الرياض مرجعية لأخلاقيات الذكاء

نظام أساس جديد ينقل المركز الدولي من التأسيس إلى العمل المؤسسي، ويمنحه صلاحية إنشاء فروع خارج المملكة، وتقديم الاستشارات وإنتاج التقارير في نطاق يشمل جميع دول اليونسكو
خاص | بث
تكشف قراءة النظام الأساس للمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي أن المملكة لا تؤسس مركزًا بحثيًا جديدًا في الرياض فحسب؛ بل تبني مؤسسة دولية تستطيع الانتقال بخبراتها وبرامجها إلى خارج حدودها، والمشاركة في صياغة السياسات التي تنظم علاقة العالم بالذكاء الاصطناعي.
فالخبر هو صدور النظام الأساس للمركز، لكن الخبر المختبئ بين مواده يتمثل في منحه صلاحية إنشاء فروع ومكاتب داخل المملكة وخارجها، والعمل في نطاق يشمل جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
ويتمتع المركز بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويعمل بصفته مركزًا دوليًا تحت رعاية اليونسكو، من مقره الرئيس في مدينة الرياض.
ولا يعني النص أن المركز قرر بالفعل افتتاح فروع دولية، أو حدد الدول التي ستستضيفها، لكنه أنشأ القاعدة النظامية التي تسمح له بالتوسع متى اقتضت طبيعة عمله ذلك، من دون الحاجة إلى إعادة بناء وضعه القانوني مستقبلًا.
وهنا يتجاوز النظام إعلان تأسيس مركز دولي إلى رسم بنية شبكة معرفية يمكن أن تنطلق من الرياض، وتصل بأبحاثها واستشاراتها وبرامجها التدريبية إلى الدول والمؤسسات التي تحتاج إلى تطوير سياساتها في الذكاء الاصطناعي.
الرياض لا تستضيف الحوار حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي فقط؛ بل تبني المؤسسة التي تستطيع تحويله إلى عمل دولي مستمر.
ما الجديد؟
سبق أن تناولت وكالة BETH في تقرير «الضمير قبل الخوارزمية» مفهوم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأخطار الانحياز وانتهاك الخصوصية، والمسؤولية عن قرارات الأنظمة الآلية، ودور الإنسان في مراقبة الخوارزميات.
كما عرض التقرير استعداد الرياض لاستضافة المنتدى العالمي الرابع لليونسكو حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأشار إلى انتقال المملكة من الاستثمار في التقنية إلى المشاركة في النقاش الدولي المتعلق بقواعد استخدامها.
أما التطور الجديد، فلا يتعلق بشرح الأخلاقيات أو الإعلان عن المنتدى؛ بل بصدور النظام الذي يحدد كيف سيعمل المركز الدولي، ومن يدير قراراته، وكيف يمول نشاطه، وما الصلاحيات التي يمتلكها، وإلى أي مدى يمكن أن يمتد خارج المملكة.
وبذلك انتقل المركز من قرار الإنشاء إلى المؤسسة؛ ومن عنوان دولي في الرياض إلى كيان يملك أدوات البحث والتدريب والاستشارة والتعاقد والتوسع الجغرافي.
من الرياض إلى الخارج
ينص النظام على أن يكون المقر الرئيس للمركز في الرياض، ويجيز له إنشاء فروع ومكاتب داخل المملكة وخارجها بحسب الحاجة.
كما يجعل نطاق أنشطته شاملًا لجميع الدول الأعضاء في اليونسكو، ما يمنحه مجالًا دوليًا لا يقتصر على منطقة جغرافية أو مجموعة محددة من الدول.
وتكتسب هذه الصلاحية أهميتها من اختلاف احتياجات الدول في التعامل مع الذكاء الاصطناعي.
فبعض الدول تطور أنظمة متقدمة وتحتاج إلى قواعد تضبط استخدامها في الصحة والتعليم والأمن والعمل، بينما لا تزال دول أخرى في مرحلة بناء التشريعات وتأهيل الكفاءات وتحديد الجهات المسؤولة عن مراقبة التقنية.
وقد تسمح الفروع والمكاتب الخارجية للمركز بالاقتراب من احتياجات كل منطقة، وتطوير برامج تناسب ظروفها القانونية والثقافية والتقنية، بدل إدارة نشاط عالمي كامل من مقر واحد.
لكن الدقة تقتضي الفصل بين إمكان التوسع وقرار التوسع؛ فالنظام يمنح المركز الصلاحية، بينما يبقى إنشاء الفروع مرتبطًا بخططه المستقبلية وحاجة العمل والاتفاقات مع الدول المستضيفة.
ومع ذلك، يكشف إدراج هذه الصلاحية في النظام الأساس أن الحضور الخارجي ليس فكرةً عارضة، بل احتمال مؤسسي أُخذ في الاعتبار منذ بناء المركز.
من يشارك في القرار؟
يعكس تشكيل مجلس إدارة المركز طبيعته الدولية.
ويرأس المجلس رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، ويضم ممثلًا عن المدير العام لليونسكو، وما يصل إلى سبعة أعضاء يمثلون دولًا أعضاء في المنظمة.
كما يضم ممثلين لهيئات ومؤسسات وطنية حكومية أو خاصة، وممثلين لهيئات ومؤسسات دولية حكومية وخاصة، فيما يتولى المدير العام للمركز أمانة المجلس من دون أن يكون له حق التصويت.
ويتولى المجلس إقرار برامج المركز المتوسطة والطويلة، واعتماد خطة العمل السنوية، وإصدار اللوائح المالية والإدارية، ودراسة تقارير التقييم التي تقيس إسهام المركز في تحقيق أهداف برامج اليونسكو.
ويملك كذلك البت في مشاركة المنظمات والهيئات الحكومية والإقليمية والدولية في أنشطة المركز، وإنشاء لجان ومجموعات عمل دائمة أو مؤقتة، والاستعانة بخبراء من داخله أو خارجه.
ويعني ذلك أن البرامج والتوصيات التي ستصدر من الرياض لن تُبنى من منظور محلي منفرد؛ بل داخل مجلس يشارك فيه ممثلو دول ومؤسسات وطنية ودولية.
وهذه البنية تمنح المركز فرصةً ليصبح ملتقى للتجارب المختلفة، خصوصًا أن القضايا الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تُفهم بمعزل عن ثقافة كل مجتمع وأنظمته ودرجة تطوره التقني.
المبادئ تتحول إلى خدمات
لا تقتصر اختصاصات المركز على نشر الوعي أو تنظيم المؤتمرات.
فقد منحه النظام صلاحية دعم البحث العلمي، وتطوير القدرات، وتصميم البرامج التدريبية، وتبادل المعرفة والخبرات في سياسات الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته.
كما يستطيع بناء منصات دولية، وتقديم خدمات استشارية فنية، وإنتاج تقارير بحثية وفنية وإعلامية، والمشاركة في المنظمات الدولية، وإبرام الاتفاقيات والعقود مع الجهات الداخلية والخارجية.
ويملك المركز كذلك تحديد مقابل مالي للخدمات التي يقدمها، وقبول المنح والتبرعات والهبات والأوقاف وفق الإجراءات النظامية.
وتكشف هذه الصلاحيات أن المركز لا يستهدف الاكتفاء بإصدار مبادئ عامة، بل يستطيع مساعدة الدول والمؤسسات على تطوير أدوات التطبيق.
فالمشكلة العالمية لم تعد في غياب الحديث عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي؛ بل في كيفية تحويله إلى إجراءات داخل المستشفيات والمدارس والبنوك والمنصات والمؤسسات الحكومية.
وتحتاج الجهات التي تستخدم الأنظمة الذكية إلى تقييم أثرها في الحقوق والخصوصية، واختبار الانحياز، وتحديد المسؤولية، وبناء آليات الاعتراض، وتدريب الموظفين على معرفة متى يقبلون قرار الخوارزمية ومتى يرفضونه.
وهنا يظهر الدور المحتمل للمركز:
ألا يكتفي بتعريف الاستخدام الأخلاقي، بل يساعد المؤسسات على معرفة مدى التزامها به.
تقارير قد تصنع المعيار
تبدو صلاحية إنتاج التقارير البحثية والفنية واحدةً من المهمات المعتادة للمراكز، لكنها قد تكون من أكثر أدوات المركز تأثيرًا.
فالتقارير الصادرة عن مركز دولي يعمل تحت رعاية اليونسكو، وتشارك دول ومؤسسات في مجلسه، يمكن أن تتحول إلى مراجع تستند إليها الحكومات والشركات والجامعات عند إعداد سياساتها.
وقد تمتد هذه التقارير مستقبلًا إلى قياس جاهزية المؤسسات، ورصد المخاطر، ومقارنة تجارب الدول، وتقييم أثر الذكاء الاصطناعي في الحقوق والعمل والتعليم والصحة.
ولا تملك التقارير في ذاتها قوة القانون، لكن المعايير الدولية تبدأ غالبًا من بحث أو توصية، ثم تنتقل إلى دليل إجرائي، وبعد ذلك تدخل في التشريعات والعقود ومتطلبات السوق.
ومن ينتج المعرفة التي يُبنى عليها المعيار، يشارك في توجيه القرار حتى إن لم يكن هو من يصدره.
اليونسكو شريك لا مدير
يعمل المركز تحت رعاية اليونسكو، ويجوز له استخدام هذه الصفة في اسمه ووثائقه وفق الضوابط المحددة.
كما تستطيع المنظمة تقديم المساعدة التقنية لأعماله، وإتاحة خبرائها، والمشاركة في عمليات تبادل الموظفين، وإعارة بعض منسوبيها مؤقتًا لتنفيذ أنشطة أو مشروعات مشتركة.
ويتيح النظام كذلك مشاركة ممثل عن المدير العام لليونسكو في مجلس الإدارة، وندب موظفين من المنظمة للعمل ضمن الجهاز الإداري للمركز.
لكن المركز لا يتحول بذلك إلى إدارة تابعة لليونسكو؛ فهو يتمتع باستقلال مالي وإداري، وتخضع إدارته المالية وأصوله وأنظمته للأنظمة المعمول بها في المملكة.
ويجمع هذا البناء بين الاستقلال المؤسسي للمركز من جهة، والصفة الدولية والخبرة الفنية التي توفرها علاقته باليونسكو من جهة أخرى.
المملكة تبني الرصيد
لا يقتصر الدور السعودي على توفير مقر يحمل اسم المركز.
فالنظام ينص على توفير الموارد المالية والعينية الضرورية لإدارة المركز ودعم أدائه، بالتعاون مع حكومة المملكة، بما يشمل المباني وصيانتها والمعدات والمرافق والاتصالات والموظفين.
وتتكون موارده من مساهمات حكومة المملكة، وما يقبله من منح وتبرعات وهبات وأوقاف، إضافة إلى الموارد الأخرى التي يقرها مجلس الإدارة.
لكن إحدى أكثر مواد النظام دلالة تظهر عند الحديث عن احتمال حل المركز مستقبلًا؛ إذ تنص على أيلولة جميع أصوله المادية والفكرية إلى حكومة المملكة، مع مراعاة الحقوق الثابتة للأطراف الأخرى.
وهذا يعني أن ما يُبنى داخل المركز لا يقتصر على الأثاث والمقرات والتجهيزات، بل يشمل رصيدًا معرفيًا قد يتكون من الأبحاث والمنهجيات والمنصات والأدوات والبرامج.
وبذلك لا تستضيف المملكة النشاط الدولي مؤقتًا؛ بل تبني داخلها أصلًا مؤسسيًا ومعرفيًا يبقى مرتبطًا بها حتى في الحالة الافتراضية لانتهاء المركز.
المنتدى ليس النهاية
يكتسب صدور النظام أهمية إضافية قبل استضافة الرياض المنتدى العالمي الرابع لليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، خلال الفترة من 14 إلى 17 سبتمبر 2026.
وسبق أن تناولت «بث» أهمية المنتدى والأسئلة التي سيطرحها بشأن المسؤولية والخصوصية والانحياز والإشراف البشري.
لكن النظام يكشف الآن ما يمكن أن يحدث بعد مغادرة المشاركين الرياض.
فالمنتدى يستمر أربعة أيام، بينما يستطيع المركز متابعة توصياته طوال العام، وإجراء الأبحاث حولها، وتصميم البرامج، وبناء الشراكات، وتقديم الاستشارات للدول والمؤسسات.
وبذلك لا تكون الرياض موقعًا لمناقشة المشكلة فقط، بل مقر المؤسسة التي يمكن أن تتابع الحلول وتختبرها وتنقلها إلى الخارج.
ماذا تكسب الرياض؟
تتنافس دول العالم على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أقوى، واستقطاب الشركات ومراكز البيانات والاستثمارات التقنية.
لكن التأثير في مستقبل الذكاء الاصطناعي لا تصنعه القدرة الحاسوبية وحدها؛ بل تصنعه أيضًا الجهات التي تطور القواعد والمعايير التي تحدد أين تستخدم التقنية، ومن يتحمل مسؤولية أخطائها، وما الحقوق التي لا يجوز أن تتجاوزها.
ولا يمنح المركز الرياض سلطة إصدار تشريعات ملزمة للدول، لكنه يمنحها موقعًا يجمع الحكومات والخبراء والمؤسسات، وينتج الأبحاث والتوصيات والأدوات التي قد تستفيد منها عند بناء تشريعاتها.
كما يمنح المملكة فرصةً لإدخال اللغة العربية والثقافات الإقليمية في النقاش العالمي، حتى لا تبقى معايير الذكاء الاصطناعي مبنيةً بالكامل على بيانات وتجارب وأولويات أنتجتها مجتمعات أخرى.
فالنظام الذي لا يفهم اللغة أو الثقافة أو طبيعة المجتمع قد يبدو محايدًا تقنيًا، لكنه ينتج قرارات غير عادلة عند التطبيق.
ولهذا لا تمثل الرياض مقرًا جغرافيًا للمركز فقط؛ بل نافذةً تستطيع المنطقة من خلالها المشاركة في كتابة قواعد التقنية التي ستؤثر في مستقبلها.
التقدير
لم تبدأ الفروع الخارجية، ولم يُعلن حتى الآن عن الدول التي قد تستضيفها، كما لا تزال القيمة الفعلية للمركز مرتبطة بتشكيل مجلسه وبرامجه وشراكاته وما سينتجه من أبحاث وأدوات قابلة للتطبيق.
لكن النظام الأساس وضع الهيكل الذي يسمح ببدء هذه المرحلة.
فأمام الرياض الآن مركز دولي مستقل، يعمل تحت رعاية اليونسكو، ويشمل نطاق نشاطه دول المنظمة، ويملك إنشاء فروع خارج المملكة، وتقديم الاستشارات، وإنتاج التقارير، وبناء المنصات، وإبرام الاتفاقيات.
وفي تقرير «الضمير قبل الخوارزمية»، كان السؤال: كيف يبقى الإنسان مسؤولًا عن الآلة؟
أما النظام الجديد، فيقدم إجابة مؤسسية سعودية أولى: بناء مركز لا يكتفي بطرح السؤال، بل يستطيع مساعدة العالم على البحث عن قواعد تطبيقه.
فالمرحلة المقبلة لن تحددها الدول التي تطور الذكاء الاصطناعي وحدها؛ بل الدول التي تشارك في تحديد ما ينبغي أن يفعله، وما يجب منعه من فعله.