السعودية واليابان تعقدان حوارهما الاستراتيجي الثالث


وزيرا خارجية البلدين يبحثان في الرياض أمن الممرات والطاقة والاستثمار والدفاع والتقنية؛ وطوكيو ترى المملكة شريكًا في خفض التصعيد بين واشنطن وطهران
الرياض | بث
عقد صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية، الأربعاء 19 أغسطس 2026، مع وزير خارجية اليابان توشيميتسو موتيجي، اجتماع الحوار الاستراتيجي الثالث بين المملكة واليابان، وذلك في مقر وزارة الخارجية بالرياض.
وبحث الاجتماع تطوير العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون في الاستثمار والطاقة والموارد وسلاسل الإمداد والدفاع والتقنية، إلى جانب تبادل الخبرات وبناء القدرات، بما يخدم أولويات البلدين ومصالحهما المشتركة.
وأكد الأمير فيصل بن فرحان أن المملكة تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها الراسخة مع اليابان، القائمة على الثقة والاحترام المتبادل، مشيرًا إلى أن طوكيو تمثل شريكًا اقتصاديًا مهمًا للرياض، وأن الفرص المتاحة تسمح بنقل العلاقة إلى قطاعات أوسع وأكثر تقدمًا.
الطاقة والممرات
جاء أمن الملاحة في مقدمة الملفات التي تناولها الحوار، في ظل اضطراب مضيقي هرمز وباب المندب وارتفاع المخاطر التي تواجه ناقلات النفط وسلاسل الإمداد.
وشدد وزير الخارجية السعودي على ضرورة حماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي، وضمان بقاء هرمز وباب المندب وسائر الممرات البحرية مفتوحة وآمنة وخالية من التهديدات.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لليابان؛ فاقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، ولذلك لا تنظر طوكيو إلى أمن الممرات بوصفه شأنًا إقليميًا، بل جزءًا من أمنها الاقتصادي المباشر.
وأكد الأمير فيصل أن المملكة ستظل شريكًا موثوقًا لليابان في مجال الطاقة، مثمنًا المبادرات اليابانية الرامية إلى تعزيز المرونة الاقتصادية واستقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
من النفط إلى التقنية
تمتد العلاقات السعودية–اليابانية لأكثر من ستة عقود، لكنها لم تعد محصورة في العلاقة التقليدية بين منتج للنفط ودولة صناعية مستوردة له.
فالتعاون يتجه إلى الطاقة النظيفة والهيدروجين والاستثمار والتصنيع والتقنية والفضاء وسلاسل الإمداد، إضافة إلى المجالات الدفاعية وتطوير القدرات.
وشهد مسار الشراكة خلال الفترة الأخيرة توقيع مذكرات واتفاقيات للتعاون في الطاقة والاستخدامات السلمية للفضاء، تشمل علوم وتقنيات الفضاء وبناء القدرات وتبادل الخبرات. وهذه الاتفاقيات تمثل قاعدةً للتوسع، وليست كلها اتفاقات وُقعت خلال اجتماع الحوار المنعقد الأربعاء.
وارتفع التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 38% خلال الفترة من 2016 إلى نهاية 2024، ليبلغ 138 مليار ريال، أي نحو 36.8 مليار دولار، ما جعل اليابان ثالث أكبر شريك للمملكة في قطاعات الطاقة والبترول والغاز، وفق تصريحات سعودية رسمية سابقة.
الزيارة في الصحافة اليابانية
قدمت التغطية اليابانية المتاحة زيارة موتيجي بوصفها انتقالًا بالعلاقات من النموذج التقليدي القائم على «النفط مقابل التقنية» إلى شراكة أوسع تشمل الطاقة النظيفة والاستثمار والصناعة والفضاء والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
وأبرزت النسخة اليابانية من «عرب نيوز» وصول قيمة التجارة بين البلدين إلى نحو 41 مليار دولار، والاستثمارات اليابانية المباشرة في المملكة إلى 49 مليار ريال، مع ارتفاع عدد الشركات اليابانية المستثمرة من نحو 65 شركة عند إطلاق «الرؤية السعودية–اليابانية 2030» إلى قرابة 100 شركة، ووجود 118 مقرًا ومنشأةً تابعة لشركات يابانية في المملكة حتى أكتوبر 2024.
لكن الأرقام تكشف أن العلاقة، رغم اتساعها، لا تزال شديدة الارتباط بالطاقة؛ إذ شكّل النفط والمنتجات المعدنية نحو 97.1% من واردات اليابان من السعودية خلال عام 2025، بينما مثّلت السيارات ومعدات النقل نحو 73.6% من صادرات اليابان إلى المملكة.
وسلطت التغطية الضوء على 12 مذكرة تعاون وُقعت خلال المنتدى الاستثماري السعودي–الياباني في يناير 2026، وشملت التمويل والفضاء والتقنيات الزراعية، إلى جانب التعاون القائم في الهيدروجين والأمونيا والوقود منخفض الكربون واحتجاز الكربون والذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية. وهذه اتفاقيات سابقة يدفع الحوار الحالي نحو تفعيلها وتوسيعها، وليست اتفاقات جديدة وُقعت خلال اجتماع الأربعاء.
أما وزارة الخارجية اليابانية، فأبرزت نتائج عملية جديدة، أهمها التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن اتفاقية للمساعدة الجمركية المتبادلة، والترحيب بتدشين الرحلات المباشرة بين الرياض وناريتا في نوفمبر المقبل.
كما كشفت عن عرض ياباني للتعاون في تعزيز الاحتياطيات النفطية الآسيوية ضمن مبادرة «باور آسيا»، ومشاركة الشركات اليابانية في مشروعات تحلية المياه والكهرباء والسكك الحديدية، إلى جانب إعداد خطة شاملة لدعم مرونة الاقتصاد والطاقة في السعودية ودول الخليج بعد الحرب مع إيران. وزارة الخارجية اليابانية
وبذلك لم ترَ اليابان في لقاء الرياض مناسبةً لتوقيع اتفاقيات منفصلة بقدر ما رأته مظلةً تربط الطاقة والتقنية والفضاء والجمارك والنقل بأمن الممرات؛ أي تحويل العلاقات من مجموعة مشروعات إلى منظومة مصالح مترابطة.
والأهم بين السطور: تعتمد اليابان على السعودية في النفط، لكن السعودية بدأت تعتمد على اليابان في مجالات أكثر تنوعًا وأعلى قيمة. فالعلاقة القديمة كانت تربط بئرًا بمصنع؛ أما العلاقة الجديدة فتحاول ربط الطاقة بالتقنية والاستثمار والأمن والدبلوماسية.
الرياض في الحساب الياباني
يحمل تصريح الوزير الياباني الدلالة السياسية الأهم في الاجتماع؛ إذ أكد أن السعودية تكتسب أهمية خاصة في التحركات الدبلوماسية لبلاده، بوصفها طرفًا رئيسيًا في الجهود الرامية إلى تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب تنامي ثقلها الإقليمي والدولي، خصوصًا في العالم الإسلامي ودول الجنوب العالمي.
وهذا التوصيف ينقل موقع المملكة في الرؤية اليابانية من دولة تضمن إمدادات الطاقة إلى دولة تستطيع كذلك المساهمة في حماية الطريق المؤدي إليها، وتهدئة الصراع الذي يهدد استمرارها.
فطوكيو تحتاج إلى الرياض مرتين: مورّدًا موثوقًا للطاقة، وشريكًا سياسيًا يستطيع التحدث مع واشنطن وطهران ودول المنطقة.
تعليق BETH
لا تكمن أهمية الحوار الثالث في اتساع قائمة مجالات التعاون وحده؛ بل في تغير طبيعة العلاقة بين البلدين.
كانت المعادلة التقليدية تقوم على النفط السعودي في مقابل التقنية والصناعة اليابانية. أما المعادلة الجديدة فتجمع أمن الطاقة، وحماية الممرات، والاستثمار، والتقنية والفضاء والدفاع، إلى جانب التنسيق السياسي لخفض التصعيد.
واليابان لا تبحث في الرياض عن تطمينات تتعلق بكميات النفط فقط؛ بل عن قدرة سياسية وأمنية تساعد على ضمان وصوله. وفي المقابل، ترى السعودية في اليابان شريكًا قادرًا على نقل المعرفة والاستثمار في القطاعات الجديدة، لا مجرد سوق كبيرة للخام.
الحوار السعودي–الياباني لم يعد يدور حول ما يُنقل بين البلدين فقط؛ بل حول حماية الطريق، وتطوير ما يُنتج، والمشاركة في تهدئة السياسة التي قد تعطل الاثنين معًا.