الحرب تلوّث الخليج

news image

بقعتان نفطيتان تظهران في المياه الإيرانية، وتسرب هائل يمتد من ناقلة جانحة إلى سواحل عُمان.. الصراع البحري يفتح جبهة بيئية تهدد المحميات والكائنات النادرة ومصادر رزق المجتمعات الساحلية

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
 

لم تعد آثار المواجهة في الخليج تُقاس بعدد السفن المتوقفة أو أسعار النفط وحدها.

فصور الأقمار الاصطناعية تكشف الآن وجهًا آخر للأزمة: بقع نفطية تتسع فوق المياه، وتلوث يصل إلى الشواطئ، وعمليات احتواء تواجه الطقس والحرب وتعقيدات الملكية والتأمين.

ورُصدت بقعتان جديدتان داخل الخليج، إحداهما قرب جزيرة قشم والأخرى قرب جزيرة سيري الإيرانية، بالتزامن مع استمرار تسرب ضخم من ناقلة جانحة قبالة عُمان.

وليست الحوادث الثلاثة ناتجة من سبب واحد؛ لكن تزامنها يحول أجزاء من الخليج وبحر عُمان إلى نطاق بيئي مضغوط، في وقت تعرقل فيه التوترات العسكرية الوصول إلى السفن المتضررة وتسريع عمليات الإنقاذ.
الرصد

الناقلة قبالة عُمان

جنحت ناقلة النفط «كارولين بيزنغي» في 30 يونيو قرب جزيرة القبلية ضمن أرخبيل الحلانيات، وهي منطقة بحرية محمية تتميز بتنوع بيئي شديد الحساسية.

وكانت الناقلة تحمل نحو 800 ألف برميل من النفط الروسي، ويُعتقد أنها تنتمي إلى ما يعرف بـ«أسطول الظل» المستخدم لنقل النفط الخاضع للعقوبات.

وتكشف صور الأقمار الاصطناعية أن مساحة التلوث اتسعت بسرعة؛ إذ انتقلت تقديراتها من نحو 45 كيلومترًا مربعًا في أواخر يوليو إلى مئات الكيلومترات خلال أغسطس، بينما وضعت بعض التقديرات الأحدث المساحة المتأثرة عند نحو ألفي كيلومتر مربع.

ولا تعني اختلافات الأرقام وجود تناقض بالضرورة؛ فهي تعكس تواريخ تصوير مختلفة، وتغير حركة الرياح والتيارات، واختلافًا بين قياس البقعة الكثيفة ورصد طبقة الزيت الرقيقة الممتدة حولها.

وأكدت هيئة البيئة العُمانية وصول النفط إلى شواطئ رأس مدركة، وتأثر نحو 40 كيلومترًا من الساحل، مع مخاوف من امتداده باتجاه جزيرة مصيرة.  

بقعة قشم

أظهرت صور التقطت في 10 أغسطس بقعة نفطية قرب جزيرة قشم الإيرانية، يُرجح ارتباطها بتسرب الوقود الثقيل من سفينة البضائع «مينوان بايونير»، التي تعرضت لهجوم في 3 أغسطس.

وامتد أثر التلوث إلى بعض شواطئ الجزيرة، فيما تأخرت محاولات الوصول إلى السفينة وتأمينها بسبب إجراءات التصاريح والظروف الأمنية.

وإذا ثبتت صلة التسرب بالهجوم، فسيكون هذا التلوث أثرًا بيئيًا مباشرًا للحرب البحرية، لا حادثًا ملاحيًا منفصلًا.

بقعة سيري

رُصدت في 13 أغسطس بقعة أخرى قرب جزيرة سيري، على مسافة تقارب مئة كيلومتر جنوب غربي قشم، بالقرب من منشآت إيرانية بحرية لإنتاج النفط والغاز.

ولم يُحدد مصدرها بصورة قاطعة حتى الآن، ولذلك لا يصح ربطها بالحرب أو بمنشأة بعينها قبل اكتمال التحقيق الفني.

الخطر تحت الماء

البقعة الظاهرة على سطح البحر ليست كل التلوث.

فالنفط الثقيل يتغير مع الوقت بفعل التبخر والأمواج والحرارة، وقد يتفتت إلى كتل صغيرة، أو يختلط بالرواسب، أو يهبط جزء منه إلى قاع البحر، حيث يصبح رصده وإزالته أكثر صعوبة.

وتهدد بقعة عُمان منطقة تضم:

  • الحوت الأحدب في بحر العرب، وهو من أكثر مجموعات الحيتان ندرة.
  • السلاحف البحرية التي تستخدم الشواطئ للتعشيش.
  • طيور الغاق السقطري والطيور المهاجرة.
  • الشعاب المرجانية ومروج الأعشاب البحرية.
  • مصائد الأسماك ومصادر دخل المجتمعات الساحلية.

وقد يبقى الأثر الكيميائي للنفط في الرواسب سنوات، حتى بعد اختفاء اللون الأسود من سطح الماء والشاطئ. وحذرت «غرينبيس» من أن التسرب يهدد نظامًا بيئيًا محميًا، وطالبت بتدخل دولي عاجل لتأمين حمولة الناقلة وتقييم الضرر بصورة مستقلة. .

الحرب تعرقل الإنقاذ

حادثة «كارولين بيزنغي» ليست مرتبطة مباشرة بالحرب الأميركية الإيرانية وفق المعلومات المتاحة؛ إلا أن البيئة العسكرية المحيطة بالمنطقة تزيد صعوبة الاستجابة.

فالطقس الموسمي القاسي يحد من وصول فرق الإنقاذ، والتوتر الأمني يرفع أخطار تشغيل السفن المتخصصة، بينما تطرح هوية الناقلة أسئلة قانونية ومالية معقدة.

الناقلة قديمة، وفقدت تسجيل العلم الذي كانت تعمل تحته، ولا تغطيها جهة تأمين بحرية دولية معترف بها على النحو المعتاد. كما أن اعتبار الضرر ناتجًا من «عمل حربي» قد يعقد الاستفادة من بعض صناديق التعويض الدولية.

وهكذا يظهر الخطر الأكبر: قد تكون البقعة معروفة، والسفينة محددة، ووسائل المكافحة متاحة؛ لكن المسؤول عن دفع كلفتها غير حاضر.

ماذا يجري الآن؟

بدأت شركة بريطانية متخصصة في المخاطر البحرية عمليات لاحتواء التسرب، فيما تتابع السلطات العُمانية حركة البقعة وتأثيرها في الساحل.

لكن الاحتواء السطحي وحده لا يكفي ما دامت الناقلة تحمل كمية كبيرة من النفط، وما دام احتمال تدهور هيكلها أو انقسامها قائمًا.

فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بكمية النفط التي تُجمع من الشاطئ، بل بمنع خروج ما تبقى داخل السفينة.

إجراءات المكافحة

أولًا: إيقاف المصدر

الإجراء الأكثر إلحاحًا هو تثبيت الناقلة، وفحص هيكلها وخزاناتها، وسحب النفط المتبقي إلى ناقلة آمنة بعملية نقل بحرية عاجلة.

كل ساعة تتأخر فيها هذه الخطوة تترك البحر يتولى توزيع النفط على مساحة أوسع.

ثانيًا: تطويق البقعة

تُنشر الحواجز العائمة حول مناطق التسرب وفي الممرات المؤدية إلى الشواطئ والمحميات، ثم تستخدم الكاشطات والسفن المجهزة لسحب النفط وتجميعه.

لكن نجاح الحواجز يعتمد على ارتفاع الأمواج وسرعة التيارات؛ إذ قد تتجاوزها البقعة في الظروف البحرية القاسية.

ثالثًا: حماية المواقع الحساسة

يجب إعطاء الأولوية لمناطق تعشيش السلاحف، والشعاب المرجانية، ومروج الأعشاب، ومداخل الخلجان ومصائد الأسماك، بدل توزيع المعدات بالتساوي على كامل الساحل.

فالهدف ليس مطاردة كل بقعة، بل منع النفط من الوصول إلى الأماكن التي يصعب تعافيها.

رابعًا: تنظيف الشواطئ بحذر

تختلف طريقة التنظيف باختلاف طبيعة الساحل. فالإزالة اليدوية والمواد الماصة قد تناسب بعض الشواطئ، بينما قد تؤدي المعدات الثقيلة أو غسل الصخور بضغط مرتفع إلى دفع النفط أعمق داخل الرواسب وإحداث ضرر أكبر من بقائه.

وتؤكد الإرشادات الدولية أن اختيار وسيلة المكافحة يجب أن يوازن بين ضرر النفط وضرر عملية التنظيف نفسها.  .

خامسًا: تقييد استخدام المشتتات

لا ينبغي استخدام المواد الكيميائية المشتتة تلقائيًا؛ فهي لا تُزيل النفط، بل تفككه إلى قطرات أصغر داخل عمود الماء.

وقد تكون مفيدة في ظروف محددة، لكنها قد تنقل الخطر من السطح إلى الأسماك والشعاب والكائنات البحرية، ولذلك يجب أن تخضع لتقييم بيئي دقيق قبل استخدامها قرب المحميات.

سادسًا: إنقاذ الحياة البحرية

تحتاج المنطقة إلى فرق متخصصة لجمع الطيور والسلاحف والكائنات المتضررة وتنظيفها وعلاجها، مع منع دخول الجمهور إلى بعض المواقع حتى لا يتعرض للمواد السامة أو يعرقل عمليات الإنقاذ.

سابعًا: قيادة إقليمية موحدة

حركة النفط لا تعترف بالحدود السياسية. لذلك تتطلب الأزمة غرفة عمليات بيئية تضم عُمان ودول الخليج وإيران، مع دعم المنظمة البحرية الدولية والمراكز الإقليمية المختصة.

وتدعو الاتفاقية الدولية للاستعداد والتصدي للتلوث النفطي إلى توفير مخزون من معدات المكافحة، ووضع خطط تفصيلية، وإجراء تدريبات وتعاون بين الدول عند الحوادث الكبرى. .

من يدفع الثمن؟

لن ينتهي الملف عند تنظيف البحر.

فالحادث يفتح أسئلة حول مسؤولية مالك الناقلة، والجهة المشغلة، وشركة التأمين، والدولة التي كانت السفينة ترفع علمها، والجهة التي تسببت في الضرر الأول، إضافة إلى تعويض الصيادين والمجتمعات الساحلية وتمويل إعادة تأهيل المحميات.

وفي حالة السفن المرتبطة بشبكات ملكية غامضة وعقوبات وتأمين غير معترف به، قد تقع الكلفة في النهاية على الدولة المتضررة، بينما يختفي المالك الحقيقي خلف شركات مسجلة في أكثر من بلد.

وهنا تنتقل القضية من حادث بيئي إلى خلل في النظام البحري الدولي الذي يسمح لسفن قديمة محمّلة بمئات الآلاف من البراميل بالإبحار من دون مسؤولية مالية واضحة.

ما وراء البقعة

كانت الحرب تدور حول من يسيطر على مضيق هرمز، ومن يسمح للسفن بالعبور، ومن يملك حق فرض الشروط.

لكن النفط المتسرب يقدم سؤالًا آخر:

من يحمي البحر نفسه من السفن والحروب والحصار؟

قد تتوقف الضربات، وقد تُمدد المذكرة، وقد تعود بعض الناقلات إلى المرور؛ لكن تنظيف الشاطئ وإعادة الحياة إلى المحميات قد يحتاجان سنوات.

الحرب لا تكتفي بإغلاق البحر أمام السفن؛ فقد تتركه مفتوحًا بعد انتهائها، لكنه أقل حياة مما كان.