الله يقويكم ولا يغنيكم
حين يخاف الكرسي من المبدع، تتحول الإدارة من صناعة الإنجاز إلى حياكة المكائد
كتب: عبدالله العميره
الحياة العملية، في كل مكان من العالم، ممتلئة بالمتناقضات.
فيها الجد والهزل، والعمل والكسل، والهدوء والعواصف، والإبداع والجمود والتكرار.
فيها المكيدة، كما فيها الأمانة والصدق والشفافية.
وفيها من يعمل لينتج، ومن يتظاهر بالعمل ليبقى، ومن ينشغل بإثبات حضوره أكثر من انشغاله بصناعة أثره.
لا توجد بيئة عمل مريحة تمامًا، ولا مؤسسة بلا مشكلات، ولا مكان يخلو من أشخاص سلبيين.
لكن المؤكد أن الإنسان ما كان ليتقدم لولا المبدعون؛ أولئك الذين يرون ما لا يراه الآخرون، ويصنعون من الفكرة واقعًا، ومن العقبة طريقًا.
وإذا كان الإبداع في البيئة الداعمة إنجازًا، فإن الإبداع المضاعف هو أن يعمل الإنسان وينتج روائعه داخل بيئة مفككة أو محبطة، تقاومه بدل أن تسانده، وتختبر قدرته على البقاء أكثر مما تختبر قيمة ما يصنعه.
في هذا المقال أضع بعض النماذج تحت الضوء، لا لأنها الأكثر عددًا، بل لأنها حين تحضر تكون الأعلى صوتًا والأشد تأثيرًا، وقد تفرض ضعفها على دائرة كاملة.
وأنا أحب النقد، لا لأن الحياة ليست رائعة، ولا لأنني أبحث عن النقص في كل جميل؛ بل لأنني أرى فيمن أنتقده كمالًا ممكنًا، بدأه ولم يعرف كيف يكمله.
فالنقد الحقيقي لا يهدم الإنسان.
إنه يزيل ما يحجب أجمل ما فيه.
أبدأ بمقولة معروفة :
لا إله ولا ضمير.
عبارة لا تفتش في عقيدة أحد، بل تصف مجازًا شخصًا يتصرف كأنه تجرّد من الرادع الديني، والوازع الأخلاقي، والإحساس الإنساني.
لكن بعضهم يضيف إلى هذا الفراغ أشياء أخرى:
لا إله، ولا ضمير، ولا علم، ولا شخصية.
وإذا اجتمعت هذه الأربعة، لم يبقَ في المشهد إلا كرسي كبير يجلس عليه رجل صغير.
أتذكر ذلك الإقطاعي الذي وقف أمام فلاحين فقراء يعزقون أرضه تحت الشمس، ورفع يديه داعيًا بصوت يسمعه الجميع:
«الله يقويكم ولا يغنيكم».
كان يريدهم أقوياء بما يكفي للعمل، وفقراء بما يكفي للبقاء.
لا يكسرهم حتى يعجزوا، ولا يرفعهم حتى يستغنوا عنه.
وهذه ليست حكاية من زمن الإقطاع فقط؛ فما زال بعض المديرين يرددون الدعاء نفسه، لكنهم استبدلوا الأرض بالمكاتب، والفأس بالحاسوب، والإقطاعية بالإدارة.
يريد المسؤول منهم أن يبدعوا، ولكن ليس إلى درجة أن يُعرفوا.
أن ينجحوا، ولكن من دون أن يُذكر فضلهم.
أن يحملوا المؤسسة، بشرط ألا ترتفع رؤوسهم فوق كتفه.
فإذا أخطأ المبدع، استدعى مكبر الصوت.
وإذا أصاب، أغلق فمه وفتح درجًا دفن فيه الثناء.
إنه يعتقد أن الاعتراف بالموهبة سلّم، وأن المبدع إذا صعد درجةً فقد ينظر إلى الكرسي، وربما اكتشف أن الجالس عليه أقصر مما كان يبدو من أسفل.
ولهذا يبعد المبدعين، ويقرب «المهاطيل».
مهاطيل هي جمع كلمة أهطل، وتُستخدم في اللهجات العامية، بمعنى الشخص الأحمق، أو الغبي، أو السفيه في تصرفاته وغير الضابط لكلامه.
لا لأنهم أفضل، بل لأنهم لا يلقون ظلًا أطول من ظله.
المبدع يقلقه؛ لأنه يسأل ويقترح ويقارن.
أما الفارغ فيطمئنه؛ يهز رأسه قبل أن يفهم، ويصفق قبل أن يسمع، وينسب إلى المدير حتى شروق الشمس.
جاءت أستاذة غربية متخصصة في التسويق والإدارة إلى دولة مطلة على الخليج، براتب ضخم ومهمة واعدة، ثم غادرت قبل أن تكمل شهرًا.
قالت إنهم يقضون في حياكة المؤامرات وقتًا يفوق ما يقضونه في صناعة الإبداع.
وجدت أن للدائرة أنوالًا كثيرة، لكن ليس بينها نول واحد ينسج فكرة.
كل خيط يقود إلى وشاية، وكل باب خلفه همس، وكل نجاح يحتاج إلى لجنة للتحقيق في صاحبه.
فغادرت غير آسفة على الراتب؛ لأنها أدركت أن المال قد يشتري وقت المبدع، لكنه لا يستطيع شراء اختناقه.
وهل يصنع الفقر الإبداع؟
قد توقظ الحاجة الحيلة، وقد يخترع الجائع طريقةً للوصول إلى الرغيف.
لكن الجوع لا يبني مختبرًا.
والفقر إذا طال لا يصنع العبقرية؛ بل يستهلك التركيز، ويهدر الكرامة، ويجعل المبدع مشغولًا بالنجاة بدل الابتكار.
المبدع لا يحتاج إلى قصر.
يحتاج إلى أمان لا يُبتز به، ومساحة لا يُعاقب فيها على السؤال، وأدوات تكفيه، وحق في الخطأ، وتقدير عادل، وقائد لا يخاف من أن يكبر الذين حوله.
أما المسؤول الذي لا كلمة له، فتراه واجهةً لامعة لمتجر فارغ.
يغيّر رأيه بتغير الداخلين، ويوقّع ما يُملى عليه، ثم ينشغل بتلميع صورته حتى يظن أن لمعان الإطار سيغني الناس عن النظر إلى اللوحة.
قد ينجح لبعض الوقت؛ فالصورة أسرع من الحقيقة، والمصفقون أكثر نشاطًا من المنجزين.
لكن التلميع لا يصنع معدنًا.
وصاحب الوجهين ليس أذكى من الآخرين؛ هو فقط يؤجل لحظة انكشافه.
له وجه للاجتماع، ووجه للممر، وكلمة أمامك، ونقيضها بعد أن تغادر.
ومثل هذا لا يُمنح سرًا، ولا يُشترى منه وعد.
يُعطى مستندًا؛ لأن الورق لا يملك وجهًا ثانيًا.
أما المكيدة، فلا تنتشر بدهاء صانعها وحده.
إنها تحتاج إلى عقل مستعد لتصديقها، ومسؤول يحب الرواية التي تعفيه من البحث، وحكم ظالم يخشى التراجع؛ لأن الاعتذار في نظره هزيمة.
ولهذا يتمسك بعضهم بخطئه بعد ظهور الحقيقة.
ليس لأنه لم يفهمها، بل لأنه فهم أن الاعتراف بها سيُسقط الصورة التي أمضى عمره في تلميعها.
والرسالة إلى أصحاب الكراسي بسيطة:
تستطيعون تأخير المبدع، لكنكم لا تستطيعون إلغاء قيمته.
وتستطيعون حرمانه من الثناء، لكنكم لا تستطيعون نسبة الضوء إلى المصباح إذا كان الجميع يعرف مصدر الكهرباء.
وتستطيعون إحاطة أنفسكم بالمصفقين، لكن التصفيق لا يدير مؤسسة عندما تبدأ الجدران في السقوط.
احذروا اللحظة التي يصمت فيها المبدع.
فقد لا يكون قد استسلم.
ربما يكون قد وجد الباب.
المبدع لا يموت في الدائرة التي تحاربه؛ هو يغادرها.
والذي يموت ببطء هو الدائرة.