرور كميات كبيرة من النفط والغاز، وإنها ستواصل زيادة الشحنات العابرة لمنع طهران من استخدام هرمز سلاحًا.

لكن بيانات الملاحة ترسم صورة أكثر تحفظًا؛ إذ عبرت المضيق الخميس سبع سفن سلعية فقط، أربع دخلت وثلاث خرجت، مقابل 14 سفينة في اليوم السابق، ولم تكن بينها أي ناقلة نفط عملاقة أو ناقلة غاز طبيعي مسال.

وعبرت ناقلة غاز كبيرة واحدة محملة بالبروبان والبيوتان عبر المسار الإيراني، بما يعني أن الحركة المحدودة لا تزال خاضعة لترتيبات دقيقة، ولم تعد إلى وضعها الطبيعي السابق للحرب.

باب المندب يتراجع أيضًا

انخفضت حركة السفن عبر باب المندب إلى 23 سفينة، بعدما بلغت 34 سفينة في كل من اليومين السابقين. ولم تعبر أي ناقلة نفط عملاقة أو ناقلة غاز مسال، ما يؤكد أن أزمة الملاحة لم تعد محصورة في هرمز، بل تمتد إلى طرفي الطريق البحري للطاقة.

وفي تطور يستحق الحذر، ادعى الحوثيون استهداف منشأة لأرامكو وموقع حساس في مطار نجران بطائرتين مسيّرتين. ولم يصدر، حتى إعداد هذه القراءة، تأكيد سعودي يثبت وقوع الهجوم أو حدوث أضرار؛ لذلك يبقى الادعاء جزءًا من الحرب الإعلامية ما لم تؤكده جهة رسمية.

النفط يصوّت ضد التهدئة

اتجه النفط نحو تحقيق مكاسب للأسبوع الثاني على التوالي؛ وبلغ خام برنت نحو 93.44 دولارًا للبرميل، فيما بلغ خام غرب تكساس قرابة 86.76 دولارًا.

وارتفع الخامان بأكثر من 7% و8% خلال أسبوع، في إشارة إلى أن السوق لا يرى حتى الآن طريقًا مضمونًا لفتح هرمز أو تسوية الحرب.

كلفة أميركية تتكشف

أعلن البنتاغون أن عدد العسكريين الأميركيين المصابين منذ بدء الحرب تجاوز 750 جنديًا، وأن عددًا كبيرًا من الإصابات يرتبط باضطرابات وإصابات دماغية ناجمة عن الانفجارات.

ويكشف الرقم أن الحرب لم تكن بلا كلفة بشرية على الولايات المتحدة، حتى مع تفوقها الجوي والبحري وعدم دخولها في مواجهة برية واسعة. 

التحليل

انتصار عسكري لم يفتح المضيق

تقول واشنطن إنها قضت على القدرة العسكرية الإيرانية، ثم تقول في الوقت نفسه إنها تحتاج إلى حرب اقتصادية واسعة لإجبار إيران على الاتفاق.

وهنا يظهر السؤال الأهم:

إذا كانت إيران قد هُزمت عسكريًا، فلماذا لم تستسلم سياسيًا، ولماذا لم يعد هرمز إلى العمل الطبيعي؟

الإجابة أن الولايات المتحدة نجحت في تدمير جزء كبير من البنية العسكرية الإيرانية، لكنها لم تنتزع من طهران قدرتها على التعطيل. فما تبقى لإيران ليس بالضرورة قوة تمكنها من الانتصار، لكنه يكفي لإطالة الأزمة، وتهديد السفن، وتحريك الأذرع، ورفع كلفة الطاقة والتأمين على خصومها.

لهذا لا تبدو تصريحات فانس وصفًا لنهاية المرحلة العسكرية بقدر ما تبدو اعترافًا بأن القوة العسكرية وحدها لم تنتج القرار السياسي المطلوب.

من إسقاط السلاح إلى إسقاط الإرادة

المرحلة السابقة استهدفت الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنشآت العسكرية والنووية.

أما المرحلة الجديدة فتستهدف:

  • قدرة إيران على بيع النفط.
  • النظام المصرفي والتحويلات المالية.
  • شبكات التهريب والشركات الوسيطة.
  • الدول التي تمنح إيران منفذًا تجاريًا أو ماليًا.
  • قدرة النظام على دفع الرواتب وتمويل الحرس الثوري وأذرعه الخارجية.

الهدف إذن لم يعد فقط منع إيران من إطلاق الصواريخ، بل جعلها عاجزة عن تحمّل الوقت.

واشنطن تراهن على أن الاقتصاد الإيراني أكثر هشاشة من قدرته العسكرية، وأن العقوبات والحصار سيصنعان ضغطًا داخليًا يدفع القيادة إلى قبول اتفاق لم تقبله تحت القصف.

الصين تتحول إلى الجبهة الحاسمة

العقوبات الجديدة لن تُختبر في طهران وحدها، بل في بكين.

فالصين تشتري أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرًا، وإذا واصلت الشراء، فقد تمنح إيران الحد الأدنى من الموارد اللازمة للصمود. أما إذا خضعت للضغط الأميركي أو خفضت وارداتها بصورة كبيرة، فستواجه طهران اختناقًا أسرع.

لكن تهديد الصين بالعقوبات يحمل مخاطرة مقابلة؛ إذ قد يحول الحرب مع إيران إلى مواجهة اقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، ويجعل بكين أكثر تمسكًا بحماية تجارتها واستقلال قرارها.

ولهذا فإن نجاح الخطة الأميركية لا يعتمد فقط على ضعف إيران، بل على قدرة واشنطن على منع القوى الكبرى من إنقاذها.

هرمز بين روايتين

ترى واشنطن أن نجاح بعض السفن في العبور يعني كسر الاحتكار الإيراني للمضيق.

أما إيران فترى أن بقاء الحركة في حدود أحادية الرقم، وغياب ناقلات النفط والغاز العملاقة، دليل على أنها لا تزال قادرة على منع العودة الكاملة للملاحة.

والحقيقة تقع بين الروايتين:

الولايات المتحدة منعت إيران من إغلاق المضيق إغلاقًا مطلقًا، لكنها لم تستطع فتحه فتحًا طبيعيًا وآمنًا.

فالسيطرة العسكرية على الماء لا تكفي إذا بقيت شركات الشحن والتأمين تخشى الألغام والمقذوفات والطائرات المسيّرة واحتمال احتجاز السفن.

لهذا فإن مقياس السيطرة الحقيقي ليس عدد المدمرات الأميركية الموجودة في المنطقة، بل عدد الناقلات العملاقة التي تقبل المرور دون ترتيبات استثنائية أو أقساط تأمين مرتفعة.

المآلات والتوقعات

السيناريو الأول: حصار طويل بلا ضربات واسعة

وهو السيناريو الأرجح في المدى القريب.

ستواصل واشنطن تشديد العقوبات والحصار البحري، مع السماح بمرور شحنات محدودة، فيما تحاول إيران الصمود والحفاظ على حد أدنى من صادراتها عبر الصين وشبكات النقل غير المباشر.

في هذا السيناريو تبقى الحرب معلقة: لا سلام، ولا قصف واسع، ولا فتح كامل لهرمز.

السيناريو الثاني: رد إيراني غير مباشر

قد تتجنب طهران مواجهة أميركية مباشرة، وتدفع المواجهة نحو:

  • استهداف محدود للسفن.
  • هجمات تنفذها أذرعها في البحر الأحمر.
  • تهديد منشآت الطاقة في المنطقة.
  • عمليات إلكترونية ضد موانئ أو شركات نقل.
  • استخدام ذخائر أو رؤوس حربية مختلفة لإثبات أن قدرتها لم تُقضَ بالكامل.

والهدف لن يكون تحقيق انتصار عسكري، بل إظهار أن خنق إيران اقتصاديًا سيقابله رفع كلفة الطاقة على العالم.

السيناريو الثالث: عودة التفاوض من باب الاقتصاد

إذا نجحت العقوبات في خفض صادرات إيران وإغلاق المنافذ المالية، فقد تعود طهران إلى التفاوض، لكن ليس بصيغة الاستسلام الكامل.

وقد تطلب مقابل فتح هرمز:

  • تخفيفًا مرحليًا للحصار.
  • السماح بتصدير كمية محددة من النفط.
  • الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة.
  • ضمانات بعدم استئناف الضربات.
  • تأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة.

وهذا السيناريو قد ينتج اتفاقًا لإدارة الحرب، وليس سلامًا نهائيًا.

السيناريو الرابع: ضربة تعيد الحرب إلى النار

يظل خطر التصعيد قائمًا إذا وقع هجوم يؤدي إلى مقتل عدد كبير من العسكريين الأميركيين، أو إصابة ناقلة عملاقة، أو استهداف منشأة طاقة خليجية بأضرار واسعة.

عندها قد تعتبر واشنطن أن الحرب الاقتصادية لم تعد كافية، وتعود إلى ضربات تستهدف الحرس الثوري ومنشآت الصواريخ والموانئ الإيرانية.

التقدير

انتقلت الحرب في يومها الـ170 من محاولة تدمير قوة إيران إلى محاولة كسر قدرتها على الاحتمال.

لكن الضغط الاقتصادي ليس طريقًا مضمونًا إلى الاستسلام؛ فقد يدفع إيران إلى الاتفاق، وقد يدفعها أيضًا إلى استخدام ما تبقى لديها قبل أن تفقده.

وتبدو واشنطن مقتنعة بأن إيران أصبحت أضعف من أن تخوض حربًا جديدة، بينما تبدو طهران مقتنعة بأن العالم لا يستطيع تحمّل إغلاق طرق الطاقة مدة أطول.

وبين القناعتين يظل هرمز هو الاختبار:

واشنطن تستطيع إدخال السفن بقوتها، لكن إيران لا تزال قادرة على منعها من الشعور بالأمان.

ولهذا لم تُحسم الحرب بعد..