السعودية تحمي الاستقرار

مجلس الوزراء يؤكد أولوية الحوار لخفض التصعيد، ويثمّن اتساع التحالف البحري، ويقر حزمة من الأنظمة والقرارات الداعمة للاستثمار والذكاء الاصطناعي والإسكان
جدة | بث
رأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء، الثلاثاء، في جدة، في وقت تتسع فيه التحركات السعودية على مسارين متوازيين: احتواء التصعيد في المنطقة، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة التحول والنمو.
وعكست الجلسة تكامل أدوات السياسة السعودية؛ فمن الاتصالات السياسية رفيعة المستوى والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية، إلى بناء تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة والتجارة والطاقة، وصولًا إلى تحديث الأنظمة وفتح مساحات جديدة للاستثمار والتقنية والإسكان داخل المملكة.
الحوار قبل الاتساع
أطلع ولي العهد مجلس الوزراء على مضمون الاتصال الهاتفي مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترمب، وما تناوله من تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها على مختلف المستويات.
وأكدت المملكة خلال الاتصال ضرورة تغليب نهج الحوار لخفض التصعيد، وبذل جميع الجهود لتحقيق التهدئة، بما يمهد الطريق أمام حلول دبلوماسية تحافظ على الأمن الإقليمي واستقراره.
ويكشف هذا الموقف عن ثبات المسار السعودي في التعامل مع الأزمات؛ فالمملكة لا تنظر إلى التهدئة باعتبارها موقفًا مؤقتًا، بل بوصفها مدخلًا سياسيًا يمنع توسع الصراع، ويحمي الدول والمجتمعات والاقتصاد العالمي من تداعيات يصعب احتواؤها إذا تجاوزت حدودها الحالية.
كما أحاط ولي العهد المجلس بمجمل اتصالاته مع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، ورئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وما تناولته من علاقات التعاون والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.
ولا تنفصل كثافة هذه الاتصالات عن طبيعة المرحلة؛ إذ تتحرك الرياض بين عواصم المنطقة والعالم لتقريب المواقف، وخفض احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، والحفاظ على قنوات سياسية مفتوحة في وقت ترتفع فيه لغة القوة والتهديد.
التحالف يتسع
قدّر مجلس الوزراء الدعم الدولي المتنامي والانضمام إلى التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي أطلقته المملكة، لحماية مسارات الملاحة الدولية وطرق التجارة وإمدادات الطاقة من التهديدات المتصاعدة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن.
ويمثل اتساع المشاركة الدولية في التحالف انتقالًا من القلق المشترك إلى الفعل المنظم؛ فالممرات التي يستهدف التحالف حمايتها لا تخدم دولة بعينها، وإنما تشكل شرايين رئيسة للتجارة العالمية وحركة السفن وإمدادات الطاقة.
كما يعكس إطلاق التحالف تحول المملكة من إدارة آثار التهديدات البحرية إلى بناء إطار دولي للردع والحماية، يقوم على تقاسم المسؤولية وتنسيق القدرات وتوسيع نطاق المراقبة والاستجابة.
وبذلك تتكامل ثلاثة مسارات في التحرك السعودي: القوة الأمريكية للضغط والردع، والتحالف البحري بقيادة المملكة لحماية الممرات، والدبلوماسية السعودية لمنع اتساع الحرب وفتح الطريق أمام التسوية.
غزة إلى السياسة
تطلع مجلس الوزراء إلى أن يشكل الاتفاق التاريخي المتعلق بنزع السلاح في قطاع غزة منطلقًا لمسار سياسي شامل، يفضي إلى التنفيذ الكامل لخطة السلام، ويكفل للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وثمّن المجلس جهود مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية ومجلس السلام في تحقيق الاتفاق.
ويضع الموقف السعودي الاتفاق ضمن سياقه الأوسع؛ إذ لا تكفي الترتيبات الأمنية وحدها لإنهاء الصراع، ما لم تُترجم إلى مسار سياسي يعالج جذوره ويمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، وفي مقدمتها إقامة الدولة المستقلة.
منصة للعمل الإنساني
أكد مجلس الوزراء حرص المملكة على دعم العمل الإنساني والإغاثي وتوسيع نطاقه، من خلال تنظيم الدورة الخامسة لمنتدى الرياض الدولي الإنساني في إبريل المقبل.
ويعزز المنتدى موقع الرياض منصةً عالمية لبناء الشراكات الإنسانية المستدامة، وتنسيق الجهود الدولية، وتيسير وصول المساعدات إلى المحتاجين والمتضررين.
وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل تعدد مناطق النزاع واتساع الاحتياجات الإنسانية؛ إذ لم تعد الاستجابة الطارئة وحدها كافية، بل أصبحت الحاجة أكبر إلى شراكات طويلة المدى تربط التمويل بالتنفيذ والوصول الفعلي إلى المتضررين.
عقد من التحول
رحّب المجلس بما ورد في تقرير مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي لعام 2026، من تأكيد مرونة الاقتصاد السعودي وقدرته على التكيف مع التحديات.
واستند تقييم الصندوق إلى متانة الأسس الاقتصادية، وتنوع البنية التحتية، وكفاية التخطيط المالي طويل المدى، والاستقرار المالي والنقدي، إلى جانب الإصلاحات الهيكلية المنفذة في إطار رؤية السعودية 2030.
وتكتسب الإشادة أهميتها من كونها تأتي بعد عقد كامل من التحول الاقتصادي؛ لم يعد خلاله التنويع هدفًا مستقبليًا فقط، بل أصبح مسارًا تظهر نتائجه في كفاءة المؤسسات، وتوسع الأنشطة غير النفطية، وتحسن مؤشرات الصحة والتعليم، وتحقيق عدد من المستهدفات قبل موعدها.
كما أشاد المجلس بمنجزات برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وما أسهمت فيه مبادراته ومشاريعه من تطوير الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين منذ وصولهم حتى مغادرتهم.
تشريعات لاقتصاد جديد
أقر مجلس الوزراء عددًا من الأنظمة والقرارات التي ترسم ملامح مرحلة جديدة من التنظيم الاقتصادي والاستثماري، في مقدمتها الموافقة على نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، والموافقة على النظام الأساس للمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
ويجمع القراران بين مسارين متكاملين: رفع كفاءة إدارة الإنفاق والعقود الحكومية، وبناء مرجعية دولية تتعامل مع الأسئلة الأخلاقية والتنظيمية المصاحبة للتوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي.
ومن شأن المركز الدولي أن يعزز حضور المملكة في صياغة المبادئ التي تحكم التقنية، لا بوصفها مستخدمًا لها فحسب، بل شريكًا في تشكيل أطرها الفكرية والأخلاقية عالميًا.
الإسكان شراكة
وافق المجلس على أن يتولى المستثمر تطوير الأراضي المخططة وتنفيذ وحدات سكنية لمستفيدي الإسكان التنموي، مقابل حصوله على ملكية نسبة من الأراضي.
ويقدم القرار نموذجًا جديدًا للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص؛ إذ يربط العائد الاستثماري بتحقيق أثر اجتماعي مباشر، ويسهم في تسريع تطوير الأراضي، وزيادة المعروض السكني، وتوفير وحدات للمستفيدين بكفاءة أعلى.
كما وافق المجلس على تمديد مهلة تصحيح أوضاع التصرفات العقارية غير الموثقة لمدة سنة، بما يمنح أصحاب تلك التصرفات فرصة إضافية لاستكمال الإجراءات النظامية، ويسهم في تعزيز موثوقية السوق العقارية وحماية الحقوق.
المالية تعبر الحدود
سمح المجلس للمقرات الإقليمية للمؤسسات المالية المرخصة من وزارة الاستثمار بمزاولة الأنشطة المالية عابرة الحدود التي تعتمدها لجنة برنامج تطوير القطاع المالي.
ويتجاوز أثر القرار استضافة المقرات الإدارية؛ إذ يتيح لها ممارسة أعمال مالية تخدم أسواقًا خارج المملكة انطلاقًا من مقراتها الإقليمية فيها، ما يعزز موقع الرياض مركزًا لإدارة الأعمال والخدمات المالية الدولية.
كما يرفع القرار القيمة الاقتصادية للمقرات الإقليمية، ويوسع نطاق الوظائف النوعية والخبرات والأنشطة التي يمكن توطينها، ويمنح المؤسسات المالية سببًا تشغيليًا أعمق لاتخاذ المملكة قاعدة لأعمالها في المنطقة.
شراكات متعددة
وافق مجلس الوزراء على اتفاقية عامة للتعاون مع الإكوادور، واتفاقية مع كازاخستان لتشجيع الاستثمارات وحمايتها، ومذكرة تفاهم مع إسبانيا في مجال الطيران المدني، واتفاقية للتعاون في النقل البحري مع الصومال.
كما وافق على مذكرة تفاهم بين وكالة الفضاء السعودية ووكالة الفضاء التركية للتعاون في الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي، وفوّض وزير التعليم بالتباحث مع الجانب الكوري بشأن التعاون في التدريب التقني والمهني.
ووافق المجلس على انضمام الإدارة العامة للخدمات الطبية بوزارة الداخلية إلى الاتحاد الدولي للمستشفيات، واعتمد الحسابات الختامية لجامعات حائل وطيبة والقصيم والجوف عن أعوام مالية سابقة.
وتكشف خريطة الاتفاقيات عن تنويع مدروس للشراكات؛ فهي تمتد من الاستثمار والطيران والنقل البحري إلى التدريب والفضاء والصحة، وتربط العلاقات السياسية بمشروعات عملية قابلة للتحول إلى معرفة واستثمار وقدرات وطنية.
دولة تتحرك بمسارين
تقدم جلسة مجلس الوزراء صورة لدولة تدير تحديات الحاضر من دون أن تؤجل صناعة المستقبل.
ففي الخارج، تتحرك المملكة لخفض التصعيد، وحماية الممرات الدولية، ودعم السلام والحقوق الفلسطينية، وتوسيع العمل الإنساني.
وفي الداخل، تستمر في تطوير التشريعات، وتحفيز الاستثمار، وتنظيم الذكاء الاصطناعي، وتعميق السوق المالية، وابتكار حلول للإسكان، وبناء شراكات دولية في قطاعات المستقبل.
وهذا هو البعد الأهم في الجلسة: حماية الاستقرار لا تتوقف عند منع الحرب، بل تشمل بناء اقتصاد ومؤسسات ومجتمع قادر على مواصلة العمل مهما اشتدت الاضطرابات من حوله