الإعلام والرأي العام

news image

 

حين يكفي صوت واحد ليتكلم الجميع

 

كتب: عبدالله العميره

المشهد بسيط جدًا.

امرأة تقف أمام مئات الديوك الرومية، ثم تطلق صوتًا واحدًا يشبه أصواتها.

وفجأة، يرد الحشد كله.

صوت واحد في البداية، ومئات الأصوات في النهاية.

لا أحد يعرف ماذا قالت.

وربما هي نفسها لم تقل شيئًا.

ومع ذلك، جاء الرد فوريًا، جماعيًا، حماسيًا، ومنظمًا إلى درجة توحي بأن الديوك عقدت قبل التصوير اجتماعًا طارئًا، واتفقت على بيان موحد، وفوضت متحدثًا رسميًا، ثم قررت أن تجيب بصوت واحد.

لم تكن المرأة تحمل ميكروفونًا.

ولم تقف خلف منصة.

ولم تقل: «عاجل».

ولم تستند إلى مصادر مطلعة.

ولم تستضف خبيرًا استراتيجيًا يشرح أسباب التوتر المتصاعد داخل الغابة.

ومع ذلك، حققت حملتها الإعلامية نسبة استجابة تقترب من 100%.

ولو حضر مركز لاستطلاعات الرأي، لأعلن فورًا:

غالبية ساحقة تؤيد الموقف.

شاهدت المقطع ضاحكًا.

ثم شاهدته بعين الإعلامي.

فلم أعد أرى امرأة وطيورًا وغابة.

رأيت وسيلة إعلام، وجمهورًا، ومنصة تواصل اجتماعي، ورأيًا عامًا يُصنع في أقل من عشر ثوانٍ.

المرأة أطلقت الإشارة.

الحشد رددها.

والكاميرا سجلت الضجيج.

ولم ينقص المشهد سوى شريط أسفل الشاشة يقول:

الشارع يخرج عن صمته.

الرأي العام يتحدث

نسمع كل يوم عبارات كبيرة وواثقة:

الرأي العام غاضب.

الرأي العام يرفض.

الرأي العام يطالب.

الرأي العام يرحب.

ويبدو «الرأي العام» في نشرات الأخبار كأنه شخص معروف، له عنوان ورقم هاتف، يستيقظ صباحًا، ويعقد مؤتمرًا صحفيًا بعد الظهر، ثم يرسل بيانه إلى وسائل الإعلام قبل المساء.

لكن أحدًا لا يسأل:

من تحدث معه؟

وأين اجتمع؟

ومن اختار له هذه الكلمات الدقيقة؟

هل استيقظ ملايين الناس في اللحظة نفسها، وفكروا بالطريقة نفسها، وصاغوا الجملة نفسها؟

أم أن شخصًا واحدًا أطلق الصوت أولًا، ثم ردده الآخرون حتى اختفى الصوت الأصلي داخل الضجيج الجماعي؟

الرأي العام موجود بالتأكيد، لكنه لا يتكون دائمًا بالطريقة التي يُعرض بها علينا.

فهو أحيانًا نتيجة معرفة ونقاش وتجربة ومصالح مشتركة.

وأحيانًا أخرى يكون مجرد صدى قوي لصوت سبق الجميع إلى الميكروفون.

المرآة التي ترتب وجهك

قيل طويلًا إن الإعلام مرآة المجتمع.

وهذا صحيح.

لكن بعض المرايا الحديثة لا تكتفي بعكس الوجه.

إنها تطلب منك أن تقف في زاوية معينة.

ترفع ذقنك قليلًا.

تعبس.

تنظر إلى اليمين.

ثم تلتقط لك الصورة وتقول:

هذا هو شكلك الطبيعي.

الإعلام لا يحتاج دائمًا إلى اختراع الخبر حتى يؤثر في الرأي العام.

يكفيه أن يختار خبرًا من بين مئة خبر، ويضعه في المقدمة، ويمنحه عنوانًا غاضبًا، ويرفقه بصورة مقلقة، ويكرره كل نصف ساعة.

ثم يسأل الجمهور:

لماذا أنتم قلقون؟

الخبر قد يكون صحيحًا، لكن الحقيقة لا تصل إلى الناس وحدها.

يصل معها العنوان، والصورة، والضيف، والموسيقى، وحجم الخط، وترتيب الخبر، والكلمة التي اختيرت لوصفه.

هناك فرق بين أن تقول:

وقع خلاف بين طرفين.

وأن تقول:

انفجر الخلاف بين الطرفين.

الحدث نفسه، لكن العبارة الثانية وصلت وهي تحمل حقيبة ملابس الحرب.

كيف تبدأ الصيحة؟

تبدأ غالبًا بعبارة يعرفها الجميع:

«كشفت مصادر مطلعة».

والمصدر المطلع شخصية عجيبة في الإعلام.

إنه موجود في كل مكان، ويعرف كل شيء، ولا يراه أحد.

يدخل الاجتماعات المغلقة، ويقرأ الوثائق السرية، ويجلس قرب صناع القرار، ثم يخرج من كل ذلك ليهمس بالمعلومة إلى صحفي، بشرط ألا يعرف أحد اسمه.

تنشر الوسيلة الأولى الخبر نقلًا عن مصدر مطلع.

وتنقله الثانية عن «تقارير إعلامية».

وتنشره الثالثة عن «مصادر متعددة».

وتستضيف الرابعة محللًا لمناقشة أبعاده.

وبعد ساعة، يصبح لدينا أربع وسائل وثلاثة مصادر وخمسة محللين، مع أن الجميع ربما يشرب من الكوب نفسه.

تتعدد النوافذ، لكن الغرفة واحدة.

وتتكاثر الأصوات، بينما المعلومة لم تتحرك من مكانها.

أربع ربطات عنق

بعد الخبر، يبدأ التحليل.

تفتح الشاشة لأربعة ضيوف.

الأول يقول إن الوضع خطير.

والثاني يقول إن الوضع بالغ الخطورة.

والثالث يحذر من خطورة التقليل من خطورة الوضع.

أما الرابع، فيختلف معهم جميعًا، ويؤكد أن الوضع أخطر مما يتصورون.

ينتهي البرنامج، ويشعر المشاهد أنه استمع إلى أربعة آراء مختلفة.

والحقيقة أنه استمع إلى رأي واحد يرتدي أربع ربطات عنق.

وقد يجري اختيار الضيوف بعناية، ليس لأنهم مختلفون، بل لأنهم قادرون على تقديم النتيجة نفسها بأصوات متعددة.

الأول غاضب.

والثاني هادئ.

والثالث أكاديمي.

والرابع كان مسؤولًا سابقًا، وهي صفة تمنحه القدرة على تأكيد كل شيء بعد خروجه من المسؤولية.

يختلفون في طريقة الجلوس، ويتفقون في الطريق الذي يجب أن يسلكه عقل المشاهد.

الخوارزمية رئيسة التحرير

في الإعلام القديم، كان رئيس التحرير يسأل:

ما الخبر الأهم؟

أما اليوم، فقد جلست الخوارزمية على الكرسي، ووضعت قدمًا فوق أخرى، وسألت:

ما الخبر الذي سيجعلهم يتشاجرون؟

الخوارزمية لا تفهم التاريخ، ولا تعرف الفرق بين الحقيقة والنكتة، ولا يعنيها أن يكون المحتوى مفيدًا أو ضارًا.

إنها مخلوق شديد العملية.

إذا أغضب المحتوى الناس، رفعته.

وإذا أخافهم، وسعت انتشاره.

وإذا جعلهم يتبادلون الاتهامات طوال الليل، منحته مكافأة إضافية في الصباح.

أما الخبر الهادئ المتوازن، الذي يشرح المسألة بدقة، فقد ارتكب في نظرها خطأ مهنيًا فادحًا:

لم يجعل أحدًا يصرخ.

وهكذا يصبح الأعلى صوتًا هو الأكثر ظهورًا، ثم يتحول الأكثر ظهورًا إلى الأكثر انتشارًا، ويُقدّم الأكثر انتشارًا بوصفه الأكثر أهمية.

وبعد ذلك يقال لنا:

هذا ما اختاره الجمهور.

والحقيقة أن الجمهور اختار من قائمة رتبتها الخوارزمية قبل وصوله.

وقد يفتح الإنسان خبرًا لأنه لم يصدقه، فتسجل المنصة دخوله بوصفه اهتمامًا.

وقد يشاركه ساخرًا، فتحتسب المشاركة دعمًا لانتشاره.

وقد يعلق عليه معترضًا، فيراه النظام تفاعلًا إضافيًا يدفع الخبر إلى مزيد من الناس.

فالآلة لا تفهم السخرية أو الاعتراض أو الاشمئزاز.

إنها تعد النقرات، ثم تترك للخبراء مهمة تفسيرها.

وبذلك قد يساعد أشد المعارضين للخبر في تحويله إلى الأكثر انتشارًا.

ثم تأتي وسيلة الإعلام لتقول:

الموضوع يشغل الرأي العام.

نعم، يشغله.

لكن ربما لأنه يحاول طرده من بيته.

من الخبر إلى الترند

تنشر وسيلة إعلام خبرًا.

ينقله حساب مشهور.

يختصره آخر بطريقة تزيل نصف المعنى.

يضيف ثالث معلومة لم تكن موجودة.

ويضع رابع صورة لا علاقة لها بالحدث.

يغضب خامس.

ويسخر سادس.

ويطالب سابع بإقالة شخص لا يعرف اسمه كاملًا.

وبعد ساعات، يدخل الموضوع قائمة الأكثر تداولًا.

ثم تعود وسيلة الإعلام نفسها لتغطية الترند الذي ساهمت في إطلاقه.

بدأ الأمر بخبر نشرته، ثم أصبح منشورات، وتحولت المنشورات إلى ضجيج، وقيس الضجيج بوصفه اتجاهًا عامًا.

وبعد ذلك خرجت الوسيلة بتقرير يقول:

الرأي العام يتفاعل بقوة.

أي أن الإعلام أطلق الصوت، وسجل الصدى، ثم عاد ليقدمه بوصفه صوت الناس.

ولو فعل شخص ذلك في جبل، وصرخ ثم سمع صوته يعود إليه، لما قال:

الجبل يؤيدني.

لكنه في الإعلام قد يحول الصدى إلى حلقة نقاشية كاملة.

استطلاع بعد الصيحة

بعد ذلك يصل استطلاع الرأي، مرتديًا بدلته العلمية، ليمنح الضجيج رقمًا محترمًا.

يُطرح السؤال:

هل تؤيد الإجراء الضروري لحماية المجتمع؟

كلمة «الضروري» أجابت قبل المشارك.

أو يقال:

هل تشعر بالقلق من هذه التطورات الخطيرة؟

فإذا لم يكن الشخص قلقًا، تكفلت كلمة «الخطيرة» بإعداد مشاعره قبل الإجابة.

ثم تعلن النتيجة:

نسبة كبيرة من الجمهور تشعر بالقلق.

ولا يضيف التقرير:

بعد أن أخبرناها في السؤال أن عليها أن تقلق.

الاستطلاع لا يكذب بالضرورة، لكنه قد يضع الإجابة في فم المشارك، ثم يسجل بدهشة أنه نطق بها.

وقد يسأل ألف شخص، ثم يعلن ما يفكر فيه الملايين.

وربما لم يفكر الألف في الموضوع قبل أن يتصل بهم الباحث.

لكنهم بعد المكالمة أصبحوا جزءًا من موقف عام، له نسبة عشرية، ورسم بياني، وخبير يشرح دلالاته.

الأكثر صياحًا ليس الأكثر عددًا

الجمهور ليس قطيعًا، والناس لا يرددون كل شيء لأنهم عاجزون عن التفكير.

لكن الإنسان كائن اجتماعي.

حين يجهل الأمر، ينظر إلى الآخرين.

وحين تتزاحم المعلومات، يختصر الطريق.

وحين يسمع العبارة نفسها من عشرات الحسابات، يظن أن تعدد الأصوات يعني تعدد المصادر، مع أن الحسابات قد تكون جميعها تنقل من منشور واحد.

نحن لا نملك الوقت للتحقق من كل شيء، ولذلك نثق أحيانًا في التكرار.

لكن التكرار لا يحول الخطأ إلى حقيقة.

إنه فقط يجعل الخطأ مألوفًا.

كما تمنح المنصات انطباعًا بأن من يظهر أمامنا يمثل المجتمع كله، بينما الذي يظهر غالبًا هو من نشر أكثر، وعلق أكثر، وغضب أكثر، أو أتقن استخدام الخوارزمية أكثر.

أما الصامتون، فلا يظهرون في قوائم الأكثر تداولًا، ولا تفتح لهم البرامج نوافذ؛ لأن الصمت لا يصلح لحلقة تلفزيونية.

وقد تكون الأغلبية صامتة، أو مترددة، أو مشغولة بحياتها.

لكن أقلية نشطة تستطيع أن تبدو أغلبية إذا تحدثت طوال الوقت.

وهنا ينبغي التمييز بين الرأي العام وضجيج الجمهور.

الرأي يتكون ببطء، أما الضجيج فيحتاج إلى شرارة.

الرأي يستطيع أن يشرح نفسه، أما الضجيج فيكتفي برفع صوته.

الرأي قد يتغير إذا ظهرت معلومات جديدة، أما الضجيج فيعد التراجع خيانة.

الإعلام الذي يحترم جمهوره

قد يبدو هذا المقال نوعًا من جلد الذات الإعلامي، لكنه لا يضع الإعلام كله في قفص الاتهام.

إنه يعني الإعلام السطحي؛ إعلام الصوت الذي يعلو كلما فرغ من المعنى.

أما الإعلام الاحترافي، فلا يقود الجمهور بالصدى، ولا ينظر إليه من علٍ؛ بل ينزل إلى مستوى الناس ليفهم أسئلتهم، ثم يرتقي بهم بالمعلومة الصحيحة، والتحليل الواقعي، والاستشراف المنضبط القريب من الواقع.

فهو لا يصنع رأيًا عامًا يردده الناس، بل يمنحهم المعرفة التي تمكّنهم من تكوين آرائهم بأنفسهم.

ومسؤوليته ليست إخفاء ما يحدث، أو مطالبة الناس بالصمت، أو التظاهر بالحياد أمام الحقائق الواضحة.

مسؤوليته أن يميز بين نقل المعلومة وقيادة المتلقي خفية إلى موقف محدد.

الإعلام المهني لا يصنع الغضب ثم يستضيفه.

ولا يختار صوتًا واحدًا، ويضخمه، ثم يقدمه بوصفه صوت الجميع.

ولا يستخدم الجمهور دليلًا على صحة قصة كان هو أول من كتبها.

وظيفته ألا يمنح الناس عبارات جاهزة يرددونها، بل معلومات كافية ليصوغوا عباراتهم بأنفسهم.

وهذه مهمة صعبة.

لأن صناعة الضجيج تحتاج إلى ميكروفون.

أما صناعة الوعي فتحتاج إلى ضمير.

الديك الذي فكر

في الكاريكاتير، يردد الحشد كله الصوت الصادر من الميكروفون.

أفواه مفتوحة.

وهواتف مرفوعة.

وسماعات تنقل الإشارة بدقة.

لكن واحدًا فقط يقف في المقدمة صامتًا، واضعًا يده تحت ذقنه.

لم يعترض.

ولم يؤيد.

ولم يكتب منشورًا طويلًا يبدأ بعبارة: «من الآخر».

لقد فعل شيئًا أكثر إزعاجًا في عصر السرعة:

فكر.

ربما سأل نفسه:

من أطلق الصوت؟

ولماذا أطلقه؟

وهل ما سمعته رسالة، أم مجرد شخص يقلد صوتي؟

وهل أجبت لأن لدي رأيًا، أم لأن الجميع أجاب؟

ذلك الصامت قد يبدو غريبًا وسط الحشد، وقد يُتهم بالتردد أو السلبية أو الوقوف ضد الإجماع.

لكن التردد للحظة ليس دائمًا ضعفًا.

قد يكون آخر خط دفاع عن العقل.

لحظة بين الصوت والجواب

ليس المطلوب أن نشك في كل خبر، أو نرفض كل ما يقوله الإعلام، أو نعتقد أن كل اتجاه عام مؤامرة مدبرة في غرفة مظلمة.

المطلوب فقط أن نترك بين الصوت والجواب لحظة صغيرة.

لحظة نسأل فيها:

ما المصدر؟

من اختار الزاوية؟

هل نقلت الوسائل معلومات مختلفة، أم كررت العبارة نفسها؟

هل ما أراه رأيًا عامًا، أم رأيًا مرتفع الصوت؟

وأين الذين لم يتكلموا؟

في الفيديو، كان الرد الجماعي مضحكًا.

أما في الحياة، فقد يصنع الرد نفسه سمعة إنسان، أو قرار مؤسسة، أو خوف مجتمع، أو موقف دولة.

ولهذا لا تكمن قوة الإعلام في أنه يتحدث إلى الناس فقط.

قوته الأكبر أنه قد يجعل الناس يتحدثون بلغته، وهم يظنون أنهم يتحدثون بلغتهم.

وبعد كل حملة، لا يكفي أن يقول الإعلامي ووسيلته:

لقد تم الرصد.

بل يجب أن يسألا:

هل قِيس الأثر؟

ماذا ترك هذا الصوت في وعي الجمهور؟

هل منحه معلومة، أم زرع فيه خوفًا؟

هل ساعده على الفهم، أم دفعه إلى الترديد؟

فالحشد في الفيديو لم يفهم الصوت، لكنه استجاب له.

وهنا يكمن السؤال الأهم:

ماذا يترك الصوت غير المفهوم في حشد يرد عليه بهذه الحماسة؟

الفرق بين الإنسان والصدى ليس في القدرة على إصدار الصوت، بل في القدرة على التوقف قبل ترديده.

وقبل أن ننضم إلى الحشد، ونفتح أفواهنا في التوقيت نفسه، ربما يجدر بنا أن نسأل:

هل هذا صوتنا فعلًا، أم أننا أجبنا فقط لأن الجميع أجاب؟