اليوم 164: الممر يوقف السلام

إيران تفصل بين الترتيبات البحرية والتفاوض السياسي، وواشنطن تنتقل من التهديد العسكري إلى خنق الاقتصاد، فيما تكشف هجمات السفن أن اتفاق عُمان قد ينظم العبور من دون أن ينهي الحرب
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران يومها الـ164، من دون ضربات واسعة جديدة داخل الأراضي الإيرانية، لكنها لم تدخل طريق السلام أيضًا.
فالهدوء العسكري النسبي لا يعكس اقتراب التسوية، بقدر ما يكشف انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، يجري فيها استخدام مضيق هرمز والعقوبات وحركة السفن وأسعار الطاقة أدوات ضغط متبادلة.
وفي أحدث المواقف الإيرانية، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن الولايات المتحدة مطالبة بتلبية الشروط الإيرانية قبل استئناف حركة الشحن الكاملة عبر مضيق هرمز، مشددًا على أن بلاده لم تتخذ قرارًا بالعودة إلى المفاوضات مع واشنطن.
وأوضح أن الرسائل المتبادلة عبر قطر وباكستان لا تمثل مفاوضات، فيما تتركز المحادثات المنفصلة مع سلطنة عُمان على تحديد مسار بحري للعبور عبر المضيق.
وهنا تظهر أهم دلالة في الموقف الإيراني الجديد:
طهران تفصل بين تنظيم المرور في هرمز، وفتح المضيق بالكامل، واستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن الاتفاق المحتمل مع عُمان، حتى لو اكتمل، قد لا يكون اتفاقًا لإنهاء الأزمة، بل ترتيبًا فنيًا وأمنيًا يسمح بعبور محدود وفق قواعد وضمانات تقبلها إيران.
هجمات تعطل المسار
تزامنت التصريحات الإيرانية مع استمرار الهجمات على السفن العابرة للمضيق، إذ أعلنت شركة «أدنوك» تعرض إحدى سفنها لهجوم جديد، هو الثالث الذي يستهدف سفنًا تابعة لها خلال أسبوع، من دون وقوع إصابات، بينما تعرضت سفينة شحن أخرى لمقذوف مجهول المصدر. ولا تزال حركة العبور محدودة جدًا مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميًا قبل الحرب.
ولا تبدو هذه الهجمات منفصلة عن المسار السياسي؛ فهي رسالة عملية بأن إيران تريد الاحتفاظ بسلطة تحديد السفن المسموح لها بالعبور، حتى أثناء التفاوض على الممر المقترح مع عُمان.
وبذلك يصبح الخلاف أكبر من فتح طريق ملاحي؛ إذ يدور حول سؤال السيادة:
من يضع قواعد المرور في هرمز: إيران، أم الولايات المتحدة بقوتها البحرية، أم تفاهم إقليمي برعاية عُمانية؟
واشنطن تغيّر أداتها
في المقابل، تتجه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى زيادة الضغط الاقتصادي بدل العودة الفورية إلى حملة جوية واسعة.
وأكد مسؤولون أمريكيون استمرار الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، مع الاستعداد لإقرار عقوبات مالية أشد، فيما ربط ترامب كلفة الحرب ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي بالسيطرة على حركة الملاحة في المضيق.
هذا التحول لا يعني استبعاد الخيار العسكري، لكنه يشير إلى أن واشنطن تريد أن تجعل الوقت عبئًا على الاقتصاد الإيراني، من دون تحمّل كلفة جولة طويلة جديدة من الضربات.
أما طهران فتسعى إلى قلب المعادلة نفسها؛ فكل يوم يبقى فيه المضيق شبه مغلق ترتفع كلفة الحرب على أسواق الطاقة والدول المستوردة، وتزداد الضغوط على الولايات المتحدة للقبول بتسوية.
كل طرف يحاول أن يجعل الوقت يعمل ضده الآخر.
إسرائيل توسع الضغط
وعلى الجبهة الإسرائيلية، لا تظهر مؤشرات إلى استئناف حملة جوية واسعة داخل إيران، لكن إسرائيل تواصل العمل على الأطراف المرتبطة بطهران.
وقتل سبعة أشخاص وأصيب ثلاثة في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان، في واحدة من أعنف الضربات منذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في 20 يونيو، ما يكشف هشاشة التهدئة وإمكانية عودة الجبهة اللبنانية إلى التصعيد.
ويبدو أن إسرائيل تفضّل في المرحلة الراهنة إبقاء الضغط على الأذرع والنفوذ الإيرانيين، مع ترك المواجهة البحرية والاقتصادية المباشرة مع إيران للولايات المتحدة.
الحرب تلوث البحر
بدأت الأزمة تترك أثرًا يتجاوز الأمن والطاقة؛ فقد أظهرت صور الأقمار الاصطناعية بقعًا نفطية قرب جزيرة قشم، يرجح ارتباط إحداها بسفينة تضررت في هجوم سابق، بينما تعرقل التوترات إجراءات الإنقاذ والمعالجة.
وبذلك لم يعد إغلاق المضيق يهدد التجارة فقط، بل البيئة البحرية وسواحل الخليج أيضًا.
لماذا ترفض إيران تسمية الرسائل مفاوضات؟
تعمد عراقجي نفي صفة «المفاوضات» عن الرسائل المتبادلة عبر قطر وباكستان، لأن الاعتراف بوجود تفاوض الآن قد يُفهم داخليًا وخارجيًا على أنه تراجع تحت الضغط الأمريكي.
لذلك تحافظ طهران على ثلاث درجات منفصلة:
- رسائل غير مباشرة لا تلزمها سياسيًا.
- ترتيبات بحرية مع عُمان لا تعني فتح المضيق.
- مفاوضات سياسية لا تبدأ قبل استجابة واشنطن لشروطها.
هذه الصيغة تمنح إيران مساحة للمناورة؛ فهي تستطيع تسهيل مرور بعض السفن لتخفيف الضغط الدولي، من دون التخلي عن ورقة هرمز أو إعلان العودة إلى طاولة التفاوض.
ما الذي تريده طهران؟
تريد إيران تحويل السيطرة العملية على المرور إلى مكسب سياسي يتضمن وقف الحرب، وتخفيف العقوبات أو رفعها، وإنهاء الحصار على موانئها، والإفراج عن أموال مجمدة، والحصول على ضمانات تمنع تجدد الضربات.
أما الولايات المتحدة فتريد العكس: فتح المضيق أولًا، ثم مناقشة بقية الملفات، مع إبقاء الحصار والعقوبات وسيلة ضغط.
وبين الموقفين تقع العقدة الأساسية:
واشنطن تريد الممر قبل التسوية، وطهران تريد التسوية ثمنًا للممر.
المآلات المتوقعة
الأرجح: عبور محدود بلا سلام
يبقى السيناريو الأقرب هو التوصل إلى ترتيب عُماني يسمح بمرور عدد أكبر من السفن عبر مسار محدد، مع آلية إخطار أو تنسيق أمني، من دون إعلان فتح المضيق بالكامل.
وسيمنح ذلك الأسواق قدرًا من الطمأنينة، لكنه لن ينهي الحصار الأمريكي أو يعيد المفاوضات السياسية تلقائيًا.
الأخطر: حادث يفرض الضربة
قد يؤدي سقوط قتلى في هجوم على سفينة، أو إصابة ناقلة كبيرة، أو استهداف قطعة عسكرية أمريكية، إلى رد سريع ومحدد على منشآت بحرية أو مواقع للحرس الثوري.
ولا يعني ذلك بالضرورة عودة الحرب الجوية الشاملة، لكنه قد يهدم ما أنجزته الوساطة العُمانية ويعيد المضيق إلى الإغلاق الأشد.
الأبعد: صفقة شاملة
لا تبدو التسوية الكبرى قريبة؛ لأن الخلاف لم يعد متعلقًا بالبرنامج النووي وحده، بل أصبح يشمل الحصار، والعقوبات، والتعويضات، وحرية الملاحة، وتعريف السيادة على المضيق، وضمان عدم استئناف الحرب.
وأي اتفاق شامل يحتاج إلى حل هذه الملفات ضمن ترتيب متدرج ومتزامن، وهو ما لا تظهر له حتى الآن إرادة سياسية كافية لدى الطرفين.
التقدير
اليوم 164 لا يحمل بداية تفاوض، بل محاولة لتحديد شروط الوصول إليه.
إيران لا تريد فتح هرمز مجانًا، والولايات المتحدة لا تريد مكافأتها على إغلاقه. وبينهما تحاول عُمان بناء ممر بحري صغير داخل أزمة سياسية كبيرة.
وقد يكون الاتفاق على المسار البحري ممكنًا، لكن المشكلة أن فتح طريق للسفن لا يفتح بالضرورة طريق السلام.
الحرب الآن ليست حرب السيطرة على المضيق فقط؛ بل حرب تحديد من يدفع ثمن فتحه.