اكتمال مقر «الثقافة» بالدرعية

شركة الدرعية تنجز المقر الرئيسي لوزارة الثقافة على مساحة تتجاوز 33 ألف متر مربع؛ والمبنى المستلهم من العمارة النجدية يضع المؤسسة الثقافية في قلب مخطط حضري يجمع العمل والسكن والتجارة والفنون
الرياض | بث
أعلنت شركة الدرعية اكتمال أعمال المقر الرئيسي لوزارة الثقافة في الدرعية، على مساحة تتجاوز 33 ألف متر مربع، ضمن المخطط الحضري المتكامل الذي تعمل الشركة على تطويره ليضم وجهات ثقافية وسكنية وتجارية ومكتبية وضيافة.
ويمثل اكتمال المشروع انتقالًا من تشييد مبنى إداري جديد إلى تثبيت وزارة الثقافة داخل الموقع الأكثر ارتباطًا ببدايات الدولة السعودية وذاكرتها التاريخية؛ بالقرب من حي الطريف التاريخي المسجل في قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو.
ولم تعلن الوزارة بعد موعد انتقال جميع قطاعاتها وموظفيها إلى المقر أو بدء تشغيله الكامل؛ ولذلك يتعلق الخبر باكتمال الأعمال الإنشائية والتجهيزية، تمهيدًا لمرحلة التسليم والتشغيل.
عمارة من المكان
استُلهم تصميم المقر من مبادئ العمارة النجدية، وأعيد تقديمها ضمن مبنى مؤسسي معاصر يوازن بين الهوية التاريخية ومتطلبات العمل الحكومي الحديث.
ولا يعتمد الارتباط بالدرعية على الزخارف أو الألوان وحدها؛ بل يظهر في الكتل والنسب والمواد وتكوين الواجهات والظلال وعلاقة المبنى بمحيطه العمراني، بما يمنعه من الظهور جسمًا إداريًا منفصلًا عن المكان.
وشملت الأعمال تطوير التصميم والتنفيذ والتفاصيل الهندسية، مع استخدام نمذجة معلومات البناء «BIM» خلال مراحل المشروع، لربط التصميم بالأنظمة الإنشائية والتشغيلية وتقليل التعارضات قبل التنفيذ.
ويتكون المبنى، بحسب معلومات المشروع المنشورة، من طابقين تحت الأرض وثلاثة طوابق علوية، بما يوفر المساحات الإدارية والتشغيلية والخدمية اللازمة لعمل الوزارة.
استدامة المبنى
حصل مقر وزارة الثقافة على شهادة LEED الذهبية، بعد دمج معايير الاستدامة في تصميمه وتنفيذه.
وتقيس الشهادة كفاءة استهلاك الطاقة والمياه، وجودة البيئة الداخلية، واختيار المواد، وإدارة المخلفات، والأثر البيئي للمبنى؛ ما يعني أن الهوية المعمارية لم تُبنَ بمعزل عن كفاءة التشغيل على المدى الطويل.
وتكتسب الاستدامة أهمية أكبر في المقرات الحكومية؛ لأن قيمتها لا تظهر في التصميم عند الافتتاح فقط، بل في خفض استهلاك الموارد وكلفة التشغيل وتحسين بيئة العمل طوال عمر المبنى.
وزارة داخل المدينة
لا يُقام المقر بوصفه مجمعًا حكوميًا معزولًا؛ بل داخل مخطط يدمج المكاتب بالمساكن والفنادق والمتاجر والمطاعم والمؤسسات الثقافية والمساحات العامة.
ويستهدف هذا النموذج إيجاد حركة مستمرة طوال اليوم، بدل إنشاء منطقة إدارية تنشط في ساعات الدوام ثم تخلو بعدها.
ويضم مخطط الدرعية مساحات للعمل والسكن والتسوق والضيافة، إلى جانب دار أوبرا الدرعية، ومتحف الفن المعاصر، والمرافق الثقافية والترفيهية، بما يحول وجود الوزارة إلى جزء من بيئة ثقافية حية، لا عنوانًا إداريًا منفصلًا عنها. شركة الدرعية
كما يمنح وجود موظفي الوزارة وزوارها والمراجعين والمختصين قاعدة يومية تدعم المتاجر والمطاعم والخدمات والنقل داخل المخطط، وتساعد على تحويل الدرعية من وجهة للزيارة إلى مدينة للعمل والحياة.
الثقافة قرب التاريخ
يحمل اختيار الدرعية مقرًا للوزارة دلالة مؤسسية تتجاوز الجغرافيا.
فالوزارة المسؤولة عن التراث والمتاحف والفنون والعمارة والتصميم والآداب والموسيقى والأفلام تنتقل إلى مكان يجسد أصلًا كثيرًا من الموضوعات التي تعمل عليها.
وهذا القرب يضع المؤسسة أمام مسؤولية مضاعفة: ألا تبقى الدرعية خلفيةً جميلة للمبنى، بل أن تصبح بيئةً تنتج منها الوزارة السياسات والبرامج والخبرات التي تحمي التراث وتربطه بالحياة المعاصرة.
المكان هنا لا يستضيف وزارة الثقافة فقط؛ بل يضعها يوميًا أمام الأصل الذي تعمل على حمايته وتطويره.
تعليق BETH
تكمن قيمة المشروع في العلاقة بين وظيفته وموقعه.
كان من الممكن إنشاء مقر حديث لوزارة الثقافة في أي منطقة إدارية، لكن وجوده في الدرعية يجعل العمارة جزءًا من رسالة المؤسسة، ويحوّل قرار الموقع نفسه إلى موقف ثقافي: أن تعمل الوزارة من داخل الذاكرة الوطنية، لا أن تديرها من مسافة.
كما يعكس المشروع تحولًا في تخطيط المدن السعودية؛ فالمقر الحكومي لم يعد بالضرورة مبنى تحيط به المواقف والطرق فقط، بل يمكن أن يكون عنصرًا محركًا داخل حي مختلط الاستخدامات، يدعم النشاط الاقتصادي والثقافي ويرفع جودة المكان.
وسيكون الاختبار بعد التشغيل هو قدرة المقر على الانفتاح على محيطه، واستضافة الحوار والمعارض والبرامج، وربط موظفي الوزارة والمبدعين والباحثين والجمهور بالمؤسسات الثقافية المحيطة.
اكتمل بناء مقر وزارة الثقافة في الدرعية؛ أما معناه الأبعد، فهو أن الثقافة لم تعد تزور المكان التاريخي لإقامة فعالية، بل أصبحت واحدةً من مؤسساته المقيمة.