واشنطن تدوّل المسيّرات

news image

 

القيادة المركزية تبدأ تأسيس أول قوة هجومية متعددة الجنسيات للمسيّرات؛ وتسعى إلى نقل ما اختبرته ضد إيران من وحدة أمريكية محدودة إلى منظومة إقليمية تعمل في الجو وفوق البحر وتحته

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

بدأت القيادة المركزية الأمريكية إجراءات تأسيس أول قوة مهام هجومية للمسيّرات متعددة الجنسيات والمجالات في الشرق الأوسط، في خطوة تتجاوز إضافة سرب جديد إلى القوات الأمريكية؛ إذ تسعى إلى تشغيل الأنظمة غير المأهولة بالاشتراك مع دول المنطقة، بدل بقائها قدرةً أمريكية منفردة.

وأطلقت القيادة على المشروع اسم «فالكون سترايك»، وقالت إنه سيستخدم مسيّرات هجومية أحادية الاتجاه وأنظمة غير مأهولة تعمل في الجو، وفوق سطح البحر، وتحته، ضمن طاقم يُفترض أن يضم عسكريين أمريكيين وممثلين عن شركاء إقليميين.

لكن القوة لا تزال مشروعًا قيد التأسيس؛ فلم تُعلن أسماء الدول التي قررت الانضمام، ولا موقع القيادة العملياتية أو قواعد الاشتباك، فيما لا تزال القيادة المركزية تتشاور مع الشركاء وتوجه إليهم الدعوات الرسمية.

ولذلك لا يتعلق الخبر بقوة أصبحت جاهزةً للقتال، بل بمحاولة أمريكية لتأسيسها، وستحدد استجابة دول المنطقة ما إذا كانت ستتحول من إعلان إلى منظومة فعلية.

من العقرب إلى الصقر

تأتي «فالكون سترايك» بعد تسعة أشهر من إنشاء «سكوربيون سترايك»، أول سرب أمريكي متخصص في المسيّرات الهجومية أحادية الاتجاه داخل الشرق الأوسط.

وخاضت الوحدة السابقة اختبارات عملياتية؛ فأطلقت مسيّرة هجومية من سفينة حربية أمريكية، واستخدمت هذه الأنظمة خلال الحرب مع إيران، كما شاركت زوارق هجومية غير مأهولة في ضرب منشآت بموانئ إيرانية خلال يوليو.

وتصف القيادة المركزية هذه العمليات بأنها نجاح تريد البناء عليه. غير أن المعلومات المنشورة لا تكفي لإجراء تقييم مستقل شامل لدقة الضربات وكلفتها ونتائجها، أو لمعرفة ما إذا كان نجاحها في ظروف محددة قابلًا للتكرار داخل قوة تضم أنظمة ودولًا متعددة.

وهنا يكمن الخبر الأعمق:

واشنطن لا تعلن وحدةً جديدة فقط؛ بل تحاول نقل تجربة اختبرتها في الحرب من التشغيل الأمريكي المحدود إلى العمل الإقليمي المشترك. وبين المحاولة والنجاح تقف أسئلة الشركاء والقيادة والهدف.

من الاستراتيجية إلى العقيدة

عبارة «تحويل تجربة الحرب مع إيران إلى عقيدة عسكرية إقليمية دائمة» لا تعني أن الولايات المتحدة أصدرت وثيقة رسمية بهذا الاسم، ولا أن العقيدة اكتملت؛ بل تصف الاتجاه الذي تكشفه قراراتها العسكرية إذا نجح المشروع واستمر.

فالتجربة تكون مؤقتة عندما يُستخدم سلاح لمعالجة ظرف محدد، ثم ينتهي دوره بانتهاء المعركة. أما العقيدة العسكرية، فتتشكل عندما تتحول الدروس التي أثبتت فاعليتها إلى مبادئ ثابتة توجه التفكير والتخطيط والتسليح والتدريب والقتال.

وهنا يبرز الفرق بين الاستراتيجية والعقيدة:

فالاستراتيجية تحدد الغاية التي تريد الدولة بلوغها، والوسائل التي ستستخدمها، والكلفة التي تستطيع تحملها؛ أي إنها تجيب عن أسئلة: لماذا نقاتل؟ ما النتيجة المطلوبة؟ وكيف تنتهي المواجهة؟

أما العقيدة فتحدد الطريقة التي تعمل بها القوات لتحقيق تلك الغاية؛ فتجيب عن أسئلة: كيف نقاتل؟ وكيف تتكامل القوات؟ وما الأسلحة والأساليب التي ثبتت فاعليتها؟

الاستراتيجية ترسم الوجهة والنهاية؛ والعقيدة تنظّم السير والقتال في الطريق.

ولدى الولايات المتحدة منظومة واسعة من الاستراتيجيات والعقائد العسكرية؛ من الردع النووي والمتكامل، إلى العمليات المشتركة ومتعددة المجالات، والانتشار المتقدم والعمل مع الحلفاء. كما تملك وثائق تنظّم التخطيط والتدريب وتنفيذ العمليات بين أفرع قواتها المختلفة.

وما تفعله واشنطن بالمسيّرات قد يمثل بداية انتقال مماثل:

  • بدأت بسرب أمريكي محدود.
  • اختبرت المسيّرات فعليًا ضد إيران.
  • أعلنت أنها قيّمت فاعليتها وكلفتها.
  • وسّعت التجربة من الجو إلى سطح البحر وتحته.
  • بدأت دعوة دول المنطقة إلى المشاركة.
  • وتسعى إلى دمج القدرات داخل قيادة وردع مشتركين.

وإذا اكتملت هذه المراحل، فلن يبقى ما جرى خلال الحرب حادثةً في سجل العمليات؛ بل سيتحول إلى نموذج يُعاد التدريب عليه، وتُبنى له وحدات، وتُشترى له أسلحة، ويستمر بعد توقف المعارك.

لكن امتلاك عقيدة متقدمة لا يضمن الوصول إلى النتيجة السياسية المطلوبة.

ففي أكثر من حرب، أثبتت الولايات المتحدة قدرتها على الدخول السريع، وتدمير الأهداف وإضعاف القوة المقابلة؛ لكن النتائج تعقدت بعد توقف الضربات. وقد يكون التفوق الميداني واضحًا، بينما تبقى أسئلة اليوم التالي بلا إجابات مكتملة: من يملأ الفراغ؟ من يدير التسوية؟ وكيف تتحول القوة إلى استقرار؟

ويظهر هذا التحدي في الحرب مع إيران؛ فقد وجهت واشنطن ضربات واسعة، وفرضت حصارًا وأضعفت قدرات إيرانية، لكنها لم تحول ذلك حتى الآن إلى نهاية سياسية مستقرة، أو فتح دائم لهرمز، أو اتفاق يمنع استئناف المواجهة.

تعرف الولايات المتحدة كيف تبدأ الضغط العسكري؛ لكن خبراتها السابقة تجعل دول المنطقة تسأل عمّا إذا كانت تعرف، هذه المرة، كيف تنهيه.

ومن هنا لن تُقاس جاذبية «فالكون سترايك» بكفاءة المسيّرات وحدها، بل بوضوح المشروع السياسي الذي تقوده. فقد ترحب دول المنطقة بتقنية منخفضة الكلفة تدعم حماية منشآتها وممراتها، لكنها ستتردد إذا خشيت أن تتحول القوة إلى ذراع هجومية تستدعي ردودًا إيرانية، ثم تتركها واشنطن أمام نتائج لم تشارك في تحديدها.

ولكي يكتسب المشروع ثقة الشركاء، يحتاج إلى إجابات واضحة: من يقرر الهدف؟ وهل تملك الدولة المشاركة حق رفض العملية؟ وهل تقتصر المهمة على الردع وحماية الملاحة، أم تشمل ضرب أراضي دول أخرى؟ وماذا يحدث إذا بدأت الضربة حربًا أوسع؟

قد يقتنع العالم بفاعلية سلاح أمريكي، لكنه لن يقتنع بمشروع إقليمي ما لم يرَ، إلى جانب خطة الهجوم، استراتيجيةً لليوم التالي.

وهكذا قد تصبح العقيدة إجابةً عسكرية جاهزة للمعارك المقبلة؛ لكن قدرتها على إصابة الهدف لا تعفي الاستراتيجية من الإجابة عن السؤال الأصعب: ماذا بعد إصابته؟

الفكرة تعود إلى إيران

بنت إيران جانبًا من قوتها خلال العقود الماضية على المسيّرات المنخفضة الكلفة؛ إذ يمكن إنتاجها وإطلاقها بأعداد كبيرة لإرباك الدفاعات واستنزاف ذخائرها، من دون الحاجة إلى امتلاك تفوق جوي تقليدي.

والتقطت الولايات المتحدة المنطق نفسه، وبدأت نشر مسيّرات هجومية منخفضة الكلفة قابلة للإطلاق بوسائل متعددة. وتقول القيادة المركزية إن كلفة منصة «لوكاس» تبلغ نحو 35 ألف دولار، وهي أقل كثيرًا من كلفة صواريخ دقيقة وطائرات قتالية تُستخدم في بعض المهمات.

لكن التشابه في الفكرة لا يعني تطابق القدرات أو ضمان النتيجة. فالميزة الأمريكية المحتملة لا تأتي من المسيّرة وحدها، بل من ربطها بأنظمة الاستطلاع والفضاء والاستخبارات والقيادة والسيطرة؛ فيما تستطيع إيران بدورها تطوير وسائل التشويش والاعتراض والتضليل وتغيير أساليب انتشارها.

المفارقة أن الولايات المتحدة لا تلغي الفكرة الإيرانية؛ بل تتبناها وتضعها داخل شبكة أوسع. لكن اتساع الشبكة لا يثبت فاعليتها قبل أن تُختبر قدرتها على التنسيق والعمل تحت ضغط الحرب.

لماذا قد تشارك المنطقة؟

تريد الولايات المتحدة من المشروع أكثر من الحصول على طائرات إضافية.

فمشاركة دول إقليمية قد تمنح القوة مواقع أقرب، ومعرفةً بالتضاريس والمياه، وقدرات صناعية وتقنية متنوعة، وتوزيعًا لكلفة التشغيل، واتساعًا في نطاق المراقبة والاستجابة.

وفي المقابل، قد تحصل الدول المشاركة على تدريب وتقنيات وتبادل بيانات وخبرة في تشغيل الأنظمة غير المأهولة، بدل اكتفاء كل دولة بشراء منصات تعمل منفصلة عن بقية الشبكة.

غير أن هذه المنافع لا تجعل الانضمام تلقائيًا. فقد تفضّل بعض الدول المشاركة في التدريب أو تبادل المعلومات من دون السماح باستخدام أراضيها في الهجوم، وقد تضع قيودًا على الأهداف، أو ترفض الارتباط بقوة يمكن أن تجعلها طرفًا مباشرًا في الحرب.

فالقيادة المركزية تصف «فالكون سترايك» بأنها أداة ردع، لكن تسليحها هجومي، وتعتمد على مسيّرات أحادية الاتجاه لا تعود بعد تنفيذ ضربتها. ومن هنا لا يكفي اسم «الردع» للإجابة عن طبيعة المهمة؛ إذ تحددها قواعد الاشتباك والهدف ومن يمتلك قرار الإطلاق.

علاقتها بأمن البحر

لا تقتصر «فالكون سترايك» على السماء؛ فإدخال أنظمة غير مأهولة فوق سطح البحر وتحته يمنحها صلةً محتملة بحماية السفن والموانئ والمضايق، ومراقبة الألغام والزوارق المعادية والمنصات الساحلية.

وقد يجعلها ذلك جزءًا من تحول أوسع في أمن المنطقة: دفاع جوي أكثر ترابطًا في الأعلى، وقدرات بحرية جماعية في الممرات، ثم ذراع غير مأهولة تستطيع مراقبة مصدر الخطر أو مهاجمته.

وقد تتقاطع مهامها مستقبلًا مع التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي أطلقته السعودية، لكن لا يجوز اعتبار المملكة عضوًا في القوة الأمريكية الجديدة؛ إذ لم تكشف واشنطن أسماء الدول التي تلقت الدعوات أو قررت المشاركة.

والفارق مهم: التحالف البحري المعلن تقوده السعودية، ومهمته الأمن الجماعي وحماية الملاحة، بينما تقود القوات الخاصة الأمريكية تأسيس «فالكون سترايك» بوصفها قدرة هجومية متعددة المجالات. وقد تتكامل المهمتان في بعض الظروف، لكن اختلاف القيادة والاختصاص يمنع افتراض اندماجهما قبل إعلان ترتيبات واضحة.

الكلفة تغيّر الحرب

لا تتعلق المسألة بالتقنية وحدها، بل باقتصاد القتال.

فالحرب مع إيران استهلكت ذخائر أمريكية مرتفعة الكلفة، وأعادت طرح سؤال قديم بحدة أكبر: هل من المنطقي دائمًا مواجهة مسيّرة رخيصة بصاروخ تبلغ كلفته أضعاف ثمنها، أو استخدام منصة باهظة لضرب هدف يمكن الوصول إليه بسلاح أرخص؟

تقدم المسيّرات الهجومية أحد الأجوبة؛ فقد تسمح بتوجيه ضربات أقل كلفة، وتشتيت الدفاعات، وتقليل الاعتماد على بعض الصواريخ والطائرات الأعلى ثمنًا، من دون الاستغناء عنها.

لكن ثمن المنصة لا يمثل الكلفة الكاملة؛ فالتشغيل يحتاج إلى استطلاع واتصالات وحماية وصيانة وتدريب وذخائر وشبكات قيادة. كما أن انخفاض السعر لا يضمن الدقة أو القدرة على اختراق الدفاعات، ولا يجعل الحرب سهلة أو قليلة الخسائر.

وقد يؤدي انخفاض كلفة الضربة إلى نتيجة سياسية معاكسة: تسهيل اتخاذ قرار استخدامها، وزيادة عدد الهجمات، وخفض العتبة الفاصلة بين الردع والتصعيد.

السلاح الأرخص قد يقلل كلفة الضربة الواحدة؛ لكنه قد يزيد عدد الضربات، ويجعل كلفة الحرب النهائية أعلى.

ما بين السطور

ركزت التغطيات على إعلان أول قوة متعددة الجنسيات من نوعها، لكن الأهم هو توقيت المشروع.

فالحرب لم تنتهِ، ولم يعد هرمز إلى العمل بصورة طبيعية، وتتحدث إيران عن الانتقال إلى الهجوم، فيما تبني دول المنطقة ترتيبات جديدة للدفاع البحري والجماعي.

وهذا يعني أن واشنطن لا تنتظر التسوية لتقرر شكل وجودها بعد الحرب؛ بل تستخدم المعركة لاختبار السلاح، وتحاول تحويل نتائج الاختبار إلى مؤسسة عسكرية تستمر بعدها. لكن نجاح هذا الانتقال يتوقف على استعداد الشركاء للمشاركة، وليس على القرار الأمريكي وحده.

وقد يعكس عدم إعلان أسمائهم حساسية المفاوضات؛ إذ يتعين على كل دولة أن توازن بين حاجتها إلى الحماية والتقنية، وبين تجنب الظهور طرفًا مباشرًا في الضربات الأمريكية.

وهنا يبرز سؤال استشرافي: هل تتكامل «فالكون سترايك» مع التحالفات الجديدة في المنطقة، أم تنافسها؟

من الناحية العسكرية، يمكن أن يحدث التكامل؛ فالتحالف البحري الذي تقوده السعودية يحمي الملاحة والممرات، واتفاقية مكة تبني ردعًا سياسيًا ودفاعًا مشتركًا، بينما يُفترض أن تضيف «فالكون سترايك» قدرة هجومية غير مأهولة في الجو والبحر وتحته. وإذا جرى تبادل المعلومات وتوزيع المهام من دون تداخل في القيادة، فقد تصبح هذه الترتيبات أجزاءً متعاونة في أمن المنطقة.

لكن احتمال التعارض يظهر سياسيًا عند سؤال القيادة وقرار استخدام القوة. فالتحالفات الجديدة تعكس رغبة دول المنطقة في توسيع قدرتها على امتلاك قرارها الأمني وصياغة سلامها من داخلها، بينما تضع القوة الجديدة مركز القيادة في يد القوات الخاصة التابعة للقيادة المركزية الأمريكية.

المسألة، إذن، ليست في توافق الأسلحة، بل في الجهة التي تحدد الخطر، وتختار الهدف، وتقرر متى يبدأ الهجوم ومتى يتوقف.

وقد ينسجم المشروع مع ملامح التصور الأوسع الذي يحاول ترامب بناءه للشرق الأوسط، وإن لم تعلن واشنطن وثيقة تربط «فالكون سترايك» رسميًا بخطة تحمل هذا الاسم. ويبدو التصور قائمًا على تقليل العبء الأمريكي المباشر، وزيادة مساهمة الحلفاء، وربط قدراتهم بالتقنية والقيادة الأمريكية، بما يحمي المصالح والممرات بأقل كلفة بشرية ومالية على واشنطن.

لكن دول المنطقة تبني بدورها ترتيبات تقوم على الدفاع المتبادل وتعزيز استقلال القرار، ولا يعني تعاونها مع الولايات المتحدة قبولها تلقائيًا بإدارة أمنها من الخارج.

ولهذا قد تلتقي الرؤيتان عند ردع إيران وحماية الملاحة، ثم تختلفان عند تحديد من يقود المنطقة بعد الحرب، ومن يتحمل تبعات قراراتها.

يريد ترامب شرقًا أوسط يتحمل جانبًا أكبر من كلفة أمنه داخل منظومة تحتفظ فيها واشنطن بنفوذ القيادة؛ بينما تريد دول المنطقة أن تبني أمنها بالشراكة معها، لا أن تسلّمها مفتاحه.

ومن هنا سيكون مستقبل «فالكون سترايك» اختبارًا يتجاوز المسيّرات: إما أن تصبح قدرةً تقنية تساند التحالفات الإقليمية وتحترم قرارها، أو تتحول إلى إطار أمريكي يحاول استيعابها وإعادة ترتيبها تحت قيادته.

قد تتكامل المشاريع في مواجهة الخطر؛ لكن الشرق الأوسط الجديد سيحدده في النهاية مَن يمتلك قرار الضغط على الزناد.

ويبقى السؤال: هل تقبل دول التحالفات الجديدة أن تدخل الولايات المتحدة من باب المسيّرات شريكًا تقنيًا، ثم تستقر من الباب الخلفي قائدًا لقرارها الأمني؟

التقدير

يُرجح، إذا حصلت واشنطن على موافقات كافية، أن تبدأ «فالكون سترايك» بعدد محدود من الدول والأنظمة، ثم تحاول التوسع عبر التدريبات وتبادل البيانات وربط منصات مختلفة داخل قيادة واحدة.

وسيكون المؤشر الأول هو أسماء الدول المنضمة، وموقع القيادة العملياتية، وقواعد الانتشار. أما الاختبار الأهم فهو من يمتلك قرار اختيار الهدف وإطلاق المسيّرة.

وقد تقبل دول المنطقة التعاون في التدريب والتقنية وتبادل المعلومات، من دون تفويض واشنطن بقرار الهجوم. لذلك لن يتوقف نجاح المشروع على عدد المسيّرات أو الدول المشاركة؛ بل على قدرة الولايات المتحدة على إثبات أن القوة تساند التحالفات الإقليمية ولا تستوعبها، وتدعم أمن المنطقة من دون أن تنتزع قرارها.

فإذا اقتصرت مهام القوة على التدريب والردع ومواجهة أخطار متفق عليها، فقد تضيف قدرةً جديدة إلى بنية الأمن الإقليمي. أما إذا وُضعت لها خطط ضرب عابرة للحدود تحت قيادة أمريكية منفردة، فقد تتحول من أداة للحماية المشتركة إلى مصدر خلاف حول السيادة والقيادة وحق استخدام القوة.

وسيأتي الاختبار الحاسم في أول أزمة: هل تتحرك «فالكون سترايك» بقرار مشترك، أم تكتشف الدول المشاركة أن الشراكة كانت في توفير القدرات وتحمل المخاطر، بينما بقي قرار الإطلاق أمريكيًا؟

لقد بدأت إيران تفقد انفرادها بفكرة استخدام المسيّرات الرخيصة لإرباك خصومها؛ فالولايات المتحدة تتبنى المنطق نفسه، وتريد تشغيله عبر شركاء ومن مجالات متعددة. لكن ما أُعلن حتى الآن مشروع قوة، لا قوة مكتملة؛ ولن تحدد قيمته المنصات وحدها، بل فاعليتها الميدانية، وهوية المشاركين، ومن يملك قرار إطلاقها واستراتيجية وقفها بعد انتهاء المهمة.

تُحسن واشنطن اقتناص الفرص والترويج لها، لكنها لا تنجح دائمًا في تحويلها إلى مكاسب مستدامة؛ ويظل اختبارها الأصعب أن تعزز بها ثقة حلفائها، لا أن تترك لهم فاتورتها.