ذاكرة المملكة من السماء

news image

 

47 مشروعًا للمسح الجوي لم تنتج خرائط فقط؛ بل بنت أرشيفًا جيومكانيًا يحفظ تحولات المدن والأراضي السعودية، ويدعم صناعة القرار بعد 56 عامًا من التصوير والتحليل

 

الرياض | بث

تمتلك المملكة أرشيفًا بصريًا وجيومكانيًا يوثّق تحولات مدنها وأراضيها من السماء منذ عام 1970م، بعد تنفيذ 47 مشروعًا للمسح الجوي وإنتاج الخرائط على امتداد 56 عامًا.

وكشفت وكالة التخطيط الحضري والأراضي بوزارة البلديات والإسكان أن هذه المشروعات أسهمت في بناء قاعدة بيانات جيومكانية تغطي أكثر من 771 ألفًا و172 كيلومترًا مربعًا، وتضم صورًا جوية تاريخية وحديثة للنطاقات العمرانية في مختلف مناطق المملكة.

ولا تمثل هذه المنظومة مشروعًا وزاريًا محدودًا؛ بل بنية معلوماتية وطنية تعتمد عليها جهات حكومية متعددة في التخطيط وإدارة التنمية ومتابعة التحولات المكانية.

وقد نُفذت مشروعات المسح الجوي على مراحل شملت مناطق مختلفة من المملكة، وأسهمت في تكوين أرشيف وطني متكامل للصور الجوية، وتحديث البيانات المكانية، وتوفير مرجع موثوق للمشروعات التنموية والدراسات والمخططات العمرانية.

غير أن القيمة الكامنة في هذه البيانات تتجاوز التخطيط الحضري وإدارة الأراضي؛ إذ تمثل الصور المتعاقبة سجلًا تاريخيًا يمكن من خلاله قراءة التحولات التي شهدتها المملكة خلال أكثر من نصف قرن.

فمقارنة الصور الملتقطة في فترات زمنية مختلفة تكشف كيف تمددت المدن، وأين ظهرت الأحياء والطرق، وكيف تغيرت استعمالات الأراضي والسواحل والأودية، وما الذي اختفى من المشهد العمراني مع مرور الزمن.

وبدأت المسيرة بالتصوير الجوي بالأبيض والأسود باستخدام الأفلام التناظرية، ثم انتقلت إلى الصور الجوية الملونة، وصولًا إلى التصوير الرقمي عالي الدقة وإنتاج الخرائط العقارية الرقمية.

وتشمل مخرجات المنظومة مصورات جوية تاريخية وحديثة، وخرائط طبوغرافية وعقارية، وبيانات التثليث الجوي، ونماذج رقمية للتضاريس والسطح، ما يجعلها قاعدة للقياس والتحليل، لا أرشيفًا للصور فقط.

وتدعم هذه البيانات إعداد المخططات العمرانية، وتحديث معلومات الأراضي، ورصد التغيرات والتعديات على الأودية، وتزويد الأمانات والبلديات بالصور الحديثة للنطاق العمراني، إضافة إلى خدمة أعمال مركز الأراضي البيضاء ومتابعة المشروعات التنموية.

كما تتيح مقارنة النماذج الرقمية والصور الجوية في أزمنة مختلفة قياس ارتفاعات المباني، وتغير تضاريس المواقع، واتجاهات الزحف العمراني، وأثر المشروعات الكبرى في المدن والبيئة المحيطة بها.

وشهدت المنظومة محطة مهمة في تطوير الجودة، بحصول الوزارة عام 2010م على شهادة «ISO 9001:2008» في نطاق إنتاج المعلومات المكانية وتوفيرها، بما يشمل المسح الجوي والأرضي، والخرائط المصورة والطبوغرافية والعقارية، والاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية.

ويمهد استكمال رقمنة الأرشيف وتنظيم الوصول إليه لاستخدامات أوسع في البحث العلمي والتاريخ الحضري والتخطيط المستقبلي، ويمكن أن يوفر للجامعات والباحثين والمؤرخين مصدرًا يعيد بناء تاريخ المدن السعودية بالصورة إلى جانب الوثيقة المكتوبة.

كما يمكن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور المتعاقبة، واكتشاف أنماط النمو والتغير، ومقارنة المخططات بما تحقق على الأرض، والتنبؤ بالاتجاهات العمرانية والبيئية قبل تحولها إلى مشكلات.

فالمدينة قد تصفها التقارير وتؤرخها الكتب، لكن الصورة الجوية تحفظ ما قد لا تسجله الكلمات: حدودها في لحظة معينة، واتجاه نموها، والأحياء التي وُلدت، والمعالم التي تبدلت، والأرض قبل أن يصل إليها العمران.

ولا يختصر هذا العمل في الطائرات والكاميرات والخرائط؛ إذ تقف خلفه فرق من الشباب والشابات السعوديين الذين راكموا الخبرة، وانتقلوا بالمنظومة من الفيلم والصورة إلى البيانات والنماذج الرقمية.

وبذلك لا تحفظ المنظومة شكل الأرض وحده؛ بل تحفظ كذلك أثر عمل وطني متصل عبر أجيال من المختصين.

ما أُنجز طوال 56 عامًا لم يكن تصويرًا للأرض فقط؛ بل كتابةً لتاريخ المملكة من السماء، وبناءً لقاعدة تساعدها على رؤية مستقبلها قبل أن ترسمه على الأرض.